عاد كاميرون والبقية إلى المقر ثم سأل: هل الجميع يبيت هنا؟
(رينا): بلى.
(كاميرون): هل المقر فندق أيضًا؟؟
ضحكت بخفة وشرحت له: لا ، ولكن والدي أعطى غُرفًا مشتركة للرجال المشردين أمثالك.
(كاميرون) بـ استغراب: مُشرديـن؟
(رينا): الذين هم بلا مأوى، مثلك، أنت أيضًا ستشاركهم في نفس الغرفة، والأغطية داخل الخزانة.
(كاميرون): أولًا توقفي عن إهانتي ثانيًا لماذا لايشترون منازل؟ أساسًا يستطيعون شراء قصور!
(رينا): لأنهم مقطوعين عن شجرة، بلا أهل، البعض مثل ميلڤين لا يُمانع العيش في بيت لوحده ولكن الكثير من الأعضاء يحبون الجو العائلي، لذلك يعيشون هُنا.
(كاميرون): لكن الغرف المشتركة ستكون ذو جوٍ ثقيل، لمَ لا تعطوني غرفة لوحدي؟... قال ذلك مع ابتسامة.
ردت مع ابتسامة جانبية: لأنك لست في فندق.
زفر وتوجه إلى تلك الغرفة على مضض ...
في اليوم التالي. صباحًا...
وطدت قدما كاميرون على المقر، ليجد رينا وجيسيكا وباركر متوشـحين بمعاطف الأطباء.
مدّت لهُ رينا واحدًا، فتناولهُ منها متعجبًا، وسأل:
ــ لماذا علينا ارتداؤها؟!
رمقت رينا باركر، واستطردت موضحةً لهُ الأمر:
ــ لأجل أن نُحقق حُلمَ باركر للمرةِ الألف.
صدرت ضحكات خافته من الجميع، عدا كاميرن الذي قطب حاجبيه، وقال:
ــ لم أفهم.
قلبت (رينا) سموايتيها، وتنهدت:
ــ آهٍ منك.
سحبت المعطف من يده، وشرعت تُدخل يديه بالأكمام رغمًا عنه، فترنح، وتذمر:
ــ هااي! هاي!.. على رسلك، أستطيع أن أرتديه بنفسي!
ابتعدت، ونبست بينما تستقر يداها على خصرها:
ــ ارتده بسرعةٍ إذن!.. لا تؤخرنا!
ومرت من جانبه، لتباشر طريقها نحو الأمام. تبعها بقية أتباعها، وسمعت وقع أقدام كاميرون الراكضة خلفها، أتبعها صوته:
ــ فقط، أُريد أن أفهم!
(رينا) دون أن تحيد عيناها عن الطريق:
ــ سنذهب إلى المستشفى.
(كاميرون): لماذا؟!
تأففت، فأجابت جيسيكا عوضًا عنها:
ــ نحتاج بعض المواد الكيماوية لنُصنِّع المخدرات.
(كاميرون): هممم.
(جيسيكا): كان عليك أن تفهم هذا من تلقاء نفسك بمجرد معرفة أننا سنذهب إلى المشفى.
(كاميرون): وكيف لي أن أُدرك هذا من تلقاء نفسي!؟
(جيسيكا): ولمَ قد تذهب عصابة إلى مستشفىٍ في رأيك؟؟
(كاميرون): آه.. معكِ حق، لم أربط الأمور فحسب.
(باركر) بتهكم: هه.. اعترف أنك أحمق فحسب!
(كاميرون): لستُ كذلك!
وأردف: أكل هذه السخرية لمجرد سؤال؟!
(باركر): ما رأيك أن تبكي!
(كاميرون): التزم الصمت!
كاد باركر أن يقول شيئًا لولا مقاطعة (جيسيكا):
ــ حسنًا حسنًا!.. يبدو أن العضو الجديد لا يُحب المزاح، لذا لن نمزح معه مجددًا.
(كاميرون): كلا، أنا أُحِبُ المزاح، ولكنني أمقُت المزاح المرافق للسخرية!
واصلوا طريقهم بالسيارة في صمت، حتى كسره كاميرون بسؤالٍ وجهه لجيسيكا:
ــ صحيح.. قبل قليل قالت رينا أننا سنذهب لنحقق حُلم باركر، ماذا تعني بذلك؟.. ألم يذهب إلى المستشفى من قبل؟!
شخرت جيسيكا ولوحت بيدها قائلة:
ــ لا، لا.. كان حلمه أن يُصبح طبيبًا.
افترقت شفتاه بذهول، فاستدار محدقًا بباركر الذي يقعد خلفه. تبصره من الأعلى إلى الأسفل، وتعابيره تنضخ بالسخرية...
رفع باركر أحد حاجبيه، وسأله بنبرةٍ جافة:
ــ ما خطبُ هذه النظرة؟
(كاميرون) وهو يلوي شفته بطريقة مستفزة:
ــ لا شيء البتة.
(باركر) وقد صرَّ على أسنانه:
ــ تحدث بوضوح حتى لا أهشم لك هذا الأنف الأحمق!
(كاميرون): أخفتني على فكرة.
(جيسيكا): اهدأوا يا شباب!
(باركر): لن أهدأ وهذا السافل يقلل من قدري!
(كاميرون): هه.. أنت لا تمتلك قدرًا حتى أُقلل منه.
(باركر): أسمعتُن؟...
وقام بثني أكمامه، وقال: لا تلوميني يا رينا لما سأفعله به!
(رينا) وهي تُحاول التركيز على الطريق:
ــ يُستحسن أن تبقى في مكانك.
(باركر): وتمر سُخريته مني بسلام؟!
(رينا): لقد سخرت منه قبل قليل ولقد أخذ حقه فحسب.
(باركر): كلا!.. الأمر مُختلف.
(جيسيكا): حسنًا.. يكفي!
(باركر): حتى أنتِ تقفين معه!
(جيسيكا): لا يا باركر.
وأضافت: لو كنت طبيبًا فأنا واثقة من أنك ستكون من أفضل الأطباء!
ابتسم بخفة، ولكن ابتسامته انمسحت حين سمع كاميرون يُقهقه.
انفرجت شفاه باركر ليقول شتيمه، غير أنه قد صمت حين سبقه كاميرون في قوله:
ــ حسنًا يا باركر، أتعلم لمَ لا يحق لك أن تحلم بالطب؟
(باركر) بغطرسة: أجبنا من فضلك؟!
(كاميرون): لأن الطب يستلزم النظافة.
صُعِـق، وصدرت عن جيسيكا ضحكة مكتومة، في حين تُلثم رينا فمها بقبضتها حتى لا تزلَ ضحكتها هي الأخرى.
زمجر (باركر) بعد أن شعر بأن مشاعره قد جُرِحت:
ــ أيرضيكِ هذا يا رينا؟!.. أيرضيكِ أن يصفني بالقذر لكوني أسودًا؟!
وأضاف بحنق: لا للعنصرية!
لوحت رينا قبضتها في الهواء، وكررت:
ــ لا للعنصريـة!
وأردفت بجدية: كاميرون!.. سينقص من رصيدك ألف دولار!.. فنحن لا نتساهل مع العنصرية!
(باركر): أجل!
(رينا): وستضاف إلى رصيد باركر!
(باركر) وهو يشد على قبضته: رائع!
(كاميرون): مهلًا مهلًا!.. أنا لم أعني هذا!
(رينا): لا تحاول أن تبرر!
(كاميرون): أبدًا!.. إنهُ قذرٌ بالفعل!.. وليست القذارة في لونه بل في شعـره!
صمتوا جميعًا، حتى شرخ الصمت صوت باركر المستنكر لذلك:
ــ شعري؟!.. وما بهِ شعري!؟
(كاميرون): بهِ خمسون ضفيرة!
(باركر): وما المشكلةُ في ذلك؟!
(كاميرون): تكمن المشكلة في آخر مرةٍ ضفّرتَ فيها هذه الضفائر!
امتقع وجهه، إذ أنه بالفعل لا يذكر متى كانت آخر مرة؟!...
ابتسم كاميرون، في حين انفجرت جيسيكا ورينا بالضحك...
هدأَ باركر، ثم اعتدل في جلسته، وتمتم: سحقًا لكم.
تلفت كاميرون يمنةً ويسرة، ثم عقد حاجبيه واستفسر:
ــ رينا...
رمقته من المرآة الأمامية للسيارة، وسألته: ماذا؟
(كاميرون): أليس من المفترض أن تأخذي معكِ حارسك الشخصي؟؟
(رينا): هه.. ليس عليه أن يحرسني دائمًا.
وأضافت: أنا لا أُحب أن يحرسني أحد، ولكنني جعلته حارسًا حتى يطمئن أبي لا غير.
(كاميرون): هممم.
واستطردَ سائلًا: ولمَ لم يأتِ بقية مجموعتك معنا؟
(رينا): أوكلت لهما مهمةً أخرى.
واصلوا المسير، حتى وصلوا إلى الوجهةِ المقصودة. أخرج كاميرون رأسه من النافذة وحدق بالمبنى العريض أمامه، ثم سأل:
ــ كيف ستدخل دون أن يُكشف أمركمُ؟؟
(جيسيكا): سندخل إلى المشفى ككوننا ممرضين.
(كاميرون): ولكنهم سيرتابون لعدم رؤيتهم لنا من قبل!
(جيسيكا): وعذرنا أننا جُدد.
كاد أن يضيف سؤالًا آخر، غير أنه قد أطبق شفتيه حين سمع رينا تقول:
ــ لا عليك يا كاميرون، سندخل وسترى بنفسك كيف تتم الأمور.
وأردفت: تفقد جيب معطفك.
أدخل يده في الجيب، ليجد بطاقةً شخصية مزورة، تحمل صورته واسم رودي غارسيا.
امتقع وجهه، وسأل: رودي!؟.. ألم تجدِ اسمًا أفضل من هذا؟!
هزت كتفيها بمعنى لا.
ابتسم باركر، وتحدّث بعفوية: واسمي هو الأسوأ.
(كاميرون): وما هو؟
(باركر): سكوير بانتس مايكروتك.
قهقهت، جيسيكا وقالت: أما أنا فلورين هندرسون.
(رينا): فلورنسيا هندرسون.
(باركر) بامتعاضٍ شديد: ولمَ أسماؤكنَ جميلة بينما نحن العكس!؟
(رينا): صدفة!
(كاميرون): هـه..
ارتدت شعرًا مستعارًا وكمامة، وكذلك الحال مع جيسيكا.
رمش (باركر) عدة مرات، وقال: وماذا عنا؟!
(رينا): لم يتسنى لي تصويركما بشعرٍ مستعار، ولهذا ستكتفيان بارتداء النظارات والكمامة.
(كاميرون): هذا التنكر هو تمويه لكميرات المستشفى، صحيح؟
ابتسمت (رينا) لاستنتاجه، وقالت: بلى.
دخلوا إلى المستشفى، وتوغلوا بين الدكاترة والممرضين كأفرادٍ منهـم.
ثم...
توجهوا نحو الغرفة المخصصة للأدويـة، وأثناء مشيهم، جـمعهم الرواق مع إحدى الممرضات.
ابتسمت الممرضة ابتسامةً جانبية ونطقت: رينا.
(رينا) مع ابتسامة: فيكتوريا.
ثم صافحتها، وقالت: أيمكنك أن تؤمني لنا الغرفة؟
(فيكتوريا): بالطبع، ولكن عليكم أن تتريثوا قليلًا حتى يخرج الممرض رايمند.
أتاهم وقعُ خطوات، فلوحت فكتوريا بيديها، وهمست باضطراب: اختبئوا في هذه الغرفة!
وبعد أن ابتعد الطبيب رايمند، فتحت لهم الباب، وقالت: هيا أسرعوا!
هرولوا نحو غرفة الأدوية، وسارع باركر في فتح حقيبة ظهره. وشرعوا بجمع أكبرر عدد من الأدوية وبعض المطهرات.
وأثناء ذلك، تحدّث كاميرون سائلًا رينا:
ــ هل فيكتوريا تلك تابعةٌ لعصابة والدك؟
(رينا) وهي منهمكة بجمع ما أمامها: نعم.
(كاميرون): همم.. شعرت بأني قد التقيت بها مسبقًا.
(رينا): حسنًا، احرص على خفة يدك.
(كاميرون): أوه!.. هي فيكتوريا بيكهام صحيح؟!
قلّبت (رينا) عينيها، وقالت: لا!.. هي فيكتوريا روبنسن.
وأردفت: دعك من هذه الأسئلة، واعمل بسرعة.
(كاميرون): حسنًا، كل ما في الأمر أنني شبهتها بفتاةٍ أعرفها.
كادت عينا رينا أن تخرج من محاجرهما حين لاحظت أن باركر يجمع كل معقم أمام ناظرية بعشوائية.
سألته، وأعينها تخترقه:
ــ أنت لا تطّلع على محتوى المعقم، صحيح؟!!
(باركر): أأ....!
(رينا): أحمق!.. لن نستفيد منها إن كانت خالية من الكحول!!
(باركر): أعلم، ولكننا سنستخدمها في تعقيم جراحنا وبهذا لن تضيع سدًا!
(رينا): لا تُثر أعصابي!.. نحن الآن بحاجة للمعقمات ذات التركيز العالي، أما هذه فسنستطيع شراءها بكل بساطة!
(باركر): وهذه نستيطع شراءها من الصيدلية بكل بساطة!
(رينا) وقد نفد صبرها: أيُها الـ...
وقبل أن تشتمة، سبقها كاميرون في الكلام:
ــ لا نستطيع شراء كمية كبيرة من المواد الكيماوية دون إثارة الريبة ولاسيما بأننا لسنا دكاترة ولا نمتلك مستشفىً.
(رينا) موجهةً كلامها لباركر: أفهمت؟!
(باركر): ولكن الوقـ...
(رينا): اصمت وأكمل عملك!
تململ باركر، ونطق متنهدًا: حسنًا.
اقتربت جيسيكا منه، وسألته:
ــ باركر، ما خطبك؟.. هل نمت البارحة جيدًا؟؟
(باركر): لا داعي للسخرية.
(جيسيكا): أنا جادة!
رمق رينا بطرف عينه، ثم همس:
ــ في الحقيقة.. لم أنم إلا قريب الفجر.
(جيسيكا) وقد رفعت أحد حاجبيها: وهذا لأنك سهرت مع ألكس لشرب الخمر؟
استفسرها (باركر) مخفضًا حاجبيه: لن تشي بي، أليس كذلك؟!
(جيسيكا) مع ابتسامة: لا تخف، حماقتك في أمان.
وكز مرفقها، وابتسم. ثم رأيا رينا وهي متسمرةً بهما، فسارعا في الاعتذار:
ــ نعتذر، لن نكررها، وسنعمل بسرعة!!
غرقوا في العمل... وعلى حين غرةٍ منهم. عاد الممرض رايمند ليأخذ المرهم الذي نسيه.
فرهت شفتاه، وهو يراقب عملية السرقة التي تحدث أمامه.
وكان أول من لاحظ وجوده هو كاميرون مما جعله يتجمد مكانه. غضبت رينا لتوقفه فصرخت:
ــ لا تتوقف!.. الوقت ليس بكفتنا.
تمتم، وعيناه ما تزالان معلقتان بالممرض: انكشف أمرنا.
رمقت الممرض بحدة، والتهمته بقية الأعين، فابتلع ريقه وقال:
ــ ماذا تفعلون؟
(باركر): أأ.. نرتب الأدوية.
رفع رايمند حاجبه بشك، وحدق بالحقيبة، لتردف جيسيكا بعذرٍ أقوى:
ــ قسم العمليات طلب منا أن نحضر الكثير من المعقمات.
(رايمند): وكل هذا القدر؟
(جيسيكا): نعم، ولبقية أطباء آخرين.
(رايمند): همم.
وأردف: لم يسبق لي أن رأيتكم من قبل.
(رينا): نحن موظفين جدد.
(رايمند): وتوظفتم الأربعة خلال هذا اليوم؟
صمتوا.. فرد عليه كاميرون بتردد:
ــ آا.. نعم.
همهم (رايمند) وأومأ برأسه هامسًا: حسنًا.
ثم استدار على عقبه مغادرًا، فحدجّت رينا باركر وأمرته:
ــ إلحق به!
ركض، ولكن الممرض رايمند كان قد فرَّ راكضًا منذ البداية، فحدّث باركر نفسه" كُشِفنا لا محالة!"
لم يستطع أن يلحق به أكثر، فبعد أن أخذ رايمند ذلك المنعطف بات في مكانٍ يعج بالمرضى والدكاترة.
عاد باركر إلى رفاقه، وصرخ:
ــ لقد أفلت مني!.. علينا أن نغادر حالًا!
حملت جيسيكا الحقيبة، وساعدها باركر في ذلك. لحق بهما الآخران، وورد اتصالٌ لرينا.. ما كانت لترد، ولكن المتصل كانت فيكتوريا:
ــ رينا!.. قدم شرطيان لاستجواب أحد المصابين، وقد سمعت رايمند يقول لهما بأن هناك لصوص!
(رينا): لا عليكِ!.. المهم بأن الكميرات لا تصورك الآن!
(فيكتوريا): لا، أنا بدورة المياه.
أقفلت رينا الخط، وباشرت ركضها إلى جانب كاميرون.
رمقت جيسيكا وباركر، وقد سبقاهما في النزول.
ثم...
سمعا صوت شرطي من خلفهما: توقفا وإلا سأطلق النار!
رسمت رينا خطة سريعة في ذهنهاا " من الجيد أن جيسيكا، وباركر قد تمكنا من النزول سريعًا...
والآن عليّ أنا وكاميرون أن نغير من وجهتنا حتى لا يُلقى القبض علينا جميعًا"
أمسكت بمعصمه، وجرته معها إلى ممرٍ آخر.
أطلق الشرطي الرصاص بينما يصعد الآخران السلالم المؤدية إلى الطابق الرابع، ارتد الرصاص على الدرابزين، فصرّ الشرطي على أسنانه، واتصل بزميله ليخبره عن مكان اللصين.
دخلا إلى المصعد. كبست رينا على الأزرار قاصدةً الطابق الأرضـي.
ثوانٍ فقط، حتى وصلا...
فُتح الباب بطريقةٍ آلية، ليتجلى لهما الشرطي الثاني، وقد كان بانتظار المصعد حتى يستخدمه.
صُعِقَـا، وجحظت عيناهما، وحين أراد الشرطي الدخول، كبست رينا على الأزرار بسرعة، لينطلقا عاليًـا.
اتصل الشرطي بزميله الآخر، وأعلمه: وجدت اثنان!.. وقد صعدا إلى الطابق الأخير!
أجابه زميله: عُلم!
وهناك في الطابق الخامس..
واصلا الهرولة نحو الدرابزين المؤدي إلى السطح.
تحدث كاميرون شاقًا أنفاسه الهائجة: سطح المستشفى ليس خيارًا جيدًا!
(رينا) وقد جفَ حلقُها: ولكنه.. الخيار الوحيد.
(كاميرون): لمَ لا نختبئ، وننتظر اللحظة المناسبة للنزول؟
(رينا): كلا، سيجدوننا من خلال الكاميرات.
(كاميرون): آوه.. سحقًا!
وطأا على آخر درجة، وفتحا الباب...
ولجا إلى السطح، وسكا الباب بالمسك.
جلس كاميرون على الأرض متنفسًا الصعداء، بينما رينا راكعة على ركبتيها محاولةً أن تزدردَ ريقها.
(كاميرون): والآن.. ماذا سنفعل؟
(رينا): سنبحث عن طريقة مناسبة للنزول من هنا.
(كاميرون): أأنت مجنونة؟!
(رينا) مع ابتسامة جانبية: ماذا؟.. أتخاف من المرتفعات؟!
(كاميرون): لا!.. ولكن نسبة نجاحنا ضئيلة!
(رينا) بتبلد: ألديك خُطةُ أخرى؟؟
صمت، فاستدارات موليةً لهُ ظهرها. تقدمت نحو أطراف المبنى وتبصّرت الطريق أسفلهم، ومدى الارتفاع الشاهق الذي يفصلهم عن الأرض.
تنهدت، وحدّثت نفسها "أذكر أن هناك قصبات خارجية للمبنى"
واصلت بحثها، وحين أطلت على الجانب الأيسر من السطح، وجدتها... قصبة معدنية مثبته من السطح حتى الطابق الأرضي.
ابتسمت، وأشارت نحو كاميرون بإشارة، تعال.
تقدّم نحوها، وسألها: أوجدتِ طريقة؟
(رينا): سنستخدم هذه القصبة.
ألقا نظرةً عليها، فعقد حاجبيه وقال: ربما لن تحتمل وزننا.
هزت كتفيها، وقالت: هذا هو الحل المتاح.
(كاميرون): تريثي يا رينا، سنجد حلًا آخر.
دوى صوت الباب خلفهما إثر ركلات رجال الشرطة. وصرخ أحدهما:
ــ أنتما محاصران!.. إن لم تفتحا الباب فسنكسره ونُزيد من مدة عِقابَكُما!
(رينا) معيدةً بصرها إلى كاميرون: لم يعد لدينا وقت!
وأردفت: هيا انزل.. واحرص على التشبث بها دون أن تثقلها بوزنك!
(كاميرون): انزلي أنتِ أولًا فهي لن تحتمل وزن شخصين.
بدأت الطلقات النارية تخترق الباب، أتبعها صوت ضربات عنيفه جعلت صوت رجِهِ يزداد.
قبضت رينا على كتفه، وتحدثت بصرامة:
ــ كاميرون. سنكون بخير، هيا.. وإن سقط أحدُنا فعلى الآخر أن يمسِكَ به.
توضحت عينيه، لتتأكد من مدى وقع كلماتها عليه. أومأ بشكلٍ خفيف، واستطرد قائلًا:
ــ حسنًا. سأنزل أولًا.
صعد على الجزء المرتفع من السطح، وتشبث بالاسطوانة المعدنية، زاحفًا نحو الأسفل ببُطء.
تبعته الأُخرى، وحاولت التشبث بأصابعها حتى لا تضغط على القصبة.
أخذت رينا تتمتم، مع كل حركةٍ تقوم بها: بهدوء، ببُطء. بهدوء، ببُطء...
اتسعت سماويتيها حين لمحت بعض البراغي تنزلق من مكانها، فدق قلبها بوجل، وحاولت أن تُسرع من زحفها قليلًا، وعندهـا...
خرجت إحدى القطع المعدنية عن موضعه، إذ أن امسامير الصدئة تحملت طاقة فاقت طاقتها.
سقطت رينا، فشهقت وانكمشت أمعاؤها جزعًا.
اعتصر الخوف قلب كاميرون، وفرغ جوفه من الهواء، حين رأى رينا تمر من جانبه كالنيزك.
اندفع جسده لا إراديًا، فتدلى، وأمسك بيدها في آخر لحظـة.
فتحت عيناها ببُطء، فتأرجحت الرؤيةُ أمامها، وحدقت بكاميرون الذي يُجاهد على بقاء معصمها محتجزًا بين أصابعه.
استنشقت دموعها، وأفترت عن ابتسامةٍ ممتنة، فبادلها الابتسامة ولكن بصعوبة.
وفجأةً... اجتاح مسمعهما صوت المعدن منذرًا بالنهيار.
لم يلحقا على فعل أي شيء، فانهارت الاسطوانةُ بالكامل،
واستقبلهما الهواء الطلق.
تلاشت شهقتهما في الجو، وشد كُلٌّ منهما على يد الآخر بينما يُغلِقان أعينهما بشدة.
لم تكن المسافة المتبقية كبيرة، بيد أنها كفيلة بتحطيم ما يُقارب ثلاثةَ عشر عظمة.
التحمت أجسادهما بالقاع، وانكتمت أنفاسهما استعدادًا لتلقي الألم. ثانية.. فثانيتين... ثم ثلاث دون أن يشعرا بأي تهشم.
تزامنت أهدابهما في الرمش، كُلٌّ منهما يطالع الآخر بتعجب. لاحت عيناهما في المكان فإذ بهما يستلقيان على أرائك وثيرة ذات جلدٍ أسود...
تلفتا يمنةً ويسرة، ليدركا بأن هذه أرائك سيارة.
جاءهما صوت جيسيكا من مقعد القيادة:
ــ كُنتُ دقيقةً للغاية، أعلم!.. لا داعي للشكر.
تنـهـدا براحة، بينما يطالعهما باركر بابتسامةٍ عريضة.
(باركر): نجوتما بإعجوبة!
همست (رينا) أثناء تأملها بسقف السيارة المفتوح:
ــ نعم.
ثم وجهت بصرها إلى كاميرون، واستفسرته:
ــ أأنت بخير؟؟
(كاميرون) وهو ما يزال متسمرًا بها:
ــ نعم.. فقط ظهري من يؤلمني قليلًا.
صدرت عنها ضحكة مكتومة، وضاقت عيناها وهي تحاول ألَّا تضحك بهستيرية.
راقبها كاميرون بصدمة، ثم ابتسم بخفة، وتمتم محدثًا نفسه " كيف بإمكانها أن تضحك بعد كل ما مررنا به؟! "
.
.
أخذت رينًا نفسًا عميقًا لتستنشق بهِ عبق المنزل.
رأت والدها وهو يعبث بشيءٍ ما، فاقتربت منه سائلة:
ــ أبي، ماذا تفعل؟
ابتسم أثناء قوله: أبحث عن الغرامافون.
ــ آه أبي. لم يعد يستخدم تلك الأسطوانة أحدٌ غيرك.
ــ هذا لأنه آخر ما تبقى من تاتيانا.
انخفض حاجبيها، واعتلت شفتاها ابتسامةٌ حزينة.
التفت إليها الزعيم وقال مداعبًا:
ــ هيا أميرتي، اذهبي وارتدي فستانًا أم أنكِ لا تودين رقصَ الفالس مع والدك؟
لوحت بيدها قائلة: أبدًا، لقد مر زمنٌ طويل على آخر مرة رقصنا فيها الفالس وأخشى أن أدهس قدمك.
قهقه الزعيم، وهز يده بإشارة هيا اذهبي بسرعة.
بشَّ وجهها وصعدت إلى غُرفتها.
نزلت بعد مدة، وقد ارتدت فستانًا زُمردي اللون. يميل إلى الأسود من شدة خُضرته.
أفتر الزعيم عن ابتسامةٍ حنونة، ثم وضع الإبرة على أخاديد الاسطوانة ليتضخّم صوت الموسيقى عبر بوق الجهاز.
اقترب من ابنته شابكًا أصابعه بأصابعها ومرخيًا يده الأخرى على خصرها.
أمسكت بكتفه، واستقرت سماويتيها بسماويتيه.
بدأ بالتناغم مع الألحان، بينما الزعيم يُذكِرُها بالخطوات:
ــ الآن خمس خطواتٍ إلى اليمين.
أخفضت بصرها إلى أقدامهما فأردف الزعيم ناهيًا:
ــ كلا يا رينا. على رأسكِ أن يظلَ مرفوعًا، ولا يجب أن تشرد عيناكِ عن شريكك.
قهقهت، واستفسرته: وكيف أضمن بأني لن أدوس على قدمك.
ــ اتبعيني في كل حركة، وستحفظين خطواتي.
تأملته بصمت مسترجعةً ذلك الشعور، حين ظنت أن هذا هو آخر يومٍ لها.
تسللت ابتسامة باهتة إلى شفتيها، ونطقت بنبرة مبحوحة:
ــ أبي..
ــ نعم أميرتي؟
ــ أشعر بأني اشتقتُ إليك.
عقد حاجبيه وسأل: ماذا تعنين؟ ها أنا أمامك.
ــ لا لم تفهمني.
شردت عيناها لثانية وأردفت:
ــ في الماضي، كنا نُخصص وقتًا لقضاء الوقت معًا، تارةً تصطحبني إلى المطعم وتارةً تلبي طلبي في زيارة أماكن بعيدة.
ــ هممم.. تعنين أن العمل قلل من وقتنا معًا.
ــ بلى..
ــ ليكن لكِ ذلك.
نطقت بسعادة: شكرًا لك أبي.
لانت تعابيره، وقال: وشكرًا لكِ وحيدتي.
Ahed Nasser🍂