متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم

متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم

44 1

كان الظلام دامسًا عندما فتح ميلڤين الباب وتوجه نحو كايون الذي يرقد بجانب الكلب الهامد.

حمله، ووضعه على الأريكة بالغرفة المجاورة، شرع يُنظّف قميصه الذي تلطخ بدماء الكلب، فغمغم أثناء ذلك" الأحمق، راح يحضن الكلب بعد أن قتله"

1

أخذ خرقة مبللة ومسح بها على وجهه وثيابه، ولاحظ أن وجهه ما يزال متورمًا من شدة البكاء. فتح كايون عينيه بصعوبة وعندما قابله وجه ميلڤين انتفض من مكانه وتراجع إلى الخلف، احتدت تعابيره وشتمه في نفسه بأقذر الشتائم. استقام ميلڤين مغادرًا فقال:

1
1

ــ هيا إلى المنزل.

رفع كايون عينيه المحمرتين، ونطق من بين شفتيه العابسة: وأمي؟

التفت إليه وحذّره: من الأفضل لك ألَّا تعرف.

ــ هي ستعرف حتى إن لم أقُل لها.

ــ فقط التزم الصمت، واترك الباقي لي.

أردف: وحذارِ من أن تشتكي لها بكلمة لأني عندها سـ...

قاطعه كايون وقال بحدة:

ــ من الأفضل لك ألَّا تستمر في تهديدي لأن ذلك سيُنبت قرنين على رأسي، وعندها.. سأفعل عكس كلامك! ولن أُبالي بأي شيء!

حدجه ميلڤين واستطرد قائلًا:

ــ فلتمشي أمامي.

نهض من الأريكة وسار أمامه بعد أن رمقه باحتقار ...

وطدت أقدامهما على أرضية المنزل، فركضت يوجيني واستقبلتهما بحضنٍ دافئ، بادلها كايون العناق مجاملةً لها، فهو يتوق للذهاب إلى لنوم على الرغم من أنه استيقظ قبل قليل. رأت يوجيني تعابير الحزن والبكاء على وجه طفلها، فانخفضت إليه لتجاري طولة، وضعت كفها على خده وسألته بتوجس:

1
1

ــ ما بك يا صغيري؟؟... لماذا تبكي؟!

(كايون): لست كذلك.

وجهت يوجيني بصرها نحو ميلڤين، والذي أجاب تساؤل فضيتيها:

ــ لقد خسر كلبه اليوم.

(يوجيني): ماذا تقصد؟

جلس على الأريكة، واسترسل بينما خضراوتيه تطالع كايون:

ــ اليوم كان كلبه شرسًا على غير العادة، وقد هجم عليه، عزّيتُ ذلك على خطبٍ قد أصاب الكلب، فأخذته إلى البيطري وكان ظني في محله، لأن الكلب كان مصابًا بالسُعار، وبقاؤه معنا خطر ، لذلك أبقيت الكلب عند البيطري، ففي النهاية، الكلب سيموت خلال أسبوع.

أخفضت يوجيني حاجبيه ونظرت إلى كايون بشفقة، أعتقدت بأن النظرات الحارقة التي يطالع بها ميلڤين ما هي إلا نظرات كُره لأنه أبعده عن كلبه. تحدثت ماخاطبةً كايون:

ــ ما فعله بابا هو الصحيح، أتعلم أنه لو عضك الكلب لأُصبتَ بالسُّعار أيضًا ولفقدتك إثر ذلك!

أردفت: لا بأس الآن، سأشتري لك في الغد كلبًا آخر.

(كايون) بتبلد: كلا، لا أُريد.

(يوجيني): لماذا؟

(كايون) وهو ينظر إلى ميلڤين:

ــ لأني لا أُريد أن أفقده أيضًا.

(يوجيني): لا تقلق، فليس من الشرط أن يصيبه السعار أيضًا.

طبع قبلة على جبينها ثم قال:

ــ شكرًا، ولكنني لم أعد أريد. من بعد إذنك سأذهب إلى النوم.

صعد إلى غرفته بينما يوجيني تتبع خطاه، تنهدت فقالت:

ــ أنا حزينةٌ لأجله.

رد عليها ميلڤين بينما يمرر أنامله على خصلاتها الفضية:

ــ لا تقلقي يا فضيتي، يومين وسينسى.

بعد مرور مُدة ....

عاد كايون من المدرسة، رمى حقيبته على الأريكة بإهمال. احتضن أمه كما جرت العادة كل يوم، وبعد ذلك أخذت يوجيني جهاز التحكم وشغلت التلفاز لتشاهد الحلقة التي تتابعها كل يوم، وبينما هي تشاهد الحلقة بإذعان، توسد كايون حجرها كما جرت العادة وأخذ يشاهد معها الحلقة ولكن بملل. رفع زرقاوتيه إليها وعندما أحست الأُخرى بنظراته أخفضت فضيتيها إليه وسألته مبتسمة:

ــ هل من خطب؟

(كايون) مع ابتسامة: لمَ لا تغيرين المحطة؟

(يوجيني): كلا ، فلتفتح أُذناك جيدًا، فهذه الحلقة مملوءة بالكلام المفيد!

(كايون): أمي!.. لقد سأمت، كلَّ يومٍ وأنتِ تشاهدين هذه الحلقة التي لا تتحدث إلا عن حقوق النساء، وفوق هذا كله أصبحوا يُعيدون الحلقات ذاتها وأنتِ تُعيدينها معهم!

(يوجيني): عليك أن تنصت جيدًا، فهذا سيفيدك!

(كايون): وماذا سأستفيد؟!

(يوجيني): إفادتك بألاَّ تكونَ ذكرًا!

ضحك وحرك يده في الهواء بتساؤل في حين يقول: وماذا أكون إذن؟!

(يوجيني): رجل أيُها الأحمق!

بقي كايون يقهقه فابتسمت الأخرى على الرغم من أنها كانت تتحدث بجدية ...

ثوانٍ قليلة حتى عقد كايون حاجبيه واستفسرها: ألمح احمرارًا طفيفًا حول عينيكِ، هل بكيتي؟؟

لوحت بأناملها وقالت: لا عليك، لا عليك.

(كايون): لا تقولي لي أنه بسبب الروايات!

(يوجيني) مع ابتسامة معكوسة: ماذا أفعل؟!.. النهاية كانت حزينة!

(كايون): لا تلوميني إن اختفت كُتبكِ في يومٍ ما.

(يوجيني) بجدية: ستندلع الحرب العالمية الثالثة حينئذٍ!

ابتسم، فابتسمت...

في اليوم التالي، وبعد تكرير الروتين السابق الممل الجميل، ذلك ما حدث ...

بعد أن أنهى تدريبات الكاراتيه مع ميلڤين، ذهب إلى دورة المياه لأيخذ حمامًا باردًا، وما إن خرج حتى توقف لرؤيته ميلڤين يقف أمامه. رفع أحد حاجبيه، وحركته هذه كانت كالسؤال، لأنه من المفترض أن يعود إلى المنزل بعد الإنتهاء من التدرّب معه، ولكنه الآن يقف أمامه ولا شك في أن هناك شيئًا مغايرًا سيحدث في هذا اليوم، وبالفعل فقد استدار ميلڤين وقال:

ــ اتبعني.

أغمض عينيه ليحبس غيظه، أخذ نفسًا عميقًا ثم رمى المنشفة من عُنقه بإهمال وتبعه ...

قاده إلى الطابق ما قبل الأخير، دخل إلى إحدى الغرف ذات النوافذ المظللة. توجه نحو حقيبة سوداء طويلة، موضوعه على منضدة سوداء ...

فتحها وأخرج منها بندقية قنص ذات عيار Steyr SSG 69 .

سحب الطاولة بيد، ووجهها نحو النافذة. ثبت القواعد الخاصة بالبندقية، ووجه ناظورها نحو مُسنٍ يقرأ جريدة على مسافة شبه بعيدة منه ...

اتسعت أعين كايون عندما علم مُراد الآخر، حرك زرقاوتيه نحو ميلڤين والذي كان يحملق به سلفًا ...

(كايون) بنبرة متوترة: يستحيل أن أفعل ذلك!

تقدم نحوه وشدّه من ذراعه ليوجهه نحو البندقية، فسارع كايون بفعل الآتي ..

بسط كفه وجعلها كشكل قاطع ثم ضرب ميلڤين على باطن مفصل معصمة، ليفلته الآخر ..

وفي تلك اللحظة، ركله ميلڤين، تحديدًا خلف ركبته حتى يسقط، إلا أن كايون قد حافظ على توازنه بأن أمال جذعه إلى الوراء ووضع كامل ثقله على ذراعيه ليتشقلب إلى الخلف، توقع ميلڤين ذلك، فسارع في ركل ذراعيه قبل أن تلامسا الأرض، ففقد كايون توازنه وسقطَ على وجهه.

1

شعر بألمٍ ينتشر على طول عمود أنفه. جبينه يرتج بينما يرى ومضاتٍ سوداء تتوهج، وهذا بسبب كمشه لعينيه أثناء تلقيه للألم ...

لم يترك له ميلڤين المجال ليستوعب ما حدث للتو، لأنه انتشله من على الأرض، وسحبه بعنف نحو البندقية. استطاع كايون أن يرى الضحية من خلال الناظور، فدفع نفسه إلى الخلف بيد أن ميلڤين قد دفعه وأطبق بوجهه على المنضدة، لتعود إليه ومضات الألم مجددًا.

لم يستطع كايون القيام بأي حركة أُخرى ولاسيما أن الألم في وجهه ورأسه ولا يتوقف وهجه ودُواره ... عنفه ميلڤين أيما تعنيف، وبالكاد استطاع الآخر أن يلتقط أنفاسه. توقف ميلڤين للحظات لم يستطع خلالها الآخر أن يتحرك، فسحبه من ثيابه وأعاده نحو البندقية. أمسك يدا كايون المرتجفتين وأطبق بهما على البندقية، حاول كايون التملص ولكن دون فائدة فقبضتا ميلڤين تقوضان يديه ... انهار كايون لشعوره بأنه سيُقدم على قتل شخصٍ آخر فصرخ أثناء كمشه لأصابعه حتى لا تضغط على الزناد:

1

ــ دعني!.. دعني أيُها الحقيـر!!

(ميلڤين): ....

(كايون): كفــى!!! ... اتركني!.. لا تُجبرني على القـتل!!!

(ميلڤين): ....

دعس ميلڤين على قدميه، وأبقى على إحدى يديه لتمسك يدا كايون في حين استخدم يده الحرة وسحب مسدسه وأطبقه على رأس الآخر. توقف كايون عن المقاومة بعد أن شعر ببرودة المسدس على صدغه، حرك مقلتيه ببطءٍ نحوه وبقي صامتًا وسط دماره ...

(ميلڤين): لا داعي لأن أُعيد كلامي الذي قلته لك سابقًا.

وعلى الرغم من أن كلامه ذاك قد مر عليه سنوات إلا أن كايون ما يزال يذكره جيدًا، وما يحدث له الآن يجعل الحدث السابق يبدو كما لو أنه كان بالأمس. تذكر بأن ميلڤين لن يتوانى عن قتله، وأنه سيرمي لحمه للكلاب ويذيب عظامه بالآسيد كما قال له سابقًا، ثم يبرر ليوجيني ضياعه بكذبة أو كذبتين مقنعتين، فقد لاحظ بأنه جيدٌ جدًا في الكذب حتى أن يوجيني لا تشك في كلامه أبدًا ... ابتلع كايون ريقة وغمغم في حين تتغلف عيناه بطبقةٍ زُجاجية"لا يُمكن!.. لا يمكن أن أقتل مجددًا!.. كيف للأمور أن تصبح هكذا؟!.. لماذا يحدث لي هذا؟!.. إلى متى سأظل هكذا؟!.. ألن يوقفه أحد؟! ألن ينقذني منه شخصٌ ما؟!.. لا أعتقد بأنه سيكتفي إلى هنا!.. سيجعلني أقتل المزيد؟ لا!!.. ماذا أفعل؟!! "

على الرغم من أن هذا الصراخ والتساؤل يدور في عقله فقط إلا أن ميلڤين قد رد على آخر تساؤله:

ــ إمّا أن تقتِل وإمّا أن تُقتل.

جف حلقه في حين يُذيب الدمع خديه، بقي متجمدًا ولم يخرجه من جموده إلا صوت المسدس الذي أُبعِدا عنهُ وضع الأمان. علم أن ميلڤين سينثر رأسه في هذه اللحظة، فقال بتردد:

ــ سـ... سأفعل!

(ميلڤين): ماذا تنتظر إذن؟

عدّل من وضعية إمساكه للبندقية، وأغمض إحدى عينيه في حين يوجه الأخرى نحو الناظور . وفي اللحظةِ التي أقدم فيها على ضغط الزناد، شعر بأنه يتفنس هواء جمر، فصدره مكضوم يشعر بأن روحه ستخرج قبل روح ذلك العجوز ... تذكر كلام ميلڤين في ذلك اليوم، عندما أجبره على قتل كلبه:

"لو أنك قد أصبت منتصف رأسه لما مات مُتعذبًا"

ولذلك، وجّه فوهة البندقية نحو منتصف رأسه، وبأسف وحسرة وألم، ضغط على الزناد، وسرعان ما لقي حتفه ذلك العجوز المسكين.

ابتعد ميلڤين من خلفه فحرره، قال عندئذٍ:

ــ أحسنت التصويب، يمكنك الآن أن تعود إلى المنزل.

خرج فكوّر كايون قبضتيه وضرب المنضدة. جثى على ركبتيه وكتم صوت نشيجه فازداد اختناقه ...

بعد أن توقف عن النشيج، وقف أمام المرآة وتمتم:

ــ أمي ستعلم بأني قد بكيت.

ألصق ظهره بالجدار وتزحلق، مقررًا بأن يبقى في المقر لبضع ساعات حتى تختفي أمارات الوهن من على وجهه ...

عاد إلى المنزل، وتوسد حجر أمه، أخذت يوجيني بالمسح على خُصلاته، وعلى الرغم من أن وجهه لم يعد محمرًا إلا أنها قد شعرت بأن ألمًا قد ألمَّ به، فسألته متوجسة:

ــ كايون!... أنا أمك فلا تحاول أن تخفي عني أي شيء، قُل لي ما بك؟!

(كايون) مع ابتسامة خفيفة مصطنعة: أنا بخير!

(يوجيني) بانفعالٍ طفيف:

ــ لا تكذب!.. قُل لي، هل وبخك ميلڤين؟!.. أم ماذا حدث؟!!

تنهد وعلم بأن كذبته هذه لن تنفع فقرر أن يقول نصف الحقيقية علَّ قلبه يرتاح قليلًا:

ــ لقد ارتكبتُ خطأً فظيعًا.

عقدت حاجبيها واستفسرت:

ــ ما هو؟!

كانت عيناها تتفحصانه بقلق، فارتجفت شفتيه، واحمر وجهه من شدة الإختناق. بكى مُباشرةً، فرمى نفسه في حجرها وأشهجَ من دون صوت.

أُصيبت يوجيني بالهلع، وخرجت الأسئلة منها بوجل:

ــ كايون! حبيبي أخبرني ما الذي حدث أرجوك؟!.. ما الذي جرى معك؟!.. أرجوك أجبنــي!

بقي منتحبًا في حجرها، فما كان بإمكان يوجيني إلا أن تمسح على ظهره وتحاول تهدئته.

هدأت أنفاسه، فأرخت يوجيني من احتضانه، وسألته بهمس:

1

ــ صغيري أخبرني بما حدث.

نظر إليها بأعين زُيِّنَت بالنكسار:

ــ هل لي ألَّا أُخبرك؟

زمت شفتيها ولم يُعجبها كلامه، فاستطردت قائلة:

ــ كايون!.. إن أخبرتني فسأُساعدك على تصحيح خطأك!

أبعد بصره عنها ثم تنهد، كسر صمته بعد برهة:

ــ خطأي.. لا يمكن.. إصلاحُه.

(يوجيني): ألن تخبرني ما هو؟.. فبلا شك كُل الأخطاء يُمكن تصحيحُها!

تنهد مجددًا ولكن بحنق هذه المرة، واستطرد:

ــ أمي!.. أرجوكِ لا تُصري على معرفته فهذا سيدمرني أكثر!

(يوجيني): أنا أُريد مساعدتك!.. أخبرني كيف أُساعدك وأنا لا أعلم بأي شيء؟!

(كايون): ارتكبتُ خطأً لا يمكن إصلاحُه، هذا كل ما يُمكِنُني قوله!

أردف: أنا أُريد إصلاحه ولكن ذلك مستحيل وهنا تكمن المشكلة!

ساد الصمت للحظات حتى تحدثت يوجيني بصوتٍ لا يخلو من الشجن:

ــ إن ارتكبت خطأً لا يُمكِنُكَ إصلاحُه، فعليك ألَّا تُكرره فحسب.

رمش مستوعبًا كلامها. استقام بجذعه ولف ذراعيه حولها بينما يقول:

ــ شكرًا أمي، كلامك ساعدني كثيرًا، وأرجوكِ لا تغضبي مني!

ابتسمت بصعوبة وبادلته العناق. كايون يعلم جيدًا بأن ميلڤين سيجبره على القتل مرارًا وتكرارًا إلا أن كلام يوجيني الآن قد شجعه على اتخاذ قراره حتى يخفف من وطأة خطأه، ألا وهو ألَّا يكرر فعلته مجددًا حتى ولو كلفه ذلك حياته في المرة القادمة ...

انتهى عناقهما عندما جاءت (كرستين) وقالت:

ــ المعذرة سيدتي، هناك سيدة تصرخ خارجًا وتريد مقابلتك، والحراس يسألونك هل عليهم أن يفتحوا لها البوابة؟

(يوجيني): ومن هي؟

(كرستين): نحن لا نعرف!

(يوجيني): حسنًا لا بأس ... اسمحوا لها بالدخول.

انحنت رئيسة الخدم وذهبت لتنفذ أمرها. عادت كرستين بعد دقائق قليلة وقالت:

ــ سيدتي، إنها ترفض الدخول، وهي تطلب أن تخرجي إليها.

(يوجيني) باستغراب: حسنًا إذن ... فلننظر ما بها؟!

خرجت فخرج معها كايون وكرستين في حين رأتها المرأة وتقدمت نحوها وشدت على مرفق ابنها. طالعتها المرأة بحدة ثم أشارت إلى وجه ابنها المضمد وقالت:

ــ انظري ما فعله ابنك بابني!!

(يوجيني) بثقة تصحبها الصرامة:

ــ يستحيل أن يفعل ابني ذلك!

(المرأة): بل إنهُ هو!!.. أتظنين بأن ابني سيتهم ابنك عبثًا؟!!

(يوجيني): اذهبي وابحثي عن غريمك في مكانٍ آخر!!.. انظري إلى وجه ابنك المحنط بلا شك هذا فعل شخصٍ بالغ وليس فعل ابني كايون!

(المرأة): بلى، ابني قال بأن الفاعل هو كايون درلام!!

(يوجيني) وانفعالها يتضخم: ابنك كاذب!!.. فما كان كايون ليضربه بهذا العنف!!!

(المرأة) وأعينها تكاد أن تخرج من محاجرها: لا تنعتي ابني بالكاذب أيتُها الـ*ـاجر*!!

كشّر كايون عن أنيابه في حين قالت يوجيني:

ــ لا توجد هنا *ـاجر* غيرُك!!.. فالتنقلعي من هنا!!

(المرأة): لن أنقلع من هنا حتى يعتذر ابنك لابني وتدفعون لي ثمن العلاج!!

تقدم الحراس وأخذوا يجرون المرأة خارجًا بعد أن سمعوا صراخها على سيدتهم، أخذت تصرخ وتضربهم، فرفعت يوجيني يدها ليفلتوها.

(يوجيني) موجهة كلامها إلى كرستين:

ــ احظري حقيبتي لنتصدق على هذه المتسولة.

(المرأة): لست متسولة!.. و أنا لن آخذ المال حتى يعترف ابنك بفعلته ويعتذر لابني!!

اردفت المرأة قبل أن تنطق يوجيني: أُريد أن أعلم لمَ تُنكِرين الأمر ولا تسألينه؟!.. اسأليه ودعينا ننظر ما إن كان سيعترف أو يُنكِر!

الآن أدركت يوجيني أنها تدافع عنه من دون أن تسأله، نظرت إليه، فتحولت عيناه إلى عينا أرنب فجأةً. سقطت تعابيرها وسألته بهمس:

ــ كايون!.. أفعلت ذلك حقًا؟!

1
1

لم يُنبس ببنت شفة واكتفى بأن أسقط بصره إلى الأرض. عضت يوجيني على شفتها ونبست:

ــ أنا أصرخ منذ ساعة وأنت تطالعني بصمت؟.. أيُعجِبُكَ أن تضعني في هذا الموقف المحرج؟!

(كايون): كـ.. كُنت سأقول، ولكنني لم أجرؤ على ذلك ولاسيما أنكِ تصرخين.

أغمضت عينيها محاولةً بذلك كتم غضبها. أعادت بصرها نحو المرأة وقد لاحظت أنها تطالعها باستحقار، وفي تلك اللحظة جاءت كرستين ومعها الحقيبة. سألت سيدتها:

ــ كم أُعطيها؟

(يوجيني) بحرج: كُلـها.

توجهت كرستين نحو المرأة ومدت لها الحقيبة إلا أن المرأة أعرضت وقالت:

ــ لن آخذ الحقيبة حتى يعتذر ابنك لابني!

تضايقت يوجيني من ذلك ولكنها لا تلومها في قرارة نفسها. نظرت إلى كايون، وقالت بصرامة:

ــ فلتعتذر!

(كايون): صحيح أني ضربته ولكنني لم أفعل ذلك عبثًا، فكل هذا لسبب!

(المرأة): أيُ سببٍ تقصد؟!.. ما السبب الذي قد يجعلك تهشم وجه ابني هكذا أيُها المعتوه؟!!

(يوجيني): رجاءً حافظي على رزانة الفاظك!.. فحتى لو أن ابني قد أخطأ فأنا لن أسمح لكِ بقول ذلك عنه!

1

(المرأة): أتدافعين عنه حتى بعد أن علمتِ بالحقيقة؟!

(يوجيني): بالطبع، هذا ابني!.. ثم أني أُدافع عنه ولا أُدافع عن خطأه!

(المرأة): فليعتذر الآن لابني!

(كايون): لن أعتذر حتى يعتذر هو أيضًا!

فار دم المرأة وخلعت نعلها في نيةٍ لضربه إلا أن يوجيني قد وقفتت أمامه لتحميه، صرخت عندئذٍ:

ــ احترمي نفسك ولا تنسي أنكِ في أرضي!

(المرأة): الَّا تسمعين الهراء الذي يتفوه به ابنك؟!

(يوجيني): أسمع وسأحل هذا الأمر معه من دون أن تتدخلي!

نظرت إلى كايون وقالت:

ــ فلتعتذر يا كايون!

(كايون): أنتِ لا تعلمين ما الكلام الذي تفوه به في المدرسة !

(يوجيني): أيًا كان ما قاله فذلك لا يُبرر فعلتك!

اعتذر له إرضاءًا ليوجيني فقط، وبعد أن غادرت المرأة مع ابنها، عادا إلى المنزل، توقفت يوجيني ورمشت باستيعاب فاستفسرت كايون:

ــ مهلًا!... هل هذا الخطأ الذي كُنتَ تحدثني عنه قبل قليل؟

كايون أساسًا لم يعُدَّ ذلك خطأً، ولم يشعر بتأنيب الضمير تجاه ذلك الولد. استغل كايون هذا الأمر وقال:

ــ في الحقيقة.. نعم!.. لذلك أخبرتك بأني لن أستطيع تصحيحه!

(يوجيني): كلا، فبعتذارك صححته!

(كايون): ولكن اعتذاري لم يُعِد له أنفه المهشم!

(يوجيني): حسنًا أنت محق، ولكن كيف أمكنك أن تفعل به ذلك؟!

(كايون): أمي!.. لقد شتمني وقال عنكِ كلامًا بذيئًا!

رقت عيناها وابتسمت. مسحت على رأسه ثم قالت:

ــ مع ذلك تبقى المُخطئ!.. صغيري كايون، أخبرني هل سجَّلك ميلڤين في نادي الكاراتيه لأجل أن تؤذي الناس بمهارتك؟!

(كايوم): نعـ... لا!.. الكاراتيه فن قتالي يستخدم للدفاع عن النفس، ولحماية الضعفاء!

(يوجيني): صحيح، وهذا ما عليك أن تكون عليه، اتفقنا؟!

(كايون) مع ابتسامة: اتفقنا.

كانت حياة كايون، عبارة عن تنقل بين جنة وجحيم، فعندما يصطحبه ميلڤين يعيش العذاب، وعندما يعود إلى المنزل ويرى يوجيني تهنى لهُ حياتُه ...

أيا تُراه سيبقى متنقلًا بينهما؟!.. أم أن الأيام القادمة ستُجبِرُه على الإستقرار في مكانٍ واحد؟!.

أسيكون نعيمًا أم جحيمًا؟!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (81)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة