الساعة السادسة صباحًا...
قامت أريج بهز كتفي والدها النائم، وقالت:
ــ أبي!.. ماذا عليّ أن أفعل؟!
ــ هممم؟
ــ هل سأتغيب عن المدرسـة!؟
ــ هممم؟
ــ أبـي!!
ارتفع جيهان قليلًا، واستفسرها:
ــ ما بكِ؟!
(أريج): ماذا سنفعل حيال أُمي؟!
بالكاد استطاع جيهان الوقوف، ثم توجّه نحو الباب وتجسس على الرواق من فتحة المفتاح، ثم.. رأى ميراي وهي تصعد الدرج نحوهما، فزفر بتعبٍ وقال:
ــ يبدو بأنكِ ستتغيبين هذا اليوم.
وصدرت ثلاث طرقاتٍ على الباب، أعقبتها ميراي بالكلام:
ــ أريج!.. إنها الساعة السادسة.
(أريج): لن تضربيني إن خرجت؟
(ميراي): اخرجي وسنتفاهم.
(أريج): لن تضربيني، صحيح؟؟
(ميراي): لن أضربك.
(أريج) وهي تدس المفتاح بمكانه: وعد؟!
(ميراي): قُلت بأني لن أضربك!
(أريج): وعد!!؟
(ميراي) وهي تدعك ما بين عينيها: حسنًا. وعد!
فتحت الباب، فقابلتها تعابير والدتها المتجهمة، فغمغمت"من الجيد بأني جعلتها تعدني أولًا"
رمقت ميراي زوجها الهامد على الأرض، فنادته: جيهـان!!
(جيهان): أأ. أه.. عزيزتي، سنقيم صفقة رابحة لكلا الطرفين.. فقط دعينا نتفاهم.
(ميراي): حسنًا.
وأردفت: نم على السرير عوضًا عن الأرض.
(جيهان): آه.. صحيح.
سكبت أريج رقائق الذرة ثم السُكر والحليب، وشرعت تأكل بسرعة قبل أن تأتي الحافلة، وأثناء مضغها للطعام رفعت بصرها إلى والدتها الجالسة أمامها فغصت بالأكل وسعلت..
ضربت ميراي ظهر ابنتها بخفة حتى توقف سُعالُها، ثم استطردت قائلة:
ــ إياكِ وأن تعودي بسيارته.
(أريج) بينما تُخفِضُ حاجبيها: حاضرة.
(ميراي): ولا تتكلَّمي معهُ مُطلقًا!
زمّت أريج شفتيها، فأردفت والدتها بحدة: ما لي أرى كلامي لا يُعجِبُكِ؟!
(أريج) بنبرة حزينة: لمَ لا تُريدينني أن أحصل على أصدقاء؟
(ميراي) بانفعال: ليس وكأني لا أُريد لكِ الخير!.. لو أنكِ حصلتي على صديقات لفرحتُ كثيرًا من أجلك!
واستطردت قبل أن تنطِقَ الأُخرى:
ــ أمّا هذه فهي ليست بصداقة!
(أريج): بل إنها كذلك!.. نأكل معًا، وندرس معًا، ونتناقش معًا!.. ونُساعد بعضنا البعض، هذهِ هي الصداقة!
(ميراي): من يأكل معكِ قد يكون جائعًا لا أكثر. ومن يدرس معكِ، فربما يحتاجكِ لفهم دروسه فقط. أما من يُكثر الحديث معكِ بحجة النقاش فهو يدرس طريقة تفكيرك ليسهُل عليه التلاعب بكِ لاحقًا.أما المساعدة فقد تكون مكيدة، وإن لم تكت كذلك فهو سيأخذ حق مساعدته لكِ اليوم أو غدًا.
وأضافت إلى كلامها: ولا توجد صداقة بين الذكر والأُنثى. هذهِ زندقة لا طائلَ لها.
وأردفت بمثلٍ شائع لتُنبِهَ ابنتها:
ــ يقع الفأر في المصيدة، لأنه لم يفهم لماذا يُقدّمُ الجُبنُ مجانًا!
(أريج) وهي تدعك أظافرها: ولكن...
(ميراي): من دون لكن!
(أريج): مستواي سيتدنى في المواد العلمية!
(ميراي): وما دخل هذا بذلك الولد؟!
(أريج): هو ذكيٌ في الرياضيات والفيزياء، وأنا لم أحصل على تلك الدرجات المرتفعة إلا لأني كُنتُ أدرُسُ معه!
اتسعت عينا ميراي للحظة إدراك، وسألت بنبرة مصدومة:
ــ أتعنين أن تلك الأيام التي كُنتِ تخرجين فيها للدراسة كانت برفقته؟!!
اكتفت أريج بالرمش، فاستقامت ميراي وعيناها تقدحان شررًا.
صرخت أريج مُذكرةً إياها:
ــ لقد وعدتني!!
(ميراي) وهي تصُرُ على كلماتها:
ــ أظُنُ بأني سأُخلِفُ وعدي!
(أريج): لا أمي!.. هكذا ستصبحين سيئة!.. ولن أثق بكِ مرةً أُخرى!
هدّأت نفسها قليلًا بأن زفرت هواءً حارًا، ثم عاودت الجلوس، واستفسرتها: وأين كُنتُما تدرُسان؟
(أريج): بمحل القهوة.
(ميراي): أيُ واحد؟
(أريج): ذاك المحل الذي يبعُد عن منزلنا بِمُنعَطَفين.
هزت ميراي رأسها، مُقلِّبةً بعض القرارات في رأسها، فشبكت أريج أصابعها وترجتها:
ــ أرجوكِ!.. اسمحي لنا بالدراسةِ سويًا!
رمقتها ميراي، ثم قالت: أنتِ لا تحتاجين للدراسة معه.
نفت أريج برأسها وقالت: بلى!.. فأنا لن أستطيع اختراق هواتف المعلمين مع بدءِ كُلِّ اختبار، ولاسيما أن معلم الرياضيات قد شك بي عندما اخترقت جهازه.
(ميراي): حقًا!.. وماذا فعل؟!!
(أريج): لم يفعل شيئًا لأنه لا يمتلك دليلًا واضحًا يُثبِتُ شكه.
(ميراي): هممم، جيد... عليكِ أن تنتبهي في المرةِ القادمة.
أومأت برأسها، في حين تستطرد ميراي كلامها: يُمكِنُكِ الدراسة معه.
تهللت تعابير أريج، لتقطع ميراي تلك السعادة بقولها:
ــ ولكن على أن تدرسان أمامي في المنزل.
(أريج): ولكن!.. قد لا يود ذلك!
(ميراي): إما هذا وإما لا!
هزت أريج رأسها على مضض، ثم التفتت نحو النافذة لسماعها صوت الحافلة وهي تناديها، فحملت حقيبتها وركضت خارجة.
عندما حان وقت الغداء، لاحظ كُلٌّ من كايون ولوثر بأن أريج ليست على ما يُرام... تقليبها للطعام دون أن تأكل، تنفرج شفتيها لقول شيءٍ ثم تصمت، وذلك جعل لوثر يسألها:
ــ أريج!.. هل من مشكلة؟!
وأردف: أخبرينا ونحن سنساعِدُك!
تنهدت ثم قالت لهما بِكُلِ ما حدث مع الاحتفاض ببعض الأمور العائلية.
(لوثر): لماذا!؟.. ما المشكلة في أن تعودي إلى البيت معنا بالسيارة!
هزت أريج كتفيها في حين يستطرد لوثر: لمَ والدتك متسلطةٌ إلى هذه الدرجـة؟!
(أريج): أمي شديدة الحذر إلى حد الوسوسة، لذلك تمنعني من أشياء عديدة.
نظر لوثر إلى صديقه وسأله: والآن ماذا سنفعل!؟
(كايون): من الأفضل لها أن تستمع لكلام والدتها.
(أريج): ألا تُمانع من الدراسة في منزلي؟
(كايون) بينما يحدق بصديقه: لا...
وصمت قليلًا ثم أضاف: هل مشكلة البارحة كانت تخصني وحدي أم أنكِ قد أخبرتها بأمر لوثر؟
(أريج): لااا!.. هي لم تعلم بأمر لوثر بعـد!... سوف تحدث كارثة لو علمت!
(لوثر): أي أنني لن أستطيع الدراسة معكما!
(كايون): ومنذ متى وأنت تدرس أصلًا؟!
(لوثر): آوه، صحيح.. إذن سأعتمد عليكما.
وأردف وهو يرفع سبابته: حذارِ من التقاعص في الدراسة!
قهقهوا بعد هذا التحذير المعطوب، وبعد انتهاء الدوام، توجّه كايون ناحية أريج وقال:
ــ اركبي السيارة.
(أريج): ولكنك تعلم...
قاطعها قائلًا: ولكنها سمحت لنا بالتواجد معًا إن كان لأجل الدراسة.
(أريج) بدهشة: أتقصد بأننا سندرس الآن!؟
(كايون): بلى، وركوبكِ للحافلة لن يغير شيئًا ما دمنا سندرس فور وصولنا إلى منزلك.
أومأت بحسنًا، ثم توجهوا نحو منزلها بعد أن أوصل لوثر وأخته إلى المنزل، غير أن إقناع لوسيندا كان صعبًا.
(لوسيندا) وهي تحرطم شفتيها:
ــ ولكنني أريد القدوم معك!
(كايون): لوسيندا يا حبيبتي، أرجوك استمعي لكلام أخوكِ الأكبر!
(كايون) وهو يرمق كرستين: خُذيها كرستين.
(لوسيندا): لاااااااا!
(كايون): عارٌ عليّ أن آخُذكِ وأنا لم أُخبرهم بأني سأُحضِرُكِ!
(لوسيندا): أريج لن تمانع!
(كايون): الأمر يعود لوالدتها وليس لها.
(لوسيندا): ولكن..
(كايون): سأستأذِنُها في يومٍ ما وآخُذكِ معي.
تبصّرته (لوسيندا) بشكٍ قلق وسألته: أهذا وعد؟!
(كايون) مع ابتسامة: وعد.
وهكذا انتهى الأمر، وغادر عتبة المنزل، عائدًا نحو سيارته الواقفة خلف أسوار بيتـه. أثناء ذلك كانت أريج ما تزال مأخوذة من جمال تصميم منزله الخارجي، بدءًا من البوابة السوداء المزخرفة وصولًا إلى النقوش المنحوتة على أطراف الشُرفات.
قطع شرودها دخول كايون، فاعتدلت في جلوسها، وقالت: أهدأت لوسي؟
(كايون) وهو يأخذ نظرة سريعة على المرآة: نعم.
ثم أدار المفتاح، وانطلقا نحو منزل جيهان، حيث كانت ميراي تقف أمام النافذة مُترقبةً قدوم ابنتها.
وعلى الرغم من تيقنها بأن ابنتها ستأتي بالحافلة إلا أنها أرادت التأكد فقط، فصُعِقت حين رأت ابنتها تترجل عن سيارة ابن درلام، لا وأيضًا أبن درلام نزل معها وهو من ضغط على زر الباب.
(ميراي) وكل آنشٍ في وجهها يستشيط غضبًا: سترين يا أريج!.. لن أكون أمك إن لم أضربك أضعافًا مُضاعفة.
وأردفت بنبرة مقهورة: تعصين والدتك؟!!.. ولأجل من!؟.. لأجل سافل!!
ودكت الخشب أثناء نزولها، بينما تُتمتم: من الجيد أن جيهان في السوق!
وقبضت على الباب فاتحةً إياه بقوة، للدرجة التي جعلت كايون يرجع خطوةً إلى الوراء بتفاجؤٍ ومتمتمًا بأعيُنٍ متسعة:
ــ كدتِ تخلعين الباب.
دفعته ميراي، وفور أن رأت ابنتها تقف خلفه، تصنعت الهدوء حتى لا تضربها أمامه.
(ميراي) مع ابتسامة مقلقة: أريج.. أُدخلي غرفتك يا ابنتي.
(أريج) والتوتر يغزو ملامحها:
ــ أرجوكِ دعيني أشرح لك، الأمر ليس كما تظنين!.. أنا قدِمت بالسيارة لأن ركوبي للحافلة لن يشكل فرقًا ما دمنا سندرس الآن.
استدارت ميراي نحو كايون وسألته بذهول: الآن؟!!
(كايون) وهو يدعك عُنقه: نعم، فبعد قليل سيكون لدي عمل.
تنفست بهدوء، ورمقتهما بنظرةٍ حادة ثم قالت: أُدخُلا.
دخل كايون أولًا تلته أريج ثم ميراي...
عقدت ميراي مرفقيها وقالت: ضعا أحذيتكما في صندوق الأحذية.
خلعا أحذيتهما، وأدخلاها إلى الصندوق، ثم استبقاها إلى غرفة المعيشة.
بسط كايون كتاب الإسبانية على الطاولة وحدّث أريج: أفهميني هذه القواعد.
قطبت ميراي حاجبيها واستفسرت: أوليس من المفترض أنك أنت من يُذاكر لابنتي؟!
(كايون): بلى، ولكن في مادتي الرياضيات والفيزياء.
(ميراي): إذن لماذا أتيت ما دام الأمر مُتعلِقٌ بالإسبانية؟!
عضّت أريج على شفتها بينما يقول الآخر:
ــ ليس من العدل أن أُذاكر لها دون أن تُذاكر لي!
(ميراي): إذن!.. أنت لم تأتِ إلا لأجل مصلحتك!
(كايون): لا ، كُنتُ لآتي في كل الحالات.
(أريج): أمي، لو سمحتي نحن ندرس جميع المواد معًا حتى تسهل الدراسة وتنغرس المعلومة.
انخفضت عيناها، وراحت تجلس في مكانٍ قريبٍ منهما لأجل أن تُراقبهمـا، مما جعل كايون يسأل:
ــ أستظلين هنا طوال الوقت؟!
(ميراي): لا، فقط إلى حين أن تذهب.
ومجددًا تعض أريج على شفتها وتغمغم" يا إلهي!.. أمي لا تحترم الضيفوف أبدًا!"
(كايون) مُحدثًا أريج: حسنًا، دعينا نبدأ الآن حتى لا يطول مكوثي هُنا.
(أريج) بهمس: صدقني إن أمي لا تقصد ذلك.
(كايون): لا بأس.
وبعد مُدةٍ لم تكن بالطويلة، غطى كايون فمه بكفـه، غير أنه لم يستطع إخفاء هزة كتفيه الطفيفة. لاحظت أريج ذلك فسألته عن طريق الكتابة على الكتاب...
ــ كايون، ما الأمر؟
ردَّ عليها كاتبًا..
ــ إنها والدتك.
ــ ما بها؟
ــ تراقبنا منذ مدة، ونظراتها متوحشة.
ــ لا تقل ذلك!.. هذه طبيعتها لا غير.
ــ ولكنها الحقيقة، لاحظي كيف تنهشني بتحديقها.
ــ أرجوك، حاول ألا تضحك، لأن ذلك سيستفزها كثيرًا!
ــ صدقيني إن الأمر ليس بيدي، فقط لو تتوقف عن هذه المراقبة حتى لا يبدو وكأني أضحك من دون سبب.
وأردف كاتبًا: أكره أن يحدق بي أحدهم هكذا.
ــ أنا حقًا آسفة، أرجو أن تعتاد على ذلك.
(ميراي): درلام!.. هل من خطب؟!
(كايون): لا، فقط كُنتُ أتساءل.
(ميراي): عن ماذا؟!
(كايون) مع ابتسامة جلية: عمّا إذا كُنتِ ستقدمين لي صحن ضيافةٍ أم لا!
غطت أريج وجهها بالكتاب، في حين رفعت ميراي أحد حاجبيها وابتسمت نصف ابتسامة لإدراكها بأنها لم تُقدم شيئًا لهذا الضيف.
أردف( كايون): ألن تُضيفوني ولو بكوب قهوة؟!
(ميراي): سيأتي زوجي من السوق عمّا قريب حاملًا معه أغراض العشاءة وحينها سنُضيفُك.
(كايون): هممم.
ومع ذكر جيهان، رن جرس الباب، فاستطردت ميراي:
ــ ها قد أتى، أريج.. اذهبي وافتحي الباب.
نهضت وقالت: حاضرة.
ومع ذهابها بقي كايون مع ميراي فقط، لتتكلم ميراي بصراحةٍ أكبر:
ــ اتضح لي أنك وقح.
ردّ (كايون) مع ابتسامة: الشيء ذاته بالنسبةِ لكِ.
استقامت وتقدمت نحوه ثم قالت: يستحسن أن تبقى مؤدبًا عند الحديث مع ابنتي.
(كايون): أنا أُعامِلُ كُلَّ شخصٍ على حسب معاملتهِ لي.
(ميراي): لا تعليق.
أطلت أريج من الباب وقالت: أمي!.. الأغراض في المطبخ.
(ميراي): حسنًا، ابدأي بتقطيع الصلطة وأنا سآتي حالٍا.
(أريج): حاضرة.
(ميراي): على كُلٍّ عليكَ أن تبقى في بقعتك هذه ريثما يجهز العشاء.
(كايون): حسنًا.
خرجت ميراي من غرفة المعيشة، وحين بقي كايون لوحده تبصّر المكان لمدة فلاح لهُ جهاز التحكم، فأخذه وشغّل التلفاز...
بعد أن سلّمت ميراي على زوجها، التقطت أُذناها صوت التلفاز فتمتم: لا أُصدق، يالهُ من جريء.
(جيهان): من تقصدين؟!
(ميراي) مع تنهيدة: زميل أريج. اذهب واجلس معه.
(جيهان): أتعنين!..
(ميراي): نعم، الذي أوصلها بسيارته.
(جيهان): آها، وأنا كُنت أسأل نفسي عن صاحب السيارة الواقفة بجانب منزلنا.
وأردف بعدم تصديق: ولكن أنتِ!.. كيف؟!..
قاطعته ميراي وقالت: سأشرح لك كل شيءٍ بعد قليل، الآن اذهب واجلس معه، واحرص على أن تُبقي عينيك مفتوحتين حتى لا يسرق شيئًا.
(جيهان): لا أظنه سيسرق.
(ميراي): وأنت ما أدراك؟!.. ابقى منتبهًا على أيةِ حال.
Ahed Nasser🍂