أين أمي؟

أين أمي؟

34 0

بعد مرور شـهر ...

باعد كايون عن رمشيه فقابله وجهٌ مطموس الملامح. سألته الممرضة بنبرة قلقة:

ــ كايون، هل ترى وجهي؟

ــ قليلًا.

تهللت تعابير وجهها وهتفت: رائع!.. أنت في تحسن!

ثم وضعت منشفة مبللة على عينيه وأضافت مطمئنةً إياه: ستستعيد بصرك قريبًا.

أسبوع آخر مر حتى استعاد كايون بصره ولكن ليس بالكامل، غادر المشفى فجرًا من غير إذن، وحملته قدماه نحو مساحةٍ مسوّرة بحديدٍ أسود، جالت عيناه بالمكان فارتفعت حرارة أنفاسه وغشي عيناه الدمع مجددًا. جثى على ركبتيه أمام شاهد قبر، ومسحت أنامله على رقائق الثلج القليلة ليتضح له الاسم. أخفض رأسه إلى الأرض وتسلل هواءٌ باردٌ من بين شفتيه جراء شهقاته، انسابت دموعه على الثلج واختلط سكون الجو بأنينه ...

علا بكاؤه بكلماتٍ متقطعة: كيفَ لي.. أن أعيش من دونك؟!... لأجل ماذا أعيش؟!..

تأوه وهو يُضيف: ليتني كُنتُ مكانك!... ليتني مِتُ عوضًا عنك...

كمش عينيه بشدة وازداد احمرار وجهه وهو يسألهُا بنبرة متهدجة: هل.. هل تسمعينني؟.. أنا من تيتّم مرتين.. أنا من عاش الألم طوال حياته.. وحين احتويتني ظننت أن الدنيا قد ابتسمت لي.. وها أنا ذا.. وها أنا ذا أفقد كُلَّ معنىً لحياتي بفقدك...

وصاح من قعر روحه الهالكة: لمَ أنا حـي؟!!.... لماذا ولدت؟!!!..... لا يعقل بأني وجِدت لأعيش هذا الألم ثم أموت من دون معنى!!!

لماذا ولدت إن كُنت سأموت في النهـــــايـة!!!

تدافعت الشهقات من صدره، وفجأةً.. ربتت يدٌ على كتفـه.

همس صاحب تلك اليد: أتريد أن تعرف لماذا خُلقت؟.. أتريد أن تعرف لماذا نموت؟!.. أو لمَ نتألم في هذه الحياة؟

رمش كايون عدة مرات، فهذا الصوت لم يسمعه من قبل. استدار إلى الخلف، فرأى رجلًا بلحيةٍ بيضاء طويلةٍ نسبيًا، يمتلك أعينًا زرقاء هادئة، ويكاد يجزم كايون بأنه قد لمح نورًا يشع من وجه هذا الرجل.

في تلك اللحظة، بدا كما لو أن قزحيتا كايون ترتجفان، ومع انسياب الدمعةِ على خده أومأ للرجل بنعم.

ابتسم الرجل بحنوٍ ومسح الدمعة عن وجنته، وأردف قائلًا: سأُخبِرُك، ولكن ليس هُنا.

مدَّ لهُ الرجل يده، ليرفع كايون عن الأرض، محاولًا انتشاله من هذا الظلام.

بسبب القبول الذي يفترش على ملامح ذلك الرجل، تبعه كايون دون أن يُفكر.

ذهب نصف النهار فعاد كايون ليجلس أمام قبر أُمه بصمت.

وبعد مدة، باغته أحدهم من الخلف بعناقٍ قوي. علم بهوية ذلك الشخص حين سمع صوتها المبحوح:

ــ كايون، لماذا تفعل هذا بنا؟!.. أرجوك توقف، فبالكاد استعدت بصرك.

ردَّ عليها: أرجوكِ دعيني.

(فرونيكا) بأعين مُحمرّة: أبدًا!.. لو علمت يوجيني بذلك فستغضب!

غطى وجهه بكفيه وشرع ينشج من جديد وكأن ذكر اسمها مع عدم وجودها عذابٌ فوق عذاب.

جثى لوثر بجانبه وضمَّ رأسه إليه محاولًا مواساته. رفع كايون رأسه وسأله: هل.. هل لوسيندا...

اختنق بالبقية ولم يستطع أن يُكمل، إلا أن لوثر أجابه: نعم، هي بخير، ولكنها لا تتوقف عن السؤال عنك.

أردف: تماسك يا كايون، تماسك حتى لا تضعف لوسي.

تحامل على نفسه، وبالكاد تحمله قدماه، فرافقاه الآخران حتى وصل إلى بوابة منزله، فُتِحت البوابة فاستدار كايون نحوهما وقال: شكرًا لكما.

نظرت فرونيكا إلى لوثر وهو الآخر بادلها ذات النظرة، فكلاهما أرادا أن يرافقاه إلى المنزل وها هو الآن يشكرهما أمام البوابة وكأنه يقول " إلى هنا ويكفي"

تفهما رغبته فلم يُصرا عليه وعاد كلُّ منهما إلى بيته.

تأمل منزله الفارِه وكأنه يراه لأول مرة، حملت تقاسيمه الوجوم في حين تكتسي عيناه بحقدٍ مدفون.

لم يدق الجرس لأن الباب كان مفتوحًا، دفعه بوهن، فأصدر الباب أنينًا.. شاكيًا لكايون بأنهُ قد بات مهجورًا دون سيدته.

تقدم ببُطء ليجد المكان غارقًا في العتمة... توجّه نحو غرفة والدته، وحدّق بالأثاث المزخرف لمدة، وتسمّر نحو المكتبة المحفوفة بالكتب.

توجّه نحو دولاب أُمه، فففتحـه...

صعدت الحرارة إلى أنفه وانخفض حاجباه بحسرةٍ امتزجت مع الحنين. نبش الملابس، وأقدم على احتضان ما يستطيع من الأقمشة. تنفّس عبقها، فازدادت وتيرة دموعه الحارة.

ارتجف صوته، وصدر عنه شهقة متأوهة... ردد بأنينٍ باهت: أمي... أمي!

بقي معتصرًا لثياب أمه، ونام بينها لمدة غير معلومة. وحين استيقظ، استقام بوهن، وجرّ نفسه إلى الأمام، وقلبه مُثقل. مر من خلال غرفة المعيشة ناويًا الصعود إلى الطابق الثاني، ولكن... اقشعر بدنه، حين رأى أمه تجلس بصمتٍ على الأريكة وتحدق إليه بأعينها الفضية.

فرهت شفتاه واتسعت عيناه، ليتقدم نحوها بوجل... ركع على ركبتيه أمامها وأمسك يدها، بقي يتحسسها لفترة كما ليتأكد من أن ما يراه حقيقة، شعر بجلدها وعظمها البارد، ليس ذلك فحسب بل إن إصبعه استقرت على باطن إبهام يوجيني ليرتد إليه اهتزاز نبضاتها المتواترة. ابتسم ببهوت واغرورقت عيناه بالدموع فباشر في احتضانها ولكن... لم تبادله الحضن واكتفت بالتسمُّر. ولأن حضنها كان باردًا على غير العادة رفع كايون بصره إليها واستفسرها بنبرةٍ متوترة: أُمي!.. أنتِ باردةٌ جدًا، أأنتِ مريضـة؟!

أردف بخفوت كما لو أنه يعاتبها: ثم.. لمَ لم تخبريني بأنكِ حيّة؟ لو تعلمين كم أني كُنتُ خائفًا!

تنهدت يوجيني، وصرّحت قائلة:

ــ لم أكن أعلم أنك بهذا الضعف، أوصل الأمر بِكَ إلى حد الهلوسة؟!

اتسعت أعين كايون، فهذا الصوت لم يكن ليوجيني، وبمجرد أن سمعه بدا كما لو أن غشاةً قد أُزيحت عن عينيه ليتضح له من هو الممتثل أمامه... لقد كان ميلڤين.

انتفض كايون جزعًا، وشتمه بتلعثم: حقيرٌ أنت!.. كـ..كيف فعلت هذا؟!!

نفى ميلڤين برأسه كنايةً عن خيبته بينما عيناه تقذفان الذي أمامه بالسخرية.

استند كايون على إحدى ركبتيه وخطَّ عن ميلڤين مبتعدًا، صعد على الدرج ويده تقبض على الدرابزين بقوة. رمى نظرة أخيرة نحوه وقلبه يصارع نبضاته بينما يتمتم"ساحر!.. لا بدَّ وأنه ساحر!"

أنهى صعود الدرج وازداد ثقل أنفاسه وفجأةً، رأى يوجيني من جديد، بقي مصدومًا حتى اندفع الطرف الآخر وشد على كتفيه قائلًا: كايون!.. لقد أفزعتني!.. كيف تغادر المستشفى هكذا؟!

أخفى وجهه بيده وهمس متعرّفًا على صاحب الصوت: كرستين.

(كرستين): أخبرني كيف صحتك؟! وهل أصبحت تُبصر جيدًا؟؟

تمتـم: كنت أظن بأني قد استعدته.

(كرستين): ماذا؟.. هل أ...

قاطعها بسؤاله: أين لوسيندا؟

ــ في غرفتها.

استدار ملقيًا ظهره لها بيد أنه توقف حين حدّثته الأُخرى: السيد درلام طرد جميع الخدم عداي، إن احتجت لأي شيءٍ فأخبرني.

اكتفى بأن أومأ برأسه ثم أكمل طريقه.

توقف في الرواق عندما وجد لوسيندا تفرك إحدى عينيها بينما تحتضن دميتها الشقراء، وعلى الرغم من أنه لم يرَ وجه لوسيندا ورأى بدله وجهًا آخر إلا أنه قد تعرّف عليها لقصر قامتها. رفعت بصرها إليه فكشفت عن ابتسامة واسعة وهرولت نحوه.

جلس على إحدى ركبتيه وباعد عن ذراعيه ليستقبلها بعناقٍ مُلِئَ بالشوق.

زاد من ضمِّها إلى صدره، والغصةُ بحلقة تضيق أكثر فأكثر، جاهد أن يتماسك أمامها ولكنه أخفق، لتسأله لوسي بقلق: كايون، لماذا تبكي؟!

أغمض عينيه بشدة فأردفت الأُخرى بعد أن طال صمته: أين أمي؟!.. لقد مر وقتٌ طويل وهي لم تعد بعد!..... هل تعرف أين هي؟!

ردَّ عليها بصوتٍ باهت: أُمنا ذهبت إلى الجنـة.

(لوسيندا): الجنة؟!..

(كايون) مومئًا برأسه: نـعم.

(لوسيندا): ومتى ستأتي؟!. لقد تأخرت، هل الجنة بعيدةٌ جدًا من هُنا؟؟

(كايون) مع ابتسامة مكسورة: من يذهب إلى الجنة لا يعود إلى الأرض.

(لوسيندا): مستحيل!.. كيف هذا؟!.. أنا أريد أمي!!.. لمَ لن تعود؟!

أردفت بقلق: هل فعلت شيئًا يغضبها؟!.. أنا لم أفعل شيئًا!

(كايون) وهو يمسح على شعرها: أنـا... أعني، هي لن تعود ولكنك ستلتقين بها.

هتفت (لوسيندا) وأعينها تشع بأملٍ طفولي: حقًا!.. هيا إذن فلنذهب!

(كايون): لوسي... لا يمكنك الذهاب الآن، فقط... عندما يحين الوقت.

(لوسيندا): ومتى سيحين الوقت؟!

(كايون): عندما أذهب أنا... لا أريدك أن تذهبي قبلي... لأني، سأظل وحيدًا.

(لوسيندا): ولمَ لا نذهب معًا؟.. لست مضطرًا لأن تبقى وحدك، وحتى أنا لا أريد أن أبقى لوحدي!

فضلَّ الصمت لمدة، واكتفى بعناقها، ثم أجابها بصوتٍ متهدّج:

ــ حين تكبرين يا لوسيندا ستعلمين بأن الجنة ليست وجهةً يُمكن أن يذهب إليها الجميع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (81)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة