في اليوم التالي حدث لكايون ما حدث له بالأمس، الشيء الوحيد الذي تغير هو أن ميلڤين هو من سال أنفه دمًا لأن الآخر قد ازداد ضراوةً، ولكن كايون في نهاية المطاف تعاطى المخدرات رغمًا عن أنفه ...
اليوم التالي كان يوم الأحد، انتهت العائلة من تناول الإفطار ولأن اليوم عطلة صعد كايون إلى غرفته وأقفل الباب.
لحظات حتى طُرِق الباب ثلاثًا، توجس من ذلك وعزم على عدم فتح الباب حتى لا يُرافق ميلڤين إلى الشركة مُنذ الصباح كما حدث بالأمس. لم يتوقف الطرق، فتقدم نحو الباب وسأل:
ــ من هُناك؟!
(الطارق): من هُناك؟.. ما هذا السؤال يا كايون؟!.. هذا باب غرفتك وليس باب المنزل حتى تسأل عن الطارق!
فتح كايون الباب وقال: آسف أمي.
(يوجيني): لماذا أغلقت الباب؟
(كايون): أردت أن أُغير ثيابي.
(يوجيني): آها، حسنًا إذن، غيرها بسرعة والحق بوالدك فهو ينتظِرُك خارجًا.
امتعض كايون وقال في نفسه "ميلڤين الحقير ليس والدي ولن يكون كذلك أبدًا!"
أردف بصوتٍ مسموع: أخبريه أني لا أُريد أن أذهب معه اليوم.
(يوجيني): لماذا؟.. أهُناك شيء؟!
(كايون): لا أبدًا، فقط أريد أن أستمتع بالعُطلة بعيدًا عن الشركة لأنها مُمِلة.
(يوجيني) وهي تمسح على خده: حسنًا إذن، سترافقني اليوم إلى السوق.
(كايون): موافق!
خرجت يوجيني بعد ذلك، أخبرت ميلڤين بأن كايون لن يأتي معه اليوم إلى الشركة لأنها ستصطحبه معها للتسوق، لم يظهر على ميلڤين أي انزعاج أو تعابير تدل على عدم الرضى بل على العكس تمامًا فقد كان يُحدّث يوجيني وابتسامته تشق وجهه .. وبينما كايون ينظر إليهما من خلال النافذة، احتدَّ حاجباه وتمتم بغيظ:
ــ شيطان بوجه مبتسم!
جلس على سريره وحدّث نفسه" جيد، سأرتاح منه هذا اليوم ... مهلًا ماذا عن بقية الأيام؟!.."
قُوطِعَ حديثه النفسي عندما دخلت يوجيني، كانت تقرع الأرض بقدم في حين تعقد ذراعيها على صدرها. رفع كايون حاجبيه وسألها:
ــ هل من خطب؟
ــ لمَ لم تغير ثيابك إلى الآن؟
ــ آه نسيت!
ــ هيا بسرعة لا أُريد أن نتأخر.
ــ حاضر.
خرجت يوجيني لتجهز نفسها أيضًا. فتح كايون دولابه وتنهد ، كما لو أنه قد ورطَ نفسه في كذبةٍ كان في غنىً عنها. هو بالفعل كسول فهو يرى أن أبسط شيءٍ قد يقوم به سيسبب له مشقة ...
ارتدى قميصًا أبيض مع معطف جينز بلون نيلي، وبنطال جينز نيلي اللون كذلك، اعتمر قبعة شمسية بينما يتوجّه نحو غرفة أمه، والتي لم تجهز بعد. تربع كايون ورفع أحد حاجبيه، وسألها حينئذٍ:
ــ من الذي سيُؤخرنا الآن يا أمي؟!
(يوجيني) متجاهلةً سؤاله: أخبرني أيُهما أفضل؟.. الفستان البُرغندي أو السماوي؟!
(كايون): جميعها ستكون رائعةً عليك.
ابتسمت ثم قلّبت عينيها مُمازحةً إياه، استطردت بعد ذلك: رشّح لي.
(كايون): البرغندي.
(يوجيني): ماذا عن الحقيبة؟.. البيضاء أم البيضاء ذات فصوص سوداء؟!..
(كايون) مع ابتسامة: الخيار الثاني.
(يوجيني): حسنًا، انتظرني في الصالة.
انحنى لها، وقال: بأمركِ ملكتي.
غمغمت يوجيني " كم أنك مهذب، لمَ مدرستُكَ تُخالِفُني في الرأي؟! "
بعد خمسة وثلاثين دقيقة نزلت يوجيني إلى الصالة فوجدت ابنها نائمًا، تساءلت في نفسها"هل تأخرت كثيرًا؟؟"
هزّته برفق وهمست: صغيري، أما زلت تُريد القدوم معي أم ستصعد إلى غُرفتك لتكمل نومك؟
(كايون) بكسل: لا لا سآتي معك.
بعد أن فتح عينيه بشكلٍ جيد، وبينما هما في السيارة، لاحظ كايون أن أمه قد ارتدت عكس ما اختاره لها، فابتسم لأن خُطته قد نجحت بالفعل، فهو اختار عكس الإختيار الذي كان سيُرشِحُه لها حتى تختار يوجيني العكس، وهكذا جرت العادة عندما تسأله.
لوهلة تمنى لو أنه أكمل نومه، لأن من يتسوق مع يوجيني سيندم كثيرًا، وهو لم يتعلم درسه هذا على الرغم من أنه قد ندم لأجل هذا أكثر من مرة ...
حلَّ المساء فعادت يوجيني وكايون إلى المنزل بأكياس يصعب على المرءِ عدُّها، تناولوا العشاء عندما وصل ميلڤين، وكالعادة كان كُلٌّ من كايون وميلڤين لا ينظر إلى الآخر بتاتًا وكأن لا وجود له أصلًا، وإذا تحدث أحدهما لن يُحدِث إلا يوجيني التي تظل بشوشة كُلما رأت أنهم يجلِسونَ معًا ...
قبّل كايون جبين أمه ثم صعد إلى غرفته، رمى نفسه على السرير، وتنفس براحة، وسرعان ما تذكر أن اليوم انتهى وسيأتي غدًا، فأصبح همًا ثقيلًا على صدره.
ساعة فساعتان ثم ثلاث، ظلَّ يتقلب خلالها في مُحاولة بائسة للنوم. لقد عاد له ذات الشعور الذي شعر به عصر هذا اليوم.
في البداية لم يُعطِ الأمر اهتمامًا ولكن الآن لم يُعطِ الأمر اهتمامًا أيضًا لأنه لا يعلم ما الخطب الذي ألمَّ به، لقد ظن أن هذا الشعور سيذهب خلال الساعة القادمة، ولكن ذلك لم يحدث.
نهض من فراشه وغسل وجهه. شرب الماء وعاد إلى فراشه على الرغم من أن النوم لم يزُره ...
بدأ رأسه ينبض بصُداعٍ شديد، جثى على رُكبتيه وتمتم:
ــ أنا أُريد شيئًا ولكن ما هو؟! ما هو؟!!
وفي تلك اللحظة فُتِحَ باب غرفته، وجّه بصره ناحيته فاتضح أنه ميلڤين.
رمى لهُ كيسًا وأنبوبًا رفيعًا ثم غادر، تاركًا خلفهُ الباب مفتوحًا. قام كايون بإغلاق الباب بينما ينظر إلى الكيس بتوجس، هو لا يعلم لمَ ميلڤين الآن أعطاهُ إياه من دون أن يُرغمه على استنشاقه، وهو في الأساس لا يعلم لمَ كان يُجبِره أصلًا؟
أخذه ورماه على الدُرج بإهمال، مُقررًا بأنه لن يستنشقه أبدًا، مرت ساعة أُخرى وكايون يُصارع نفسه بينما يزداد صُداعه. وجّه زرقاوتيه نحو الكيس ورغبةٌ مُلحة تُملي عليه بتعاطيه.
مدَّ يده المرتجفة وأخذه، مزق طرف الكيس بأضراسه وسكب ما به على ظهر يده، فركه قليلًا ثم أخذ الأنبوب واستنشقة وما لبث أن شعر بجسده يسترخي على غير إرادته.
تمدد على سريره براحة، وتثاقلت أجفانه فنام، وقبل أن يرمش للمرة الأخيرة قال في نفسه" الحقير ميلڤين، لقد كان يعلم أنني لن أستطيع النوم من دون هذا الشيء، وهو لم يعترض صُبحَ هذا اليوم لأنه كان على علم بأنني سأستنشق هذا المسحوق بنفسي من دون أن يُتعب نفسه لأجل ذلك، ولكن لمَ؟.. ما غايته من كُلِ هذا؟! "
في اليوم التالي، بعد العصر تقريبًا. لم يذهب كايون مع ميلڤين إلى الشركة وذلك لأنه لم يأخذه معه كما جرت العادة، لم يفرح كايون بذلك بل بقي متوجسًا من بعض الأفكار التي راودته عن سبب ذلك ...
وبينما هو يتوسد حجر أمه لاحظ بأنها ليست على ما يُرام فسألها متوجسًا:
ــ أمي، هل أنتِ بخير؟!
(يوجيني): أيمكنك أن تنهض يا كايون؟.. بسرعة!
رفع رأسه عن حجرها فنهضت الأخرى راكضة.
لحق بها إلى دورة المياة، وانتظرها خلف الباب لدقائق حتى خرجت. سألها عندئذٍ:
ــ هل عاد إليكِ الإعياء؟
(يوجيني): نعم.
(كايون): أرجوكِ دعينا نذهب إلى المستشفى!
(يوجيني) بينما هي تمسح على رأسه: لا تقلق أنا بخير.
عادت يوجيني إلى الصالة في حين ذهب كايون ليشرب حبة بانادول في محاولة بائسة لإساكت الصُداع ...
تنهد ثم غمغم"ميلڤين السافل الحقير، هو يعلم بأن هذا سيحدث لي بسبب استنشاقي لذاك المسحوق، الساقط هو لم يجبرني على مرافقته اليوم لأنه يعلم بأني لن أتحمل وسآتي إليه بنفسي، هو يُريد إذلالي!.. هذا لن يحدث!.. هذا لن يحدث!.. حتى ولو انفجر رأسي ثمنًا لذلك!! "
عندما حل المساء صعد كايون إلى غرفته مبكرًا على غير العادة، نادته يوجيني بينما قدماه تخُط على آخر درجة.
(يوجيني): كايون!.. تعال لتتناول العشاء!
(كايون): لستُ جائعًا، طابت ليلتُك.
تمتم بحزن: طابت ليلتُك صغيري.
جلست على المائدة بقرب ميلڤين، والذي سألها: أين كايون؟
(يوجيني): قال بأنه ليس جائعًا .. أساسًا هو لم يتناول طعام الغداء جيدًا، لا أعلم كيف له ألَّا يكون جائعًا؟!
ظهرت ابتسامة خفيفة على ثغره، لم تلحظها يوجيني، أردف بينما يتناول العشاء:
ــ ربما تناول طعامه في أحد المطاعم.
(يوجيني): هو لم يخرج من المنزل أساسًا!
(ميلڤين): تناولي عشاءك ولا تشغلي بالك.
لاحظ ميلڤين أنها لا تأكُل، فقط تحرك الملعقة على الصحن، فاستفسرها:
ــ أرى بأنكِ أنتِ الأُخرى قد فقدتِ شهيتك.
نظرت إليه وقالت بنبرة مُترددة:
ــ ميلڤين .. أُريد أن أخبرك بشيء.
وضع المِلعقةَ جانبًا، وأجابها بهدوء: أسمعك.
(يوجيني) ونظرها مشتت: في الحقيقة .. لقد انقطع الطمث مُنذ ثلاثة أشهر.
اتسعت خضراوتيه ولم ينبس ببنت شفة في حين أكملت الأخرى كلامها:
ــ لقد أجريت فحصًا وأخبرتني الدكتورة بأني حامل.
نهض ميلڤين من المقعد واقترب منها. سألها بنبرة جزلة:
ــ لمَ لم تُخبريني بذلك؟!
(يوجيني): لأني ظننت بأن الإنقطاع يعود إلى خللٍ في هُرموناتي، وعندما أجريت الفحص اتضح أني حامل لم أصدق الأمر في البداية لذلك أجريت فحصًا في مُستشفىً آخر وقيل لي أني بالفعل حامل .. أنا أخفيت عنك الأمر لأني لم أشأ أن أخبرك فتفرح فيتضح فيما بعد أن ذلك بأنه خطأ في الفحوصات.
عاود الجلوس وتساءل: ولمَ الفحص الأول يدُل على عدم قُدرتكِ على الإنجاب؟!
(يوجيني): لا أعلم، وأنا ما زلت غير مصدقة وأُريد أن أُجري فحصًا آخر.
(ميلڤين): هيا بنا إذن.
ركبا السيارة وتوجها نحو أحد المُستشفيات، وهناك سرت السعادة على قلبيهما عندما قالت الدكتورة: مبارك لكما، أنتِ حامل بالفعل سيدة يوجيني، أمّا بالنسبة لأول فحصٍ أجريتيه فلا شك أنه خطأ في التقارير، ربما خلطوا بينك وبين امرأةٍ أُخرى، أمّا عن سبب تأخرك عن الحمل فهذا أمر طبيعي قد يحدث عند بعض النساء.
لم يعودا إلى المنزل مباشرةً بل تمشيا قليلًا وقام ميلڤين بشراء الزهور والكثير من المجوهرات، بينما كايون يصارع الإدمان في غرفته.
هجره النوم ولازمه الدوار والألم حتى الساعة الثانية صباحًا، دخل ميلڤين إلى غُرفته ورمى له كيس مُخدراتٍ آخر، قال حينئذٍ:
ــ كُنت أنوي أن أترُكك لِتُعاني حتى اليوم الثاني بسبب كبرياءك الذي سيقتُلك، ولكن عُدَّ هذا الكوكايين هديةً مني هذا اليوم.
(كايون): ....
همَّ ميلڤين بالمُغادرة وقبل أن يخرج قال له: إن كابرت غدًا ولم تُرافقني طواعية فستندم، أيضًا إحرص على إخفاء هذه المُخدرات جيدًا، فهذا لمصلحتك.
أغلق الباب خلفه هذه المرة وترك كايون ليتعاطى الكوكايين، لم ينم كايون مباشرةً لأنه أخرج هاتفه من الدُرج وأخذ يبحث عن ماهية هذا الكوكايين. صُعق عندما علم بأن ما يتعاطاه ممنوعات يُحاسب عليها القانون، أدرك حينئذٍ بأنه في مصيبة والأسوأ من ذلك هو إدراكه للتو لمَ ميلڤين كان يُجبره على تعاطيه!
تمتم بينما أسنانه مصكوكة: الحقير .. ميلڤين!!.. سيبتزُّني!
Ahed Nasser🍂