أمريكا ـ ـ العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.
ــ آآاااااه.
صرخة مدوية صدرت عن كايون بعد أن ارتطم ظهره بالجدار وتحطم دولاب الزجاج الذي خلفه. لم يسمح له ميلڤين بالتقاط أنفاسه، فقد سحبه من ثيابه ووجه إليه عدة لكمات عشوائية، أفلته ليخر على الأرض متألمًا، أخرج مسدسه ووجهه نحوه، فجاهد كايون حتى استطاع أن يرفع رأسه، اصطكت أسنانه ثم قال له وسط أنفاسه المبعثرة:
ــ لم يعد الأمر يُهِمُني، فلتقتلني إن أردت!
(ميلڤين): هذه فرصتك الأخيرة كايون!
(كايون): ....
(ميلڤين): إمّا أن تقتله أو أقتلك أنا.
(كايون): ليكُن!!!
تكور كايون على نفسه عندما سمع صوت المسدس الذي أُبعد عن وضعية الأمان .. ثانية حتى سمع صوت الرصاصة تنفجر بجانب أذنه ...
ظن كايون بأنه قدمت، ولكن هيهات، رفعه ميلڤين من على الأرض ودس رُكبته في بطنه مما جعله يتقيأ دمًا. لم يرأف به وواصل ضربه حتى عجز كايون عن الحراك. استسلم وسمح للآخر بتعنيفه من دون أي مقاومة ...
دخل باركر إلى الغرفة، وفي تلك اللحظة انكمشت تعابيره بشفقة وقال:
ــ أوه يا رجل!.. على هذه الحال الولد سيموت حتمًا!!
(ميلڤين): أخرجه من هنا.
حمله باركر على كتفه وطرحه على الأريكة السوداء، أخرج من الدرج معقم وبدأ بتعقيم جروحه، فهسهس الآخر متألمًا.
(باركر): لمَ كل هذا العناد يا كايون؟.. ستجني على نفسك إن استمررت في عصيان أوامره!
(كايون): ....
(باركر): على كلٍ، ماذا ستقول لأمك عندما تراك بهذه الحال؟
(كايون): سأكذب عليها ككل مرة.
(باركر): لمَ؟؟
(كايون) وقد انخفض حاجباه: لأنها ستحزن.. وستحدث مشاكل لا داعي لها.
(باركر): وأي كذبة ستقول لها هذه المرة؟
(كايون) بينما يزداد ألمه: ليس من شأنك.
أرشقه باركر ودعك وجهه بالقطن المعقم بقوة، تأوه الآخر وصرخ:
ـُ أووه!.. ما بك يا رجل؟!!.. هات القطنة سأعقم جروحي بنفسي!!
بعد مرور ساعة، فتح كايون عينيه بعد أن غفى قليلًا ، استقام بجذعه وهو يشعر بأن الألم ينهش عظامه ... غمغم" كيف سأعود إلى المنزل الآن؟.. أمي ستقلق عليَّ إن تأخرت أكثر!"
بادرت الشمس بالمغادرة في حين خرج كايون من الشركة واستقلَّ إحدى سيارات ميلڤين حتى توصله إلى البيت، وبينما هو يراقب الطريق من نصف النافذة المظللة، سمع صوت رنين، أخرج هاتفه ونظر إلى الاسم والذي كان عبارة عن 。:أماني:。
مرر إبهامه على الشاشة واستقبل المتصل بقوله المعتاد:
ــ مرحبًا يا أماني.
(يوجيني) مع ابتسامة: آهٍ منك يا صغيري!.. ألم ترَ كم هي الساعة؟!.. لقد أقلقتني!
(كايون): أنا حقًا آسف!.. سأخبرك عندما أصل عن سبب تأخري.
(يوجيني): ماذا؟.. أحدث لك شيء؟!
(كايون): ليس بالأمر الجلل!
(يوجيني): أخبرني كايون ما الذي حدث؟!
(كايون): سأخبرك بكل شيء عندما أصل، أراكِ لاحقًا أمي.
أقفل الخط بعد ذلك في حين أبعدت الأُخرى الهاتف عن أُذنها وتنهدت.
بمجرد أن وصل إلى المنزل باعد ذراعيه ليحتضن أُمه ولكنها صدته ووضعت كل تركيزها على حالته الرثة التي جاء بها .. وضعت كفها على خده وسألته بغضب:
ــ من فعل بك هذا؟!
تنهد وجلس على الأريكة فجلست يوجيني بجانبه، فاسترسل عندئذٍ:
ــ اليوم بعد أن ذهبت معه إلى الشركة، خرجت لأحتسي القهوة في أحد المحلات لأن الشركة لا يوجد بها قهوتي المفضلة، وحين مررت عبر أحد الأزقة وجدت ثلاثة رجال يحاولون إيذاء فتاتين، فجابهتهم جميعًا حتى تهرب الفتاتان بعيدًا.
(يوجيني) بينما تمسح على وجهه: كايون!.. لقد استخدمت هذا العذر أكثر من سبع مرات، لا يمكنك أن تستخدمه أكثر!
(كايون): ولكنها الحقيقـة!
(يوجيني): أتعلم؟!.. لن أُجادلك أكثر وسأتصل بميلڤين لأُلقي اللوم عليه!
(كايون): كلا أمي!
لم تصغِ إليه وأخذت هاتفها، تكلّم كايون حينئذٍ: هو يعلم بالأمر.
(يوجيني) بتفاجؤ: يعلم؟!.. ولم يخبرني؟!.. وسمح لك بالعودة وحدك على الرغم من علمه بأنك قد تأذيت سابقًا لأنه تركك لتخرج وحدك؟!
(كايون) وهو يدعك ما بين حاجبيه: ليس وكأني ما أزالُ صغيرًا حتى يرافقني أين ما أذهب.
(يوجيني): هذا ليس بعذر!
ضغطت على أزرار هاتفها ليُصدر صوت رنين، سرعان ما أجابها ميلڤين:
ــ نعم فضيتي؟
(يوجيني): تعال إلى المنزل حالًا!!
(ميلڤين): أنا في الطريق أساسًا.
(يوجيني): أراك إذن!
أقفلت الخط بعد ذلك في حين غمغم ميلڤين" ستندم يا كايون"
نهض كايون ثم قال:
ــ سأذهب لأستحم ولأُغير ثيابي.
(يوجيني): عليك أن تأتي بعد ذلك.
(كايون): حاضر.
صعد كايون إلى غرفته و ما هي إلا عشر دقائق حتى وصل ميلڤين، خلع معطفه وناوله للخادمة ثم توجه إلى الصالة حيث تنتظره فضّيته ...
جلس بجانبها ونظر إليها بتحرز، فاسطردت سائلة:
ــ أرأيت حالة كايون؟!.. كيف سمحت لأولئك الأوغاد بضربه؟!
(ميلڤين): ....
(يوجيني): كان عليك أن تبحث عنهم وأن تجرهم إلى الشرطة!
(ميلڤين): ومن قال لكِ بأني لم أفعل ذلك؟
(يوجيني): ماذا؟.. هل قبضت عليهم الشرطة؟!
(ميلڤين): أنا بنفسي من جرهم إليهم!
(يوجيني) وهي ترمش: لمَ لم يخبرني كايون بذلك؟!
(ميلڤين): لأنه لا يعلم، فبعد أن عقّمت لهُ جراحه، خرجت من الشركة مع رجالي وبحثت عن أولئك الأوغاد، وأشبعتهم ضربًا ثم سلمتهم إلى الشرطة.
تنهدت براحة وأسندنت رأسها على كتفه بينما تقول: جيدٌ أنكَ قد اقتصصت منهم لما فعلوه بابننا.
انخفضت عيناه برضى فأسند رأسه برأسها. كان كايون يقف على الدرج، وحين رأى أمه تسند رأسها على كتف ميلڤين، قبضَّ على الدرابزين حتى ابيضت مفاصله. عاد أدراجه، وأغلق باب غرفته بهدوء. ارتمى على فراشه، أغمض عينيه وحدّثَ نفسه" الوغد ميلڤين، لم يكن جادًا في أمر قتلي، هذه هي المرة الثانية التي أعصيه فيها ويهددني بالقتل دون أن يفعل ذلك، لقد كان يُخيفُني فحسب، لو أنني لم أستمع إليه منذ البداية.. ما كُنت لأقتل كلبي أو ذلك المُسن. "
في لبنان ـ ـ العاصمة بيروت.
كانت أريج تجلس في مقعد بجانب والدها في مكتب الشرطة ...
ــ آنسة أريج، أنتِ متهمة بجريمة أخلاقية.
ــ أنا بريئة من هذا الإتهام.
ــ ولكن صور لبنى قد انتشرت بعد آخر حادثة بينك وبينها، كما أن صديقتها تيا كرس أرتنا أن حساباتها مخترقة وأكدت بأنها لم تُخترق إلا عندما تكون العلاقة بينكما حساسة.
ــ هذا ليس بدليل.. سيدي الشرطي!
ــ بالطبع هذا ليس بدليل، ولكن ما تفسيرك لذلك؟
ــ مجرد ادعاءات باطلة!
ــ إذن أنتِ تُنكرين هذا الأمر؟!
ــ نعم، فأنا لستُ الفاعلة.
ــ حسنًا، سأمنحك فرصة أخيرة .. إن كنتِ الفاعلة واعترفتي الآن بخطأك فسنعمل على تصحيح هذا الخطأ معًا وسنخفف من عقوبتك.
ــ ولكنني لستُ الفاعلة!
تنهد الشرطي وأسقط بصره إلى الأرض لمدة، أعادها إليها وقال:
ــ أعطينا هاتفك لنتأكد.
أخرجته من الحقيبة وناولته إياه، تناوله الشرطي وسألها في الوقت ذاته:
ــ أتمتلكين هاتفًا غيره؟
ــ لا.
وضع الشرطي الهاتف على طرف المنضدة ليتناوله الشرطي الآخر الذي يجلس على مقربةٍ منه، هو لم يكن شرطي عادي فحسب بل شرطي متخصص في الأمن السيبراني ...
كانت كلمات أريج متماسكة وقوية، وملامح وجهها ثابتة، إلا أنها لم تستطع إخفاء رعشة يديها وقدميها. وضع جيهان يده على كتفها وهمس مُطمئنًا إياها:
ــ كل شيء سيكون على ما يرام.
أومأت له بابتسامة خفيفة ثم نظرت إلى الشرطي المتخصص في الأمن السيبراني بقلق، هي تعلم بأنه لن يجد أي دليل، ولكنه متخصص في الأمن السيبراني ولديه خبرة سنين، ليس مثلها مجرد عابثة فضولية.
فتح حاسوبه المتطور ووصله بسلك مع هاتفها وقام بالكبس على الأزرار، بعد مدة، فصل هاتفها وناولها إياه، نظر الشرطي الآخر إليه فاستطرد قائلًا:
ــ هاتفها خالٍ من أي شيء يخص الإختراق أو يخص الفتاتين.
مسح جيهان على ظهرها وقربها منه لتبتسم الأُخرى ابتسامة معكوسة إلا أن ابتسامتها هذه قد زالت عندما وقعت عيناها على ذلك الشرطي الذي فتش هاتفها.
كان ينظر إليها بطريقة غريبة، وقد لاحظت ذلك منذ قدومها إلى المكتب فهو ينظر إليها وإلى أبسط حركة تقوم بها كما لو أنه مختص نفسي وليس مختص في الأمن السيبراني فقط.
تجمد الدم في عروقها عندما سمعته وهو يقول: الأمر لم ينته بعد.
قال ذلك دون أن تحيد عينيه عنها، أعتدل جيهان في جلسته وهي الأخرى كذلك، وعندئذٍ استطرد جيهان سائلًا:
ــ ماذا تقصد بأن الأمر لم ينتهِ بعد؟!.. ابنتي بريئة من هذا الإفتراء وأنت بنفسك فتشت هاتفها وقلت بأنه خالٍ من أي شيء يخص القضية!
تحدث الشرطي المتخصص في الأمن السيبراني:
ــ بقي شيءٌ واحدٌ بعد لم نتأكد منه.
(جيهان) وعقدة تتوسط حاجبيه: والذي هو؟
تحدث الشرطي الآخر:
ــ المعذرة سيد جيهان، نحن نحقق مع ابنتك وليس معك، أرجو أن تنصت فحسب، هذه المرة الثالثة التي أقول لك ذلك.
أخذ جيهان نفسًا مطولًا وأعاد ظهره إلى الوراء ليلتصق مع ظهر المقعد في حين استطرد صاحب الأمن السيبراني:
ــ آنسة أريج، أتمتلكين حاسوبًا؟
ابتلعت ريقها وقالت: لا.
في هذه اللحظة التفت إليها جيهان واتسعت حدقتاه ببُطء، سارع في إخفاء ردة فعله بأن أبعد نظره عنها وعدّل ربطة عنقه، غير أن فعله هذا كان من دون فائدة فقد لاحظ الشرطيان ذلك ونظر كلٌ منهما إلى الآخر ليتأكدا من أن كلاهما قد رأيا ذلك.
عضت أريج على شفتها السفلى فقد شعرت برّدة فعل والدها وعلمت بأن الشرطيان قد لاحظا ذلك، تمنت لو أنها قد قالت نعم فحسب ولكن ما جعلها تُنكر ذلك هو خوفها من أن يجد صاحب الأمن السيبراني ثغرة أو ثغرتين ويكتشف أمرها ...
(الشرطي) وهو يضع سبابته وإبهامه على ذقنه: هل من خطبٍ سيد جيهان؟
(جيهان): لا، أبدًا، ما من شيء.
أي شخصٍ سيعلم بأنه يكذب من خلال رده هذا، وجّه صاحب الأمن السيبراني نظرة إلى الشرطي بينما يرفع أحد حاجبيه ويبتسم .. أومأ له الشرطي الآخر فخرج من المكتب، نظر جيهان إليه متوجسًا فسأل الآخر:
ــ لماذا خرج؟
(الشرطي): سوف يوكل شرطيين للذهاب إلى منزلك والتحقق من صدق ابنتك.
(جيهان): يفتشون بيتي؟!.. هذا انتهاك في حقي!
(الشرطي): نحن الشرطة ومن واجبنا التحقق، ثم إن هذا لا يعد انتهاكًا بقدر نشر صور فتاة معدّلة بالفوتوشب!
قال ذلك وهو ينظر إلى أريج، والتي تكابر حتى لا تبكي، حاولت تهدئة نفسها بقول"حتى إن وجدوه فلا بأس أستطيع أن أبرر ذلك بكذبة أُخرى المهم هو ألَّا يجد أي ثغرة في حاسوبي، وأنا أجريت الإجراءات الكاملة، هو لن يجد أي شيء ونسبة ذلك خمسة وأربعون بالمئة! "
مرت الثواني والدقائق، وكل دقيقة تساوي دهرًا بالنسبة لأريج ولجيهان الذي يُجاهد ألَّا يرتكب حماقة في هذه اللحظة، وألَّا يُعيد تربية أريج من جديد أمام الشرطي. دخل صاحب الأمن السيبراني والشرطيان ومع دخولهما انخلع قلب أريج.
نظر صاحب الأمن السيبراني إلى أريج ثم إلى الشرطي، وقال عندئذٍ:
ــ لم نجد أي حاسوب.
لم يرتح جيهان ولم ترتح أريج وحبس كل منهما أنفاسه حتى يُحاكيا ردة فعل توافق الموقف بحيث لا يتم الشك بهما مجددًا. رفع الشرطي حاجبيه وقال:
ــ هل أنت متأكد؟!.. عليكم تفتيش المنزل كاملًا وليس غرفتها فحسب!
(صاحب الأمن السيبراني): نحن بالفعل لم نكتفِ بتفتيش غرفتها، فقد فتشنا البيت كاملًا وقلبناه رأسًا على عقب ولم نجد شيئًا!
أعاد الشرطي عينيه إلى جيهان وأريج، والذان كانا بملامح حيادية لا تشير إلى فرح ولا إلى قلق ولا إلى غضب ولا حتى لأي شيء. لم يستطع الشرطي أن يصل إلى أي نتيجة، فالذان أمامه لم يُعطياه تعابير قد تُساعده على فهم الموقف. بدا وكأنه ينظر إلى مستحاثتين لا تنطق ولا ترف، ولأنه لم يجد أي دليل ملموس ضدهما مد يده لمصافحة جيهان وقال: لقد انتهت الجلسة لصالحكم.
مد جيهان يده وصافحه، ولم ينطق بأي كلمة.
استقلَّ جيهان سيارته وتوجه إلى المنزل، أعين أريج كانت تلتهم الأرض وتضخ ظلال الخوف، فهي تدرك جيدًا بأن والدها قد علم بالحقيقة عندما كذبت بشأن الحاسوب، وهي تعلم جيدًا بأن أعينه تلتهمها في هذه اللحظة، كلٌّ منهما كان صامتًا، وأريج تعلم بأن هدوء والدها الحالي ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة.
بمجرد أن وصلت السيارة أمام المنزل، فتحت أريج الباب وهرعت هاربة لتسبق هبوب العاصفة أو انفجار البركان الخامد، خرج جيهان كذلك وترك سيارته قبل أن يُدير المفتاح ليُطفئها، لحق بأريج وصوته يسبقه إليها:
ــ أريج!!!.. توقفي!!.. الهرب لن يحميكِ مني!!!
أخذت تطرق الباب بعنف ناسيةً بأن هناك جرس لتضغط عليه، ومع كل طرقة سالت مئةُ دمعة، لم تتأخر ميراي في فتح الباب، وبمجرد أن فتحته هاجمتها أريج بعناق، وسرعان ما احتمت خلفها وقالت بنشيج:
ــ أمي أنا آسفة!.. أقسم لن أُعيدها .. ولكن أرجوكِ أوقفي أبي!!
دف جيهان الباب بقوة وأخذت عيناه تجول بالمكان بحثًا عنها، كان كمال موجودًا أيضًا والذي أمسك بذراع عمه محاولًا بذلك منعه من التقدم، غير أن محاولته كانت في مهب الريح، فهو لم يستطع أن يوقفه ولاسيما بعد أن وقعت عيناه على ميراي وأريج التي تختبئ خلفها، سارع نحوها وزمجر:
ــ ميراي!!.. ابتعدي!
حاول أن يسحب أريج من خلفها إلا أن ميراي كانت تجاريه في كُلِ محاولة، بحيث لا تسمح له بمساسها، هرع كمال نحو عمه وحاول أن يبعده بينما يزمجر:
ــ ميراااي!!
(ميراي) بهدوءٍ مُريب: جيهان، اهدئ!
ارتخت عضلاته بالفعل ولكن ليس لصوتها بل لما قالته عيناها، والذي على ما يبدو أنه لم يكن كلامًا لطيفًا، أخذ جيهان نفسًا ثم زفره، استطرد بعد ذلك:
ــ أنتِ لا تعلمين ما الذي جرى.
(ميراي): بلى، أنا أعلم.
رفع جيهان أحد حاجبيه في حين التفتت ميراي إلى أريج قليلًا وقالت: اصعدي إلى غُرفتك.
بخطواتٍ متحرزة، صعدت إلى غرفتها، تبعها كمال في حين جلس جيهان على الأريكة. جلست ميراي بجانبه وصبت لهُ فنجانًا من الشاي.
مسح جيهان على وجهه وراقبها أثناء فعلها لذلك، سأل نفسه حينئذٍ "أي برودٍ تمتلكه هذه المرأة؟"
(ميراي): هيا اشرب الشاي، أم أنك تريدني أن أُشربكَ إياه؟
لوح يده في الهواء وقال بعدم اكتراث: سأشربه لاحقًا.
في تلك الأثناء كانت أريج تُدثر نفسها بالكامل وتُشهج بالبكاء بينما يقف كمال بقربها وينظر إليها بشفقة، توجه نحو الدرج الذي بجانب فراشها وأخذ منها قارورة الماء، اقترب من أريج وقال لها:
ــ أريج!.. فلتشربي الماء.
بعد لحظات توقف صوت بُكائها إلا أن أنفاسها بقيت هائجة، ساعدها كمال على النهوض وقرب من فمها قارورة الماء. أخذتها منه وصوت تجرعها للماء يشرح مدى اختناقها، وضعت القارورةَ جانبًا بعد أن أفرغت نصفها.
جلس كمال بجانبها وفتح معها الحديث حين شعر بأنها قد هدأت:
ــ لا تقلقي يا أريج، فأنتِ الآن بأمان، لن تتم محاسبتك قانونيًا.
رفعت أريج عيناها المتورمتان إليه وسألته: أأنت من أخفى الحاسوب؟
ظهرت ابتسامة صغيرة على ثغره ثم قال: في الحقيقة، لم يخطر ببالي فعل ذلك، إلا أنني أخذته وأخفيته بعد أن أمرتني عمتي بذلك.
(أريج) بتفاجُؤ: أمي؟!!
(كمال): نعم، حقًا إن إحساس الأم لا يُخطئ فهي أمرتني بأن أدفنه في مكانٍ آمن تحسبًا من أن تأتي الشرطة وتفتش المنزل.
بقيت أريج صامتة في حين تدعك أناملها، نهض كمال ثم قال:
ــ إياكِ وأن تُعيدي خطأكِ هذا.
زمت أريج شفتيها وقالت بهمس:
ــ لستُ الفاعلة.
ضحك كمال بخفة وبعثر خصلات شعرها. بادر بالمغادرة، وقبل أن يُغلقَ الباب خلفه قال لها:
ــ كنتُ أظن بأنكِ تُنكرين الأمر حتى لا يتم سجنك، إلا أنني قد علمت الآن بأنكِ تكذبين لخجلك مما فعلته!
ظهرت ابتسامة خفيفة جدًا على شفتيها. تمتمت حينئذٍ: شكرًا كمال، وشكرًا لكِ يا أُمي.
Ahed Nasser🍂