اكتسى كايون السواد ليطابق سحلوك هذه الليلـة، ولينساب مع الظلام بخفة...
اندس بين الأشجار، وتبصّر مسدسه ليتأكد من وضعه لكاتم الصوت..
وجّه فوهة المسدس نحو كاميرات الحديقة وكاميرات المنزل المجاور، وأطلق النار عليها وعلى عمودي إنارة قريبين من بيت الضحيـة.
توغّل في العتمة راكضًا نحو الباب الخلفـي، فوجد قُفلًا عليه.. تمتم ساخرًا:
ــ هـه.. قُفلٌ رخيص.
أخرج من حقيبة ظهره حديدتان صغيرتان، ودسَّ بهما في فُتحة القُفل..
جعل إحداهما ثابتةً إلى الأعلى بينما يُخشخش القُفل بالحديدة الأخرى.
مضت سبع دقائق دون جدوى، فنبسَّ متذمرًا: ليس رخيصًا البتة!
فعاد يُقلِّب ما بداخل الحقيبة ويتمتم: أرجو بأن المفكين ما يزالان هُنا.
فتّش الجيب الداخلي للحقيبة، فابتسم عندما رأى المفكين في مكانهما. قام بمقاطعتهما على القفل، ثم ضغطَ بشكلٍ عكسي، لتصدر صوت قرعة خفيفة جراء انخلاع القُفل.
غمغم: لمَ لم أفعل هذا مُنذُ البداية!
داست قدماه على خشب المنزل، وتفحّصت زرقاوتيه المكان جيدًا..
شرع بتفتيش الغُرف، والسكـون يوحي له بعدم وجود أحد.
تساءل في نفسه" ولكن أين هي؟!"
حدّق بسرير غُرفةٍ بنفسجيةِ الأثاث، ثم دنى وتوضّح ما بأسفل السرير، ولكنه لم يجد أي أحد، فاستقام وقال:
ــ جيد، عدم وجودها في المنزل سيسهل عليّ قتل والدها.
فتح صنبور الغاز إلى الحد الأقصى، ثم سرى ناحية الباب الرئيسي حيث مكبس الإضاءة..
أطفأه، وأخرج مصباحًا يدوي وثبّته بين أضراسه، ليتسنى لهُ رؤية ما تفعلهُ يداه بالأسلاك.
استخدم خنجرًا في قطع سلكين، وأبرز ثناياهما النحاسية، مشابكًا إياهما بإتقان..
عاد إلى المطبخ، وأغلق الصنبور بشكلٍ نسبي، حتى لا يشك أحدهم بأن شخصًا ما قد فتحه إلى الحد الأخير متعمدًا.
وبعد ذلك...
خرج من الباب الخلفي، وترقّب قدوم الزوج المسكين حتى يتأكد من تمام المهمة.
تخفّـا خلف أشجار جيران الضحية.
تارةً يُحدق بمنزل الضحية، وتارةً يرمق باب الجيران، حتى رأى الرجل المقصود وهو يتوجّه نحو منزلهِ ضاحكًا ضحكتهُ الأخيرة.
فتح باب منزله، فاخترق الغاز أنفه. طرح الأغراض جانبًا وشتم:
ــ يالها من مُهملة!.. كيف نسيت صنبور الغاز مفتوحًا؟!
تحسست يده الجدار، وحين لامست إصبعه مكبس الإضاءة.. ضغط عليه، فقمعت شرارة النحاس بحماس، لينفجر المنزل مصدرًا صوتَ نفضةٍ مهولة، مسببةً رجة في الحيِ كُله.
ارتفعت زاوية شفته باستمتاع، وهو يرى شضايا الخشب والزجاج منثورًا في الهواء، بينما النيران تلتهم المنزل بنهـم.
تراجع كايون إلى الخلف حين رأى الباب يُفتح، تلاه صوت أريج:
ــ يا إلهي!.. منزل السيد ستيوارت يحترق!!
أطل كايون بإحدى عينيه فرأى أريج تهرول نحو منزل ضحيته، وهي تقول:
ــ اتصلي برجال الإطافاء!
أخرجت ميراي رأسها من النافذة وصاحت:
ــ عودي إلى هنا!.. لاااا!.. أريـــج!
(كايون) وقد اتسعت عيناه هلعًا:
ــ الغبية!.. ماذا تظن نفسها فاعلة!؟
قفزت ميراي من النافذة مهرولةً خلف ابنتها التي اختفى ظلها خلف النيران، ونقع كايون التراب لاحقًا بهما..
جذب ميراي من معصمها، فالتفتت إليه مفزوعة...
(كايون): أنا سأذهب خلفها وأنتِ اتصلي بالإسعاف!
(ميراي) وقد سحبت معصمها بعنف: لا تُعطلني!
خلع سترته ورماها على وجهها دافعًا إياها إلى الخلف، وأكمل ركضه صارخًا:
ــ لن أستطيع أنقاذكما الأثنتين، فلا تلحقي بي!
وكأن ميراي ستصغي!...
لحقت به، حين ولج من الباب المشتعل، وعندما أرادت الولوج أيضًا سقط سقف الباب سادًا الطريق عليها.
ازداد وجهها شحوبًا وناحت: لااااااااا!!.... ابنـــتــــــي!
شدت على صدرها لرؤيتها لألسنة النار وهي تزدادُ طولًا وقُتمًا، فهمست بشفاهٍ ترتجف:
ــ أرجوك.. أن تُنقذها.
ثم استدارت على عقبها، لتتصل برجال الإطفاء، ولتشرع بملئِ دلوٍ لن ينفع في شيء.
وهناك..
كان كايون وسط المنزل. يُغطي أنفه بمعصمه، ويحاول جاهدًا أن يتبصر المكان، غير أن الدخان وتراقص النار المتعرجة كان يجعله يغمض عينيه بين الحين والآخر.
صرخ مناجيًا: أريـــــج!!.. أتسمعيننــي!؟... أريـــج!
سعل بحدة، وواصل العوم بين حرارة تسبب ضبابًا غاشمًا.
اتسعت عيناه، حين وصله صوت أريج:
ــ هيــرااا!.. أين أنتِ؟!!... هيرا، أرجوكِ رُدي عليّ!
هرولت قدماه نحو صوتها، ليجدها في إحدى الغُرف.
قذف بنفسه إلى الداخل، وهز كتفيها صارخًا:
ــ علينا الخروج من هُنا حالًا!
(أريج) وهي تنقل بصرها من مكانٍ إلى آخر: هيرا!.. أنا لم أجدها!
(كايون) وهو يسحبها للخروج: لا يوجد هنا أي أحد!
(أريج): بلى!.. بلى!.. هيرا هنا!
شدها كايون من معصمها وسحبها خلفه، فحاولت التملص منه ودفعـه، مما جعله يزمجر في وجهها: سـتلتـهـمنـا النيران بسببك!
(أريج) بانفعال: هنا طفلة وأنا لن أخرج من دونها!!
وأضافت: أخرج أنت إن أردت!
صرَّ على أسنانه، واتخذ قراره، وسرعان ما انقلبت أريج رأسًا على عقب، جراء طرحِهِ لها على كتفه. ثم باشرَ ركضه...
رفعت نفسها وشرعت تضرب كتفه، فشدها من شعرها، وألحم وجهها بعظم كتفه فتأوهت متألمة.
وبخها بأنفاسٍ هائجة: أتريدين للنار أن تلفحك!.. أبقي نفسكِ مكومةً علي!
وأكمل سيرة نحو الباب الخلفـي، بيد أنه يشتعل بشدة.
تلفت يمنةً ويسرة باحثًا عن مخرج.
قطع تركيزه صوت أريج:
ــ كايـون!!
نهرها: اخرســـي!
حدّج النوافذ، فوجدها خاليةَ الزُجاج، مع نيران تُحيط بها، وبضع قمم مدببة من شضايا الخشب، فوجد القفز عبرها خيارًا غير مناسبَ، لتستقر عيناه على الباب من جديد.
ضمَّ رأسها أكثر، وقال: استعدي!
لم تعي أريج لما يقوله، فانكمشت أمعاؤها وارتعشت أطرافها جراء تحطم الباب..
تمايلت ألسنة اللهب حولهما، وتشبثت نيرانُها على ثنايا ثيابهما، فارتمى كايون على الأرض متقلبًا بالتراب والعشب محاولًا بذلك إطفاءها.
سعل، ثم رفع رأسه متبصرًا أريج.
سألها، والقلق يسيطر على ملامحه:
ــ أريج!.. أأنتِ بخير؟!.. أتستطيعين التنفس جيدًا!؟
صمتت. وبقيت عيناها على وجهه المتوشح بالرماد، وإلى زرقاوتيه التان تعكسان تراقص ألسنة النار خلفهما.
تجرعت ريقها، بينما مقلتاها تتنقل بين عينيه، وخصلاته الملتسقة على جبينه... رمش كايون، فرمشت، فاستطرد سائلًا:
ــ أأنتِ بخير!؟
تلعثمت: أنا.. أنا.. نعم.
رفعها قليلًا، وقال: هيا انهضي.
نهضت، وسرعان ما حوّلت بصرها نحو المنزل.
ترقرقت الدموع في عينيها، وتمتم: هيرا ما تزال هناك.
(كايون) بنفاد صبر: أخبرتك بأني قد فتشت المكان ولم أجد أحدًا غيرك!
نفت برأسها وقالت: لم تُفتش جيدًا، فعـ...
وانقطع صوتها ليستفسرها: ماذا؟
(أريج) وقد انهمرت دموعها إثر رمشة:
ــ بعيدًا عن المدخل الرئيسي بقليل، وجدت جثةً متفحمة، ربما تكون لسيد ستيوارت أو لزوجته، وربما لاقت ابنتهما نفس المصير.
وقبل أن يُحاول كايون تهدئتها، رشهما عامل الإطفاء بخرطوم المياة حتى تبرد أبدانهما.
التفت العامل إلى الخلف وصاح مناديًا: سيدتــي!.. هاهما الشابان!
هرعت ميراي نحوهم، وعيناها لا ترى غير أريج.
ابتسم كايون ابتسامةً طفيفة. ظنًا منه أن ميراي ستحتضن ابنتها وتقر عينها لرؤيتها سالمة، ولكن ما حدث بخّر كل توقعاته. إذ أن ميراي انتشلت ابنتها بعنف، مُرغمةً إياها على الوقوف.
دق قاموس الهلع فؤاد أريج، فنطقت ماحولةً التبرير:
ــ أُمي، أنا...
أخرستها ميراي بصفعةٍ حارة، جعلت خصلاتها تطير مع خدها.
فرهت شفتا كايون، وهو يُحقد بميراي المتقدة غضبًا..
انخفض حاجبا أريج، وعضت على شفتها حتى تكتم بُكاءها، بيد أنها قد فشلت، وانهارت على ركبتيها باكيـة.
أرشقتها ميراي طويلًا، وشيئًا فشيئًا حتى ارتخت ملامحها، وسالت دموعها حافرةً مجراها على وجنتيها.
كانت تقبض على باطن يدها بقوة، للدرجة التي جعلت ارتجافها جليًا لكايون.
خرت على الأرض، وسحبت أريج إلى حضنها...
شدت على عناقها بقوة، وعاتبتها بصوتٍ متهدج:
ــ لماذا؟!.. لماذا تُصرين على إخافتي؟!.. ماذا كنت سأفعل لو أنكِ احترقتي في الداخل!!؟
دست أريج وجهها بعنق والدتها ونشيجها يعلو.. تدافعت الشهقات من حنجرتها وهي تقول:
ــ أنا.. أنا.. آسفة!.. كـ.. كُنتُ أريد.. إنقاذ... هـ... هيرا!
(ميراي) وهي تمسح على خصلات ابنتها:
ــ وتقذفين بنفسكِ إلى الموت!؟
(أريج): ولكنها.. صغيرة!
(ميراي): وأنتِ صغيرة!.. هذا عمل رجال الإطفاء وليس عملك!
رفعت ميراي رأس ابنتها قليلًا، ومسحت دموعها المنهمرة. ثم نظرت إلى مكان الصفعة فقبّـلتها، وهمست: آسفة أريجي.
(أريج) وهي تُحدق بأعين والدتها المحمرتين:
ــ وأنا... آسفـة.
بالكاد استطاعت ميراي أن ترسم ابتسامةً خفيفة، بينما تقول:
ــ هيا.. لنعد إلى المنزل.
ثم نهضت ورفعت معها معصم أريج برفق.
وقبل أن تستدير، رمقت كايون، فوجدته ينظر إليها مسبقًا بذهـول..
التمست ميراي التعب في وجهه، فأومأت له وعيناها تنطق بكلمة شكرًا.
رمش متعجبًا لأمرها، فأفتر ثغره عن ابتسامةٍ بريئـة متناسيًا أنهُ السبب في كلِ ما حدث.
Ahed Nasser🍂