المتمرد

المتمرد

41 1

واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي كابيتول هيل.

بعد مرور بضعة أشهر ...

كانت جيسيكا قد أنجبت فتاةً كالقمر، ورثت من والدتها عينيها اللوزيتين، ومن والدها خصلاته الكستنائية....

خرجت إلى هذه الحياة باكية إلا أنها سرعان ما بدأت باكتشاف الكون من حولها، وبأناملها التي ما تزال مجعدة وقطنية، تحسست وجه والدها، كان يتكئ على سرير المستشفى بجانب زوجته النائمة ... أخذ يُقبِّل فتاته الصغيرة ويهمس في أُذنها ببعض كلمات العتاب لأنها أرهقت والدتها كثيرًا.

أمريكا ـ ـ العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل، ضاحية ساوث ليك يونيون.

سافر ميلڤين إلى مدينة سياتل، وقرر أن يستقر بها وأن يُشيد المافيا فيها، وعلى الرغم من أنه قد عطّل الحواسيب التي تحتوي على بياناتهم إلا أنه قد غير لقب قبيلته من باب الإحتياط ... كان ميلڤين لربات والآن ميلڤين درلام، وكذلك الحال مع البقية حيث غيروا اسمائهم الأخيرة وكذلك بطاقاتهم.

عدا ألكس والذي تم القبض عليه خلال آخر مهمة. وأكثر من تأثر لسجنه هي والدته وصديقه المقرب باركر.

هرعت والدته إلى الشرطة وحاولت بكل السبل أن تصل إلى ابنها، إلا أن قضبان السجن لم تسمح لها ولم ترأف بدموعها ...

ألكس عاد للعيش مع والدته خلال الفترة الأخيرة تحديدًا بعد أن قُتِلَ والده وأخوه، ذلك هدّئ من روع والدته قليلًا، والتي كادت أن تفقد صوابها لعدم معرفتها عن مكان هاري ... الخبيث ألكس، كان يشاركها في البحث عنه وهو نفسه من سمح لزميله بقتله ...

هو لم يعد إلى والدته ليطمئنها بأنه بخير، بل لأنه بات ولدها الوحيد، وكل همه أن يكون اهتمامها لهُ وحده، والآن السجن سيهتم به جيدًا ...

صرخت والدته من خلف القضبان: ألكس!.. لماذا فعلت بي هذا؟!... ألم تعدني بأن تكون فتًى صالحًا؟ كيف آلت بك الأمور لتساعد الأرهابيين؟!.. كيف آلت بك الأمور لتصبح مجرمًا؟!..

صك ألكس على أسنانه، فلم يحب نسخة والدته المعاتبه. سألته والدته مجددًا:

ــ أنت تعلم عن مكان هاري صحيح؟.. أين هو؟.. وما الذي فعلته به؟!..

للتو أدركت والدته بأن له علاقةً باختفاء هاري، فألكس لم يعد إليها إلا بعد أن ضاع الآخر ...

غضب ألكس لذلك، فقد ظن بأن أمه باتت له وحده، ليس وكأن لها ابنًا آخر ، ولأنها ذكرته مجددًا وما تزال مصرةً على البحثِ عنه، قسى قلبه وأخبرها عن مكانه بنبرةٍ صارخة:

ــ هو في غابة لاس فيرجنز!!

مسحت الأم دموعها، وسرعان ما خرجت من المركز واستقلت سيارة لتُقِلّها إلى الغابة في حين خالجها الخوف وسألها: لماذا هاري في الغابة؟.. ما لذي يفعله هناك ولمَ لم يعد إليك طوال الفترة الماضية؟!.. أيا تُراه ألكس يكذب عليكِ؟!.. أم ماذا؟

خطت قدماها على العشب اليابس وبقيت تهيم وتتوغل بين الأغصان حتى وصلت إلى قلب الغابة، وهناك ناحت وانتحبت، فخرت على الأرض ميتة، حين قابلها قبرٌ مَرَ على انتصابه الزمن ...

المسكينة، أدركت فورًا بأنهُ قبرُ فلذة كبدها، ومن هول الفاجعة، أُصيبت بذبحةٍ صدرية.

واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.

عندما وصل ميلڤين إلى سياتل، كان قد جهز حجةً مقنعة ليوجيني، عن سبب غيابه وعن سبب قرارة بترك لوس أنجلوس والأستقرار بهذة المدينة ...

وفي أحد الأيام وبينما ميلڤين يجلس في مكتبه، أخرج هاتفه ليُرفّه عن نفسه قليلًا بعد أن انتهى من أعماله المزورة ...

وبينما هو يحدق بالهاتف ابتسم، حين رأى يوجيني وهي تمارس عملها بشكلٍ طبيعي في أحد البرامج. كانت تدافع عن حقوق النساء، وتنتقد الذكور بشكلٍ فضيع، في حين كانت مقدمة البرنامج تطرح عليها بعض الأسئلة ...

لا أحد يعلم إن كانت مقدمة البرنامج قد تقصدت أن تطرح عليها ذلك السؤال لتُحرِجها، والذي كان عبارةً عن:

ــ سمعت بأنك قد تزوجتي سيدة يوجيني!.. فساورني الفضول لأعرف لمَ غيرت رأيكِ وقد صرحتِ مُسبقًا بأنكِ لن تتزوجي أبدًا!

رمشت بتفاجئ، وبقيت صامتة لوهلة مُحاولةً بذلك إيجاد ردٍ مناسب، تحدثت بنبرة مُرتبكة لم تستطع أن تُخفيها: صـ..صحيحٌ بأني قد صرحتُ مسبقًا بذلك، إلا أنك لم تفهمِ قصدي... فأنا قلت بأني لن أتزوج أبدًا من ذكر... وأنا لم أُخالف كلامي فمن تزوجته كان رجلًا!

ابتسم ميلڤين، في حين تتحدثت مقدمة البرنامج بانبهار:

ــ آهاا.. ذلك رائع! وأنا التي كنت أظن بأن الرجال قد انقرضوا من هذا العالم!

(يوجيني): أنا أيضًا كنت أظن ذلك، ولكن على ما يبدو بأنه ما يزال هناك القليل!

مقدمة البرنامج: ذلك مطمئن.

أطفأ ميلڤين هاتفه وقرر أن يعود مُبكرًا هذا اليوم، لأجل أن يُعايرها ويسخر منها، فالسخرية بينهما لم تنتهِ بعد.

لبنان ـ ـ العاصمة بيروت.

امرأة تصرخ متألمة في حين تأخذُها الممرضات إلى غرفة العمليات... استلقت على السرير وشدّت على يد إحدى الممرضات، فنظرت إليها الممرضة وقالت:

ــ لا تقلقي، ستكونين بخير.

(المرأة): أرجوكِ نادي لي على جيهان!

(الممرضة): حسنًا.

همّت الممرضة بالخروج لتنادي على زوج السيدة، إلا أن زوجها قد جاء راكضًا قبل أن تخبره... سارع نحو زوجته وأمسك بكلتا يديها، فابتسمت له الأخرى بوهن وقالت:

ــ جيهان، جيدٌ أنكَ جئت قبل أن أُجري العملية.

ــ لا تقلقي يا عزيزتي، ستكون الأمور على ما يرام.

ــ أنا أشعر بأني سأموت!

ــ لا تتفوهي بمثل هذا الكلام!

ــ أنا ميتة بالفعل.

صرخت متألمة بعد قولها لذلك ثم أردفت كلامها بنبرة متحسرة:

ــ ليتني لم أقبل الزواج بك!.. يا لي من حمقاء، كيف أتزوج شخصًا ماتت زوجته؟!.. الآن، بالتأكيد ستتزوج بأخرى غيري بعد أن أموت!!

(جيهان): كلا!.. أنتِ تفكرين بهذه الطريقة السلبية لأن معدتكِ تؤلمُك، وكل ما يخطر على بالك مجرد هُراء!

(ميراي) بنبرة باكية: بل هذه هي الحقيقة!!

دخلت الدكتورة عليهما وقالت بهدوء: من فضلكَ سيد جيهان، عليك الخروج.

أومأ لها، ثم نظر إلى عيني زوجته الباكية، دنا منها فهمس في أُذنها: زوجتي لم تمت، أنا من قتلتُها.

افترقت شفتا ميراي بصدمة بينما يسحب الآخر يده من بين أناملها ببطء. حدقت به وقد همَّ بالمغادرة.

صرخت الأسئلة في عقلها، لمَ أخبرَها سابقًا أن زوجتَه قد ماتت؟.. ولمَ يخبرها الآن أنه هو من قتلها؟

في ولاية كالفورنيا ـ ـ بمقاطعة لوس أنجلوس ـ ـ تحديدًا في منطقة ألتادينا / باسادينا.

بعد مرور سنوات ... ذلك ما حدث في أحد ملاجئ كالفورنيـا.

فتحت المربية باب القبو، فخرج المُتمرد الصغير.

رمقها بنظرةٍ حادة، بينما سألته بسخرية: هل تعلمت الدرس؟

رد عليها بسخرية أكبر: نعم، لقد تعلمته جيدًا أرجوكِ سامحيني واصفحي عني يا جلالة الملكة!

صرّت على أسنانها، وحدجته أثناء توجهه إلى المهجع. مشطت عيناه المكان، ثم خطت قدماه نحو فتىً يُشابههُ في شقار شعره المائل إلى البُني. وضع راحة يده على رأسه ثم سأله على الرغم من علمه بأن الآخر لن يرد:

ــ كيف حالك ليون؟ هل أنت بخير؟

ظل ليون يُحدق به دون أن يتكلم، فرد عليه فتىً آخر يُدعى لوثر: نعم، إنهُ بخير ولقد اعتنيت به طوال البارحة.

ابتسم آرثر وقال له: شكرًا لك.

صفع الآخر كتفه وقال: الأصدقاء لا يشكرون بعضهم.

نظر الأطفال نحو الباب، عندما شدهم تصفيق المديرة هيليناث ... قالت لهم: هيا!.. حان وقت الدرس!

انتفضوا جميعًا منفذين أمرها، بينما قام آرثر بتقبيل رأس ليون، وقبل أن يلحق بالبقية تمتم في أُذنه:

ــ لن أتأخر يا أخي، وأرجو أن تبقى في مكانك حتى أعود.

وكعادة ليون، حدق إليه بصمت، بينما فاهه مفتوح قليلًا. عقدت المديرة ذراعيها وقالت له: آرثر!.. هل سمعت ما قُلته سابقًا؟!

(آرثر): سمعتُك.

قال كلمته هذه من دون أن ينظر إليها، وعندما مر من جانبها أوقفته حين قالت:

ــ كم مرةً قُلت لك بأن ليون ليس أخوك؟!

(آرثر): بصراحة... أنا لم أعدُّها!

انكمشت ملامح وجهها، وسحبته من ياقة قميصة، وصرخت في وجهه:

ــ لن ألوم المُربية إن قامت بحبسك مُجددًا قبل أن تطلب الإذن مني!

بقي صامتًا حتى أفلتته هيليناث وسمحت لهُ بالذهاب ... هكذا هو آرثر، متمرد، وغد، وسليط اللسان، كما ترى المديرة والمربيات، ولكن إن سألت صديقه لوثر عنه، فسيقول إنهُ بالفعل وغدٌ ، مُتمرد وسليط اللسان ولكنه طيبٌ للغاية، فهو يعتني بالولد ليون ويجزم بأنه أخوه على الرغم من أن المديرة قالت له أن ليون يتيم كبقية الأيتام وكلٌ واحدٍ منهم لا يمت للآخر بصلة، ولكن آرثر لم يقتنع، فبقي ملاصقًا للآخر، يسهر على راحته، يطعمه بيده، يدافع عنه، وحتى الخلاء هو من يساعده على دخوله.

ليون ليس كبقية الأطفال، فهو يعاني من إعاقةٍ عقلية، فلا يفقه أي شيءٍ من حوله، لذلك آرثر يساعده على كل شيء ولوثر صديقه يعينه عليه في بعض الأحيان، حين يُعاقب آرثر بالحبس في القبو ... فآرثر أكثر من يُعاقب من بين الأطفال.

وفي أحد الأيام، وبينما آرثر يقوم بعمله المعتاد من كنس وترتيب، سمع صراخ إحدى المربيات، هرع إلى المطبخ، فرأى ليون يتوسطه وقد بلل نفسه.

(المربية): ما الذي فعلته أيها الأحمق؟!.. يالك من مقرف، ألم تجد مكانًا آخر غير المطبخ؟!.. إلى متى ستظل تُقرفنا؟!!

تحدث آرثر بينما يقف عند باب المطبخ: هذه غلطتي لأني تأخرت عليه.

لم تكترث لكلامه، وقامت بصفع ليون صفعةً أسقطته أرضًا. غضب آرثر غضبًا شديدًا فصرخ عليها:

ــ ما الذي فعلته؟!.. أنتِ تعلمين بأنه مريض!

أردف أثناء تقدمه: ثم إني حذرتك من أن تمدي يدك على أخي!

المربية كانت حادة الطباع، ولأنها شعرت بأن آرثر يُهدِدُها، قامت بركل ليون في معدته للدرجة التي جعلت الطفل المسكين يتلوى على الأرض من شدة الألم، أشتعل صدر الآخر حُرقةً على أخيه، وبمجرد أن وقعت عيناه على السكين بجانب القدر حتى سحبه بخفة، وسارع في طعن المربية التي لم تستطع أن تفعل شيئًا، فبمجرد أن رأت سكينًا على يده تجمد بدنُها.

اخترق السكين باطن يدها ليخرج من الجهةِ الأخرى، وعندها صرخت صرخةً هزت جدران الملجئ بأسره. فُزع آرثر حين استوعب فعلته ورأى الدم يسيل من يدها، ابتعد عنها وتوجه نحو ليون، في حين تجمعت المربيات وحضرت المُديرة.

سارعن في إسعاف المربية بينما المديرة تحدق بآرثر ويسايرها شعور الرهبة وعدم التصديق، تقدمت نحوه في حين ارتعدت أوصال الآخر وقال:

ــ لم أكن أقصد ... هـ...هي من ضربت ليون، وأنا...لم أفعـل شيئًا!

زمت المديرة شفتيها ثم قالت بنبرة ميتة: تعال إلى مكتبي.

لم يكن آرثر من النوع الذي يخاف أو يبكي، أو حتى يبرر ، ولكن هذه المرة الأمر مُختلفٌ تمامًا فقد فعل ما لم يستطع تصديقه بعد. سبقته المديرة، وآرث يحاول أن ينظم شتات فكره. أسند ليون على كتفه ثم أخذه إلى المهجع حيث سيبدل له ثيابه، وبعد أن انتهى باشر توجهُه نحو المكتب، استوقفه لوثر حين قال له من خلفه:

ــ سوف آتي معك.

لوثر صديق آرثر المقرب، لم يشأ أن يذهب إلى المديرة وحده، فهو الآخر يمتلك بعض خصال آرثر من ناحية الدهاء والصلابة وأراد أن يأتي معه لأجل أن يسانده على مواجهتها، ولكن آرثر رفض ذلك حين قال:

ــ كلا، سأذهب لوحدي، وأنت ابقى هنا لتعتني بليون.

امتعض لوثر لسماع ذلك، ولكن ما باليد حيلة، فعاد إلى المهجع بينما الآخر توجه إلى المكتب.

بات أمام الباب، أخذ نفسًا عميقًا ليخبئ بهِ خوفه، فهو يرى في الخوف تعريًا لذلك يخفي خوفه عن الآخرين لأجل أن يبقى مستورًا.

وعلى الرغم من أن المعلم لم يُقصر معهم في شرح الدروس، ولاسيما دروس الأخلاق والآداب، إلا أن آرثر دخل إلى المكتب من دون أن يطرق بابه.

أرشقته (هيليناث) وقالت: أغلق الباب.

قلّب عينيه، وهمّ بإغلاقه، ففتحت الأخرى درج مكتبها وأخرجت سوطًا.

رفع حاجبيه قليلًا لرؤية ذلك، لإدراكه بأن المديرة تنوي معاقبته بطريقةٍ مُختلفه هذه المرة.

تقدمت نحوه ببُطء، بينما الآخر بقي ثابتًا في مكانه، رفعت المديرة ذراعها، فأغمض آرثر عينيه، حين رأى السوط يهوي عليه، شعر بألمٍ لاسع، ومع ذلك كابر حتى لا تتلذذ المديرة في ضربه.

ضربه، فضربتان، فثلاث، حتى انهار بدن الصبي وجثى على رُكبتيه، احتضن نفسه بيديه وكتم أنفاسه حتى اختنقت غُصته.

هو في النهاية طفل، لن يستطيع المكابرةَ طويلًا، وبالفعل خذلته عيناه حين عصت أوامره وسمحت للدمع بالنزول. ارتفعت زاوية شفاه المديرة بابتسامةٍ صفراء، وكأنها قد حققت نصرًا للتو ...

زادت من قوة ضرباتها للدرجة التي جعلت قميص الطفل يتمزق. بقيت تضربه مرارًا وتكرارًا، فلم تسمح لجلده بالإرتياح.

آرثر لم يعد يشعر بشيء، فقد تخدر بدنه من شدة الضرب. وشيئًا فشيئًا حتى تثاقلت أجفانه وأغمي عليه، وعلى الرغم من ذلك، اسمرت المديرة في ضربه بخبث ...

توقفت بعد أن شعرت بألم ينتشر على طول ذراعها، جلست على المقعد بينما صدرها يعوا ويهبط بسرعة. اتسعت عيناها حين سمعت طرقًا على الباب، فسارعت في تغطية آرثر بقطعةِ قماش. أعادت السوط إلى الدرج ومن ثم فتحت الباب ــ سقطت تعابيرها حين رأت لوثر، فقد كاد قلبها أن يسقط حين ظنت بأن الطارق أحد المتبرعين أو شخصٌ ذا مكانه عاليه قد جاء لزيارتها ــ سألته:

ــ ما الذي تُريده؟

(لوثر): ضرب الأيتام محرم!

قبضت على خصلاته الآيجورية ثم هددته من بين أسنانها المصكوكة: إن فتحت فمك بكلمـ...

قاطعها لوثر حين قال: لن أتفوه بأي كلمة، وذلك إن وعدتني بأن لا يُضرب ليون مُجددًا وبأن تُبقيني مع آرثر!

حدقت إليه بتوجس، إلا أنها قد وافقت على كلامه، فإن علم أحدهم بفعلتها فحتمًا ستخسر منصبها .. انتشلت آرثر ورمته في القبو، في المكان الذي بات فيه أكثر مما بات في المهجع. حضر لوثر وقد أحضر معه خرقة ودلو ماء وكسرة خبز خبأها في جيبه بعد أن سرقها من المطبخ. دخل إلى القبو في حين انسدل الظلام عليه بعد أن أقفلت المديرة الباب، ولأن الوقت كان في آخر النهار، استطاع رؤية بدن آرثر المحمر بمساعدة الضوء الخافت الذي تسلل من بين شقوق الجدران ...

احتشدت دموعه وقال بصوتٍ هامس: كيف استطعت أن تتحمل كل هذا الألم؟!

لقد رأى حالته المزرية، وكيف أن جسده بات مشوهًا بخطوطٍ حمراء. علم الآن لمَ أمرته المديرة بأحضار دلوٍ وخرقة ...

غمس الخرقة في دلو الماء البارد. أخذ بعصرها ومن ثم مسح على بدن صديقه، عقد آرثر حاجبيه مُتألمًا، فتح عينيه بصعوبه فقابله وجه لوثر المُحمر ... سارع صديقه في سؤاله: آرثر! أأنت بخير؟.. هل تتألم بشدة؟!..

انسابت دمعة حارة على خده، لتذكره بأنه قد بكى أمام المديرة، ولأنه كان ضعيفًا ولم يقوى على إخفاء ألمه وخوفه ...

قام لوثر بالمسح على دمعة صديقه وقال: أرجوك لا تبكي فذلك سيزيد من ألمي.

(آرثر): اعذر ضعفي.

(لوثر): لست ضعيفًا!

(آرثر): بلى، أنا كذلك، فقد بكيت أمام الحقيرة!

تنهد لوثر في حين غمس الخرقة في الدلو مجددًا وأخذ بتطبيبه، أمسك آرثر يده بصعوبه ثم قال:

ــ هل ليون بخير؟

(لوثر): نعم، لا تقلق.

أغمض عينيه وتنفس براحة، في حين أخرج لوثر كسرة الخبز ومدها إليه، تناولاها معًا فآرثر رفض أن يأكلها لوحده، وعندما جنَّ عليهما الليل، وأحاط بهما الظلام الدامس، أصابتهما القشعريرة بسبب البرد، فكان لحافهما الوحيد هو أن يتدفئ كل منهما بحضن الآخر ... ويال جمال ذانكَ الطفلين، ويال جمال تلك البراءة التي عنفتها قسوة الكبار ...

عودةً إلى واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.

توجه ميلڤين نحو المنزل، بعد يومٍ طويل من أعماله المرهقة، والشيء الذي عكر مزاجه هي تلك الرسالة، والتي تنص على أن مهرب الأسلحة لن يستطيع أن يأتي إلى سياتل ليسلمه إياها وذلك بسبب ظروفه الصحية التي جعلته يمكث في لوس أنجلوس لمدة، ولأن ميلڤين شديد الحذر لن يكلف أي رجل من رجاله لأحضارها، ولأنه لا يحب التأخير سيضطر لأحضارها بنفسه. كان بإمكانه تكليف باركر غير أنه قد كلفه مُسبقًا بمهمة بيع المخدرات وهو ما يزال على قيد التنفيذ ...

وطدت قدماه على غرفة المعيشة، وبمجرد أن وقعت عيناه على يوجيني عقد حاجبيه لرؤيته لها وهي تبكي، وضع حقيبته جانبًا وسارع في خطاه نحوها ... ركع على إحدى ركبتيه ليصبح بمحاذاتها حيث كانت تجلس على الأريكة، حاول أن يزيح يديها عن وجهها غير أن الأخرى لم تسمح له، وأصرت على تغطية وجهها، فسألها متوجسًا:

ــ يوجيني.. ما بك؟ أحدث لكِ شيءٌ أثناء غيابي؟!

نفت برأسها، فاستفسر: إذن؟!

وضّحت له بينما تستنشق دموعها مع كل كلمة:

ــ اليوم ... التقيت ... ببنات ... خالتي.. الاتي جئنَ من نـ..نيويورك، وحين .. أخذ .. الحديث .. بيننا .. نحو مجرىً آخر .. ضحكن عليَّ .. عندما .. علمن .. بأني .. عـ..عقيمة!

مسح على رأسها وقال: لا بأس .. ليس عليكِ أن تبكي لمجرد ثرثرة نسوة!

(يوجيني): ولكـ... ولكن!...

(ميلڤين): كنت أفكر بأن نتبنى طفلًا، فما رأيك؟

باعدت أناملها عن عينيها وتمتمت: نتبنى!

أومأ ميلڤين، فتلهفت لذلك: نعم، أتمنى .. ذلك!

وضع كفه الخشن على وجنتها، فمسح دموعها. قال عندئذٍ: سأذهب غدًا لجلبه، وسأتأخر قليلًا فلا تقلقي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (81)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة