عاد كايون إلى الصف، فتمتم متعجبًا حين رأى حقيبته على الطاولة:
ــ لا أذكر أني وضعت حقيبتي هكذا.
وجد سحابها مفتوحًا أيضًا فشرع بتفتيشها ليعرف ما سُرِقَ منها..
وجد كتبه وأقلامه ومحفضته بأمان ولكن الحقيبة خلت من دفاتره، فعرف من فتحها.
نظر إلى لوثر وقبل أن ينطق كان لوثر قد سبقه وقال:
ــ أخذت كل دفاترك لأنقل بعض الواجبات الناقصة.
(كايون) بسخرية: أليس من المفترض أنك قد خاصمتني قبل قليل؟!
(لوثر) وهو يوجه بصره إلى الجدار الطباشيري المنتصب أمامه:
ــ بلى، ولكن دفاترك لا دخل لها.
همهم (كايون) بينما يرفع حاجبيه: هممم.
ثم أردف: ولكن الدفاتر دفاتري.
(لوثر): لكنك لم تصنع ورقها.
(كايون): أنا اشتريتها بنقودي!
(لوثر): ومع هذا لست من صنع تلك النقود.
وانقطع حوارهما عند دخول المعلمة...
بعد الدوام، توجّه كايون نحو سيارته ولكن لوثر لم يتبعه.
فزفر بنفاد صبر حين تتبعت زرقاوتيه رأس صديقه المطل من نافذة إحدى الباصات.
فتح باب السيارة ثم أغلق بابها بعنف.
وبعد أخذه لأخته، أمطرته بالأسئلة:
ــ أين لوثر؟.. لمَ لم يأتِ؟!.. هل حدث له شيء؟.. أهو مريض!.... هل تغيب عن المدرسة؟!
(كايون) وهو يربط حزام الآمان حولها:
ــ سأخبرك بكل شيءٍ عندما نصل إلى المنزل.
وعندما بدأ ضوء العصر بالخفوت كان لوثر قد توسط صالة السيد درلام.
رمى (لوثر) دفتر الكيمياء الخاص بكايون على المنضدة الزجاجية وقال:
ــ لم يتبقَ لي سوى حل واجب الكيمياء. هيا، أكتب واجب اليوم بسرعة حتى لا أُطيل المكوث عندك.
(كايون): لن أكتُبه، ولتنقص درجتك.
(لوثر): أنت أيضًا ستنقص.
(كايون): لا مانع عندي.
(لوثر): أقسم أني سأمزق دفترك وتحصل على علامة صفر إن لم تكتب الواجب الآن!!
(كايون) بنبرة باردة: مزقة وسترى ما سأفعلهُ بك.
قلّده (لوثر) ولكن بنبرة مستفزه:
ــ مزقه وسترى ما سأفعلهُ بك.
(كايون): أنت تريد مني أن أضربك، صحيح؟؟
رسم (لوثر) على وجهه تعابير غريبة لا داعي لها وقال:
ــ أنت تريد مني أن أضربك، صحيح؟؟
أغمض كايون عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، وتمنى:
ــ الصبر.. الصبر!
وقبل أن يتنغنج عليه لوثر مجددًا، صرخت لوسي الواقفة على عتبة الباب:
ــ لوثر!
أسندت دبدوبها على الجدرا وهرولت نحوه لِعناقه، فعانقها بساعادةٍ وقال:
ــ أكنتِ نائمة؟
رفعت رأسها وأومأت بنعم، ثم استطردت سائلة:
ــ أتصالحت مع أخي؟؟
نفى برأسه، ورد: ليس بعد.
(لوسيندا): سأغضب منك!
(لوثر): ولكنني لست المُخطئ!.. أخبرته بأني سأُصالحه بمجرد أن يعتذر لأريج ولكنه لم يرضَ!
افترقت شفتاها بصدمة، فحدّجت أخوها والذي سرعان ما صفقَ جبينـهُ بكفـه.
(لوسيندا): إذن!.. أنت المُخطئ!.. وتتهمهما بخِصامك من دون سبب!!
(كايون): الأمر ليس هكذا!
(لوثر): بل إنهُ هكذا!
في منزل جيهـان...
كانت أريج تجلي كؤوس العصير، وعيناها متبلدتان...
جاءت ميراي وأخذت الاسفنجة منها وقالت:
ــ قلتِ بأن غدًا سيكون تصحيح الدفاتر. اذهبي وأكملي واجباتك.
غسلت يديها من بقايا الصابون، ثم استدارت على عقبها.
رمقتها ميراي، وأوقفتها بأن قالت:
ــ ولو بقيتي حزينةً لمُدةِ شهر. لن أسمح لكِ بمسايرة ذلك الوغـد!
تحدّثت(أريج) من دون أن تنظر إليها: لست حزينة.
(ميراي) بانفعال: وما كُلُ هذا البؤس الذي يعتلي وجهكِ إذن؟!
(أريج) وقد سقطت غرتيها مغطيتين عينيها:
ــ أنتِ لا تفهمين.
وأردفت وهي صارةٌ لأسنانها: أنتِ لا تهتمين لما أُريده!.. درجاتي تنخفض في المواد العلمية وهذا سيؤثر على مُعدلي!
(ميراي): فليذهب معدلك إلى الجحيـم!
انفجرت أريج بعد كبتها الطويل لما بداخلها، فصاحت مزمجرة:
ــ سأذهـب معــهُ إذن!!!
سحبت ميراي ابنتها من ياقة ثيابها وشتمتـهـا:
ــ أترفعين صوتكِ عليَّ أيتُها الغبيـة!؟.. كل ما أفعلـه هو من أجلك!... حياتُك أهم من معدلٍ سخيــف!
ذرفت الدموع بينما تتبصر عينا والدتهـا. ابتلعت ريقها بصعوبةٍ وتساءلت بنبرة متعبـة:
ــ عن أي حياةٍ تتحدثين؟!.. أنت لا تسمحين لي بأن أفعل إلا ما تُريدينه أنتِ!
وأردفت: أعلم بأنكِ تراقبينني في كل خطوة، حتى عندما أذهب إلى المكتبة أرى بأن أمينها يُجري اتصالًا كلما دخلت وكلما خرجت، و....
(ميراي): أتسمين حرصي عليكِ مُراقبـة؟!
(أريج): أنتِ تتحكمين بكل شيءٍ يخصني ثم تسمينهُ حِرصًا!
زادت ميراي من اعتصار ملابس ابنتها وصرخت:
ــ بماذا أتحكم؟!!.. أكل هذا لأني لم أسمح للصعاليك بمعاكستك؟!.. تسمين حمايتي لكِ بتحكم!
(أريج) بانفعال: ومنذ متى وهو يُعاكسني!!.. كل ما بيننا كان يخص الدراسة!
(ميراي): هذا ما سيقنعك به قلبكِ الأحمق!.. ثم ستتكفل الأيام بجعله يميل إلى ذلك الحقير حتى لو كانت كل أحاديثكما عن المدرسةِ فقط!
(أريج): غيرُ صحيـح!
(ميراي): لا تُعارضيني، فأنا أعلم منكِ!
رفعت (أريج) أنفها وسألت بنبرة تقطُرُ عِنادًا بينما الاحمرار يُحيط بمقلتيها:
ــ تخافين عليَّ من الحُبِ إذن؟
وأضافت: لنقل بأني أُحِبُه. ما المُشكِلةُ في ذلك؟!
ردت عليها (ميراي) بنبرة هادئة، غير أن عينيها قد ازدادت حِدة:
ــ المشكلة ستكمن في كونه شخصًا لا يستحق حُبكِ. في أن يكون وغدًا يوهِمُكِ بالحب ثم يُدمِرُكِ بـه ويجعله أسوأ شيءٍ في حياتك.
(أريج): ولمَ حكمتِ عليه بالخداع دون معرفةٍ كافيةٍ عنه؟
(ميراي): لأن هذا هو طبع الرجال.
(أريج): ليس كلهـم.
(ميراي): ولكن أغلبهـم.
(أريج): وماذا لو كان كايون نادرًا؟
(ميراي): وماذا لو كان من صنف الأغلبية؟
حُشِرت أريج في الزاوية، فراوغت بقولها:
ــ بعيدًا عن هذا، نحن أصدقاء فقط!
(ميراي): وأنا قُلتُ لكِ سابقًا.. لا صداقة بين الذكر والأنثى.
استدارت ميراي عائدةً نحو المغسلة، فرمت قرارها الأخير على مسمع ابنتها:
ــ ما لا تفهمينه من دروسك ادرسيها من الأنترنت فحسب. وحذارِ أن أعرف بأنكِ قد عُدتِ لمسايرة ذلك الكلـب.
أسقطت أريج بصرها إلى الأرض، ثم خطت على الدرج ببُطء.
أبعدت يدها عن الدرابزين ليتسنى لها مسح دموعها، ثم واصلت الصعود بينما تُغمغم "يبدو بأني لن أحصل على أصدقاء طيلةَ عمري."
عودةً إلى منزل السيد درلام...
ــ حسنًا، حسنًا هات الدفتر والكتاب وأرحني من إزعاجك.
ناوله لوثر ما طلب، فشرع كايون بكتابة الواجب، وخط يده يستحق جائزة تكريمية نظرًا لمثاليته المطلقة ولزوايا حروفه المخطوطة بعناية...
تحدّث لوثر بينما يُراقب رسم كايون للحروف بسرعة:
ــ خطك كدعس الدجاج.
(كايون): ليس أسوأ من خطك.
(لوثر): بل إن خطك أسوأ!
والتفت إلى لوسيندا وقال: أليس كذلك؟!
ابتسمت وهمهمت: هممم؟
(لوثر): قولي الحقيقة!.. لا تدافعي عنه لكونه أخوك!
(لوسي) وهي تفرك أصابعها: سأقول الصدق.
(لوثر): نعم، قولي بصراحة.
توقف كايون عن الكتابة وتبصّر أُخته منتظرًا كلامها مع ابتسامة..
فأفصحت (لوسي): خطي أجمل من خطِكما أنتما الأثنين.
ضحك كايون بخفة، في حين تحجج لوثر:
ــ أعلم!.. خطك جميلٌ جدًا ولا يمكن مقارنته بخطوطنا، ولكن أيهما أفضل خطي أو خط كايون؟؟
(لوسي): لقد طولت غُرتك لمَ لا تقُصها قليلًا؟
ضم لوثر يديه إلى صدره وقال:
ــ حسنًا!.. أنتِ لا تريدين الإعتراف!
غمزت لكايون فبادلها إياها، وقطع تلك الابتسامت رنتين صدرتا عن هاتف كايون.
لمحت لوسي انقباض فك أخيها فاستفسرته:
ــ أهو أبي؟
(كايون) بضيق: بلى.
(لوثر): وهل من مشكلة؟
(كايون) وهو ينهض بكسل: لا.
وأردف: سأذهب، وأنت ابقى معها حتى أعود.
(لوثر): أوليست كرستين هنا؟
(كايون): كرستين متعبة، لا تُثيرا الضجة ودعاها لتنام.
(لوثر) و (لوسي): حسنًا.
وعندما بادر بالمغادرة تعلقت لوسي بقدمة وقالت ببراءة:
ــ أستشتري لي لعبة عند عودتك؟
حاصر خديها بين كفيه وقال:
ــ ولكن المنزل مُلئَ بالألعاب.
قطبت حاجبيها، فانخفض كايون وقبّل ذانك الحاجبين المعقودين ثم قال:
ــ لا أُريد رؤيـة هذه الملامح العابسة.
(لوسي) وقد أفتر وجهها فرحًا:
ــ ستشتري لي؟
أومأ بنعم، ثم وجه بصره إلى صديقه وأوصاه: أعتني بها جيدًا.
(لوثر): لا توصي حريصًا.
وهكذا غادر المنـزل...
أخذ نفسًا مطولًا، ثم فتح الباب، ليرى أبشع كوابيسه... ميلڤين.
تقدّم، وزرقاوتيه ترمي الذي أمامه بسهامٍ تقطُرُ سُمًا.
وضع ميلڤين ملفًا أخضر أمامه، فتناوله الآخر وهمَّ بالمغادرة دون أن تصدر منهما أيةَ كلمـة.
غمغم كايون باللعنات والشتائم في نفسه، ثم كشف عن ملف الضحية...
وكعادته.. تجاهل في البداية الاسم وصورة الضحية، ودقق النظر على موقعـه ما إن كان قريبًا أم بعيدًا.
يعيش بمدينة سياتل/ بضاحية ساوث ليك يونيون/ في حي كاسكيد/ في شارع جون.
أبعد كايون الملف من أمامه قليلًا وهمس: في الشارع الذي تسكن بهِ أريج!
فعاد ينظر إلى الاسم وصورة الضحية المرفقة مع اسمه، ثم إلى المعلومات الخاصة به، كحالته الاجتماعيةـ متزوج ولديه ابنـة.
وكُتِبَ بأسفل الورقة...
يجب أن يموت هذه الليلة.
موعد عودته من العمل هي الثامنة.
وموعد عودة زوجته في الثامنة وثلاثين دقيقة.
Ahed Nasser🍂