امتلأ المكان بصوت الرصاص، والدخان يلفّ الأجواء ... أثناء بحث رينا عن كاميرون، شعرت بحركةٍ خلفها، لم تلتفت، وناورت بسرعة فاحتمت بالجدار، في حين مرت رصاصةُ خاطفة بجانبها.
لقد شعرت بالخطر غريزيًا، فمَن يعتاد على الصيد يعتاد على الخطر. أطلت بعينٍ واحدة، فإذ بها ترى غيلبرت، علمت بأن أعضاء المافيا قد علموا بجريمتها، وأنهم لن يرتاحوا حتى يثأروا منها الآن... تحدث غيلبرت:
ــ اخرجي يامرأة الساطور!.. اخرجي أيتها الخائنة!
(رينا): غيلبرت!.. من الأفضل لك أن تنسحب!
(غيلبرت): في أحلامك، لن أذهب حتى أثأر لزعيمي!
(رينا): غيلبرت!.. لا أُريد أن أقتلك أنت الآخر!
(غيلبرت): أنا من سيقتلك اليوم، وأنا من سيخلص المافيا من لعنتك، وأنا من سيغسل عار الزعيم!
زفرت هواءً حارًا، ومِن ثم تبصرت ما حولها فأخذت حديدةً صدئة، رمتها نحوه، وما كان من غيلبرت إلا أن يُطلق النار على الشيء الذي قُذفَ نحوه كرد فعلٍ تلقائي، غير مدرك بأن هذا ما تريده الأخرى، وفي تلك اللحظة حين وضع جُلَّ تركيزه على الحديدة، خرجت من خلف الجدار وأطلقت النار على يده، فأسقط المسدس وأخذ يضغط على رُسغه.
سارعت في التقاط سلاحه، ثم عادت خطوتين إلى الوراء، ومنحته فرصةً أخيرة:
ــ فلتذهب!
صكَّ على أسنانه ورمقه بحقد، أدرك بأن التي أمامه ستقتله حتمًا، فانصاع لأمرها وغادر متمتمًا بغيظ:
ــ سأقتلك، حتمًا سأقتلك!
وبعد أن اختفى عن ناظريها، نوت أن تُكمل بحثها، إلا أن قدماها قد توقفتا، عندما سمعت صوته من خلفها:
ــ رينا!.. فلتُسلمي نفسك!
اظلم وجهُها، وومضة حادة قطعت قزحيتيها، استدارت وخطت نحوه بهدوء، لم تهتم لأمر المُسدس الذي فوهتُه مصوبةٌ نحو رأسها...
تقدمت وتقدمت، خطوةً فخطوة، حتى أصبح الفاصل بينهما متر. توقفت بعد أن التحم جبينها بمسدسه. كانت رينا تعلم جيدًا بأنه لن يطلق، وبالفعل، هو لم يستطع فعل ذلك واكتفى بأن قال:
ــ صدقيني، سأفعلُها إن تطلّب الأمر ذلك!
ردت عليه: افعلها إذن!
وبعد قولها لذلك، قبضت على يده التي يصوبها نحوها، جذبتهُ إليها واحتصرتها بقوة، انقبض فك الآخر غير أنه لم يُهاجمها لكونها تحمل ولده، ولم يدافع عن نفسه عقابًا لذاته ...
سقط منه المُسدس، بينما رينا تسدد لوجهه وصدره العديد من اللكمات. بصق الدماء وتورم وجهه، دون أن يُحركَ ساكنًا.. ازداد غضب الأُخرى، فوضعت قدمها خلف كاحلة ثم سددت قبضتها نحو وجهه مُسقطةً إياهُ على الرخام البارد.
جثت عليه، وانهالت على وجهه باللكم، تسارع خفقان قلبها، وتضاربت أنفاسها، وحين رأته مُستسلمًا ومُسلمًا نفسه لها، شعرت بلسعة الدموع، وبالحرارة تصعد على أنفها، هي لم تُشفق عليه، ولكنه سبب لها تناقضًا أضعفها، هي لم تعد تحبه، هي تكرهُه، تمقُتُه، تريد قتله، تريد تعذيبه، تريد ذبحه، هذا ما شعرت به، أو الأصح هذا ما أرادته ولم تُرده في الوقت ذاته ... صرخت:
ــ ما بك لا تتحرك؟.. دافع عن نفسك أيها الحقير!
ــ لا يحق لي ذلك.
ــ كـــامــيـرون!...
صرخت، ثم سددت لكمةً إلى وجهه مُجددًا. لحظاتٌ قليلة، حتى ضاق صدرها وكمدَ غضبُها. عجزت عن السيطرة، فانهمرت دموعها رُغمًا عنها. كابرت وجاهدت لمنعها ولكنها فشلت في النهاية ...
شعر كاميرون بدموعها، حين كانت تسقط على وجهه ماسحةً دماءه. رفع يده ببُطء مُحاولًا تجفيف تلك الدموع. صفعت يده وأبعدتها ثم، غرست أناملها ببذلته وشدتها في نية لضربه مُجددًا، بيد أن نشيجها قد ازداد في تلك اللحظة فأحنت رأسها إليه، وسمحت لنفسها بأن تبكي.
خُيِّل لها كما لو أن الزمان قد توقف للحظات، حين قام كاميرون بالمسح على رأسها أثناء تحديقه بالسماء التي اكفهرَّ ضوؤها ...
وبينما رينا تدس بوجهها على بذلته فكرت في نفسها، إلى أين ستذهب؟ لم يعد لها مأوى يأويها، فالشرطة تُطاردها، وكذلك الحال مع رجال والدها. انسابت دموعها ببُطء متذكرةً بأن لها صديقةً مزعجة من أيام الثانوية، ولأول مرة سُعدت لتذكُرها ...
رفعت رأسها، فأزاح الآخر يده وحدق بها طويلًا. استقرت عينا رينا بعسليتيه أيضًا، لترسمها في مُخيلتها للمرة الأخيرة، وعلى الرغم من أن رينا ليست من ذلك النوع الذي قد يسأل أحدًا عن سبب إيذائه لها، إلا أنها قد سألته بعد بُرهة:
ــ لماذا فعلتَ هذا بي؟!
رد عليها: لأجل الوطن.
ــ لأجل الوطن؟!.. لا تمثل دور الصالح!.. أنت كاذب!.. ومنافق!!
ــ لا تنظري إليَّ هكذا، أنتِ تستحقين كل ما حدث لكِ.
صكت على أسنانها، ونبست: وغد!!.. جعلتني أبدو كالحمقاء عندما صدقت حُبك!
ــ أنا بالفعل أحبك، وأكثر من أي شيءٍ آخر.
ــ لو أن هذا حقيقي ما كُنتَ لتفعل ما فعلته!!
ــ بلى، ولأن حُبكِ قد طغى على مبادئي، قدمته قُربانًا للوطن.
برزت عروق جبينها لسماع ذلك، فاستلَّت ساطورها وأخذت تضرب الأرض بجانب رأسه مرارًا وتكرارًا حتى حُفرت آثار الساطور بجانبه. خُدِشت أُذنه، بينما تقطّعت بعض خصلاته النحاسية إثر ذلك ...
صرخت أثناء فعلها لذلك سائلةً:
ــ وماذا لو قدمتُ رأسكَ قُربانًا للوطن؟!!..
رد عليها: لن أُمانع.
توقفت متجاهلةً أنفاسها الهائجة، أخذت نفسًا طويلًا، ثم استقامت متوعدةً إياهُ بصوتٍ مُتحشرج:
ــ إن التقينا مجددًا فاعلم بأني لن أكون بهذا الضعف، وسأقتلك.
رد عليها الآخر: أنا كذلك، إن التقينا مجددًا فلن أكون بهذا الضعف، وسأسجنك.
أدارت ظهرها في نية للمُغادرة، فقالت:
ــ سأضع ابننا في ميتم فايف إكرز، وإن كُنت مهتمًا فستعرف اسمه عندما تذهب لأخذه، وإن علمت بأنك قد ميزت ابنك الآخر عنه أو سمحت لزوجتك بإيذائه، فأقسم أني سأذبحك، وسأقدم لحمك لكلاب الشوارع!
غادرت، واتسعت أعين الآخر بذهول. تمتم مصدومًا:
ــ لقد كانت تعلم!.. كانت تعلم بحقيقة أُسرتي..
أعاد بصره إلى السماء، ومن يرى عيناه في تلك اللحظة، سيظن بأنها تذرف دمًا لشدة احمرارها.
رينا لم تترُكهُ حيًا لأنها عجزت عن قتله، بل لأنها باتت مُطاردةً من جميع الجهات ولن تستطيع حماية طفلها، فهي لا تعلم إن كان أفراد المافيا سيتمكنون من قتلها أولًا أو إذا ما أمسكتها الشرطة قبل ذلك، ولأنها لا تُريد أن يعيش طفلها بقية حياته في الميتم، أبقت على كاميرون حتى يأخُذه فيما بعد، ويعتني به.
استقلَّت سيارةَ ميلڤين، فعند قدومهما إلى هنا أعطاها نسخةً من مفاتيحه تحسبًا لأي طارئ.
انطلقت إلى منطقة ألتاينا، وهذه المنطقة موجودة بمقاطعة لوس أنجلوس، حيث يقع ميتم فايف إكرز والذي تُديرة صديقتها القديمة هيليانث.
كانت تقود بيد واحدة، وتمسك بطنها باليد الأُخرى، شاعرةً باقتراب مخاضها.
ركنت السيارة على الجانب، وتقدمت نحو البوابة بخطواتٍ مترنحة...
لم يسمح لها الحارسان بالدخول فمن غير المنطقي أن يأتي أحدهم في تلك الساعة. كادت رينا أن تقتلهما إلا أنها ليست مجنونة لتفعل ذلك، فقالت بُلطفٍ مصطنع:
ــ لو سمحتما، فليذهب أحدكما إلى هيليانث، وليُخبرها بأن صديقتها رينا تحتاجُها!
هز أحدهما كتفيه وذهب ليخبر هيليناث بذلك، بينما يُخالجه القلق لأنه على وشك أن يوقظ مديرته. طرق باب غُرفتها، فنهضت بتثاقُلٍ قائلةً:
ــ ستندم يا من أيقظتني من نومي!
فتحت الباب، وقبل أن تنطق سبقها الآخر في الكلام:
ــ رينا تحتاجُك.
عقدت حاجبيها وسألته: أتعني رينا مورغان؟
(الحارس): لا أعلم، ربما..فهي قالت بأنها صديقتك.
امسكت ثوبها، ورفعته أثناء توجُهِها نحو الخارج، وعندما وصلت إلى البوابة انخفض حاجبيها قائلة:
ــ آوه عزيزتي، تبدين مرهقة!
ابتسمت رينا بصعوبةٍ، وقالت: نعم، اعذريني لقدومي في هذا الوقت.
(هيليناث): لا بأس، هيا تفضلي!
كانت رينا تمشي بوهن، فأسندتها هيليناث وساعدتها للدخول إلى الميتم. أدخلتها غرفة الضيوف، وحين رأت أن رينا تتألم بشدة، سألتها:
ــ رينا!.. أأنتِ في شهرك الأخير؟.. أستلدين الآن؟!..
(رينا): بلى، أعتقد ذلك...أنتِ تملكين مُمرضة، صحيح؟!
(هيليناث): بلى، ولكن.. من الأفضل أن تذهبي إلى المُستشفى!
(رينا): لا، أرجوكِ، أحضري المُمرضة فحسب!!
لبت طلبها، إلا أنها قد طلبت قابلةً أيضًا، فهي تعلم أن الممرضة لا تمتلك خبرةً كافية. كانت رينا تصك على أسنانها بينما جبينها يتصبب عرقًا، ولشدة ألمها كانت تهذي:
ــ أبي.. أبي..أنا آسفة.. أرجوك أبي..أبي!... أبــي!!.. تعال.. لـ.. لا تتركـني... أُريدك أبي!!!
أمسكت هيليناث بيدها، وترجتها: أعطيني رقمه وسأتصل به!
نفت برأسه بينما ألمها يزداد، كانت تتحمل ولكن كلام هيليناث جعلها تبكي بحسرة.
وبعد مرور ساعة وخمسين دقيقة، باتت رينا وهي تحتضن طفلها.
مسحت دموعها وقامت بتقبيل ولدها الباكي، ثم حدقت بتلك العلامة على جبينه لفترةٍ طويلة.
لاحظت القابلة قلقها، فطمأنتها:
ــ لا تقلقي، هي مُجرد وحمة، ولا تؤثر على المولود.
هزت رأسها بتفهم، ثم همت بإسكات صغيرها.
وبعد مرور عشرة أيام، عزمت رينا على الرحيل.
قبَّلتهُ للمرةِ الأخيرة، ومسحت خدها بوجنته متحسسةً دفئ بشرته القطنية...
همست في أُذنه قبل أن تناوله لهيليناث بصعوبة:
ــ أرجو أن تسامحني يا صغيري، وتذكر دائمًا بأني أُحِبُك.
مسحت دموعها وتوسلت صديقتها: أرجوكِ يا هيليناث، انتبهي عليه.
(هيليناث): لا تقلقي، هو بأيدٍ أمينة.
ثم أردفت سائلة: ألن تُخبريني عن سبب تركِكِ له؟!
(رينا): قُلتُ لكِ بأنهُ قد تم طوريتي وزوجي صدَّق تلك الحُجة.
(هيليناث): ولكن.. لا بدَّ أن هناك دليلًا يُثبِتُ براءتك!
نفت رينا برأسها وقالت: مع الأسف.
وأردفت: سيأتي كاميرون بلاكويل لأخذه، فاعتني به إلى أن يحين ذلك.
أومأت برأسها، فأضافت رينا إلى كلامها، وهي تُطِلُّ على طفلها القابع بين أحضان هيليناث:
ــ أعلم بأن للميتمِ قوانينه، ولكن أرجوكِ.. لا تُغيِّري اسمه.
أطالت النظر بأعين هيليناث، فاستطردت الأُخرى قائلةً:
ــ لكِ ذلكَ يا عزيزتي.
وهكذا... غادرت الميتم.
ركبت على متن إحدى الباخرات، في نيةٍ للسفر إلى بلادٍ هي لا تعرِفُها. تنكرت بزيِّ رجلٍ لتُخبئ هويتها، وفي إحدى الليالي.. وبينما هي لا تزال على الباخرة، اتصلت بكاميرون، وهو لم يتأخر عن الرد.
ــ طفلنا في الميتم، اذهب إليه. أعلم بأنك قلِقٌ من أن تشك زوجتك بك، ولكن لا تقلق تستطيع أن تكذب عليها كما الحال معي.. صدقني هي ستصدقك، ولن تشك بأي شيء ... لقد نجحت في خداعي، ولن يصعب عليك خداعُها، فقط كذبة صغيرة مُقنعة، وكلّ شيء سيكون على خير ما يُرام.
وحدها من كانت تتحدث، وبنبرة تشوبها السُخرية. اكتفى كاميرون بأن سألها سؤالًا واحدًا:
ــ ماذا أسميته؟
(رينا): أخبرتُكَ سابقًا، عندما تذهب إلى الميتم ستعرف ذلك.. أيضًا تستطيع تمييزه من بين جميع الأطفال، فعلى جبينه وحمة قبيحة، وكل ذلك بسببك لأنك لم تشتري لي الدجاج في آخر مرة.
وعلى الرغم من أن رينا قد قالت نكتة سوداوية لا تمت للفكاهة بأي صلة، إلا أنها ابتسمت بحزن، واشتد الضيق على صدرها. قرع كاميرون سنه مستذكرًا الأيام الخوالي، وكيف آل الأمر لأن يفقداها إلى الأبد.
أقفلت رينا الخط ثم رمت هاتفها في البحر. رفعت رأسها نحو السماء، وسالت دموعها بقهر.
تمتمت بشجن: ليتني قتلت نفسي عوضًا عنكَ يا أبي.
ورفعت يدها إلى السماء مغطيةً نور الشمس ومتمتمةً بمرارة:
ــ أيُ قلبٍ امتلكتُه في تلك اللحظة؟.. أرباني طوال تلك السنوات لأقتله..؟
.
.
أبعد الهاتف عن أُذنه، ونظر إلى سكاي من خلف زجاج النافذة، فرآها وهي تسقي الأزهار مع جان... غمغم حينئذٍ" إن أحضرت طفلي إلى هنا وهو ما يزال رضيعًا فإن سكاي سشتك بأمري لا محالة، خاصةً بعد الفترةِ الطويلة التي غبت فيها عنها"
وأردف في نفسه بهم "لا، لن أستطيع أخذه الآن، سأدعه في الميتم حتى يكبر قليلًا ثم آخذه بحجة التبنـي فتظن سكاي بأني أحاول فعلَ عملٍ خيري.."
تنهد، وأتبع صراعه الداخلي "لا أظنني أمتلك خيارًا آخر"
.
.
بمُجرد أن وطأت قدما رينا على الأرضِ التي لم تطأها من قبل، باغتها أفراد المافيا بهجومٍ شرس، فاتضح لها بأنهم كانوا يتتبعونها وينتظرون اللحظةَ المُناسبـة للقضاء عليها.
من لحق بها هم من رفضوا الإنصياع لأوامر ميلڤين، وقد كانوا خمسة، أمّا البقية، فقد أصبحوا أتباعًا تحت إمرته كما أرادت رينا.
لم يعلم أيُ أحدٍ بما حدث معها. هل ماتت؟.. أم أنها ما تزال تتنفس؟!..
Ahed Nasser🍂