مرَّ يوم الأحد بهدوء... حتى جاء يوم الأثنين.
في المدرسة... كانت أريج تختلس بعض النظرات نحو كايون بطرف عينها. بينما لوثر يُنقِّل بصره من كايون وإليها مع ابتسامةٍ جانبية.
أصبح وقت الاستراحة لينفضّ الطلاب من مقاعدهم إلى الساحة، وهُناك... ومن مكانٍ بعيد بقيت أريج تُحدق نحو ذانك الصديقان. تخطو نحوهما خطوة ثم تتراجع إلى مكانها بتردد.
وظلّت هكذا، حتى عادوا إلى الصف.
رن الجرس، لينتهي هذا اليوم المدرسي، وحينئذٍ أجبرت أريج أقدامها على التقدُّم، ولم تسمح لنفسها بالتفكير أكثر حتى لا تتردد.
وجدت نفسها تقف أمام كايون، والذي وجّه بصره نحوها. رطبت شفتيها واستطردت قائلة:
ــ أنا.. بخصوص الأمس ...
عضّت على شفتها لتقطُّع صوتها أثناء الحديث، شتمت نفسها على ذلك في عقلها، وأردفت بسرعة:
ــ شُكرًا!
ثم غادرت من فورها...
صفّر لوثر من بعيد وتقدم نحو صديقه بينما يرمقه بنظرةٍ مراوغة. سأله حينئذٍ بنبرة لعوبة:
ــ ماذا قالت لك؟!
(كايون) بلا مبالاة: شكرتني على حادث ما قبل الأمس.
(لوثر) وهو يُضيّق عينيه: شكرتك فقط؟! ألم تقُل لكَ شيئًا آخر؟؟
تأفف كايون ونهره: أصمت!
(لوثر): ولكن ما بك!؟
(كايون): لستُ في مزاجٍ يسمح لي بسماع هرطقتك!
(لوثر): كُنتُ أمزح فقط!
(كايون): لا تمزح!
عاد كايون إلى منزله وهو يشعر بالضيق لمرافقة لوثر له، فمؤخرًا بات كالشريط اللاصق الذي لا يُفارقه.
استقبلتهما فروني وكرستين، بينما لوسيندا باغتت أخوها بأن قفزت فوقه باندفاعٍ غير مدروس. أمسكها كايون بجزع ثم صرخ:
ــ غبية!.. كدتي أن تسقطي!
زمّت لوسي شفتيه، وأخفضت حاجبيها، وتتمتم بندم: أنا.. آسفة.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره، ربت على ظهرها وقال: سأذهب لأنام، أتشعُرينَ بالنعُاس؟
(لوسيندا) وقد عادت إليها ضحكتها: نعم!
صعد على الدرج بينما يحملها بيُسراه، ثم رمق صديقه وخالته من الأعلى وقال:
ــ لو سمحتما، لا أُريد أن يوقظني أيُ أحد!
أومأا بنفس الوقت، ليكمل صعوده نحو غرفته. عندها بادرت فروني بسؤال لوثر:
ــ هاه؟.. أخبرني، كيف باتت حالته النفسية؟!.. هل هناك أي تحسُن؟!
ــ ما يزال مكتئبًا، وحتى وقت الدروس لا يُشارك فيها لمجرد أنه لا يُريد رفع يده ولا يُطيق الكلام!
تنهدت فروني واستفسرته: إذن لا جديد؟
(لوثر) وقد عادت إليه الحماسة: بلى!.. بلى!.. هُناك ما هو جديد!
(فرونيكا) وهي مشدوهة: ماذا؟.. تكلّـم!
(لوثر): كان من المفترض أن أُخبرك بالأمس ولكنني بقيت مع أبي لأُساعده، لـ..
(فرونيكا): لوثر!.. لا تتلاعب بأعصابي، هيا قُل ما عندك دون لفٍ ودوران!
(لوثر): حسنًا، حسنًا.. لقد حدث ذلك عندما ذهبنا إلى التسوق....
شرح لها القصة، وزاد بعض البهارات كقوله بأن كايون قد كان مُعجبًا بأريج ولا يُريد الإعتراف بذلك، وأنه أنقذها بذلك اليوم بكل بسالة وكيف أنه كان قلقًا عليها وأخذها إلى المستشفى ولم يعد إلى المنزل حتى تأكد بأنها بخير وليس بها أي خدش.
(فرونيكا) وهي تُضيق عينيها: أأنت متأكد بأنه قد أخذها إلى المستشفى لشدة قلقه عليها؟؟
(لوثر) وقد رفع عينيه إلى السقف متفكرًا: أمممم، هو لم يقُل لي ذلك ولكنني أظن بأن هذا ما حدث!
أردف ليشتت انتباهها عن كلامه السابق:
ــ لو رأيتي اليوم كيف كانا يتبادلان النظرات!.. وكيف أن أريج قدّمت لهُ شُكرها بسعادة وأظن بأنها قد قالت لهُ شيئًا آخر أيضًا!
(فرونيكا): وماذا قالت له؟!
(لوثر): لا أعرف.
ثم أردف قائلًا: تخيلي، أول يومٍ تشاجرا وثاني يومٍ يُنقِذُها!
ابتسمت فروني وقالت: أرجو أن تستطيع هذه الفتاة إخراج كايون من الاكتئاب.. أخشى إن طال الأمر أن يُقدم على الانتحار من جــ...
صمتت فروني، ليصرخ (لوثر) بصدمة: ماذا؟!
عضّت فروني على شفتها جراء زلة اللسان هذه، وعند رؤيتها لأعيُن لوثر الخائفة قررت أن تُخبره بما حدث ذلك اليوم.
انهت فروني من سرد ما حدث، فصدر عن أضراس لوثر صوت اصطكاك، وشد على قبضتيه حتى ابيضت مفاصله. استقام عندئذٍ واندفع نحو الدرج.
أمسكته فروني من ذراعه وقالت: لا يا لوثر!.. لا تفتح هذا الموضوع معه!
(لوثر) وقد احمرّت عيناه: بل عليّ أن اذهب لأُكسر لهُ عظامه!
(فروني): توقف أرجوك!
(لوثر): لا!.. وأيضًا كان يتصرف معي باعتيادية!.. وكأنه لم يفعل شيئًا!!
(فروني): لقد تجاوز الأمر!.. ووعدني بأنه لن يُعيدها!
تناثرت دموع (لوثر) ونبس: كاذب!.. ومنذ متى وهو يفي بوعوده!!؟
(فروني): ما مضى قد مضى!.. علينا أن نُفكر بحاضرنا الآن.
وأردفت: أنا سأنتبه عليه في المنزل، وأنت ستحرص عليه في الخارج!
(لوثر): ولكن عليّ أ...
(فروني): سيكون بخير!.. فقط إن اجتاز مرحلة اكتئابه!
(لوثر): ولكن كيف؟!
(فرونيكا): تلك الفتاة قد تكون الحل، فإذا كان قد أحبها حقًا فقد يجد سببًا يجعله يتمسّك بالحياة.
في اليوم التالي...
تظاهر لوثر بأنه قد نسي أخذ شوكته، فعاد نحو الرجل الذي يُقسِّم الطعام في الوقت الذي ذهبت إليه أريج لتأخذ حصتها. كلّمها حين استدارت:
ــ المعذرة آنسة أريج!
التفت إليه أريج واستفسرته: ماذا؟!
(لوثر): هل لكِ أن ترافقينا على الطاولة؟
(أريج) وقد عقدت حاجبيها: ولمَ أفعل ذلك؟!
(لوثر): أممم، حتى لا تبقي بمفردك!
في هذه اللحظة تذكّرت أريج كلام والدتها ميراي" حذارِ من الاختلاط مع الذكور! "
فنفت أريج برأسها وقالت: شكرًا، ولكنني.. لا أُريد.
فرهت شفتا لوثر، وحين رأها تغادر أمامه، ركض ليواكب سيرها وقال: من فضلك!.. لو سمحتي يا آنسة!
توقفت أريج، وسألته بشك: لمَ أشعر بأنك مُصر؟
تنهد لوثر، فقرر أن يُخبرها حتى لا تظن فيه ظن السوء، استطرد قائلًا:
ــ أترين ذلك المسكين؟
وأشار بإصبعه ناحية كايون. نظرت أريج إلى كايون حيث كان يتوسد معصميه على الطاولة، فأعادت بصرها إلى لوثر ليكمل كلامه:
ــ لقد فقد أُمه قبل مُدة، وهو الآن في حالة من الاكتئاب، لا يتحدث مع أحد، ولا يرغب بمرافقة أي أحد، وأنا أُحاول أن أجعله يختلط مع الناس حتى لا يتضاعف اكتئابه.
تحدثت أريج في نفسها" وأنا ما شأني بكل هذا؟"
أردفت بصوتٍ مسموع: ولكن لمَ أنا؟.. لمَ لا تحاول جعله يختلط بأي شخصٍ آخر؟؟
ارتبك لوثر، وأردف بكلامٍ لم يُخطط لهُ مسبقًا: لأن الانطوائي يفهم الانطوائي!
(أريج): ماذا؟!
وأردفت: ومن قال لكَ بأني انطوائية؟!
(لوثر): أأ.. دائمًا ما تجلسين بمفردك وهكذا كايون أيضًا!
بقيت تنظر إلى اليمين ثم إلى اليسار تُقلّب الفكرة في عقلها وعندما شعر لوثر من خلال تعابيرها بأنها سترفض، استخدم بطاقته الأخيرة:
ــ لقد أنقذكِ في ذلك اليوم، ألا يمكنكِ أن تردّي لهُ المعروف بهذه الطريقة؟!
احتدت تعابير أريج واستفسرته: هل تمُنُّ عليّ الآن؟؟
(لوثر) وهو يلوح بكفيه: لا أبدًا!.. أنا فقط يائس من اكتئاب صديقي، والقرار يبقى قرارك!
تنهدت أريج وانخفض كتفاها مع هذه التنهيدة، نظرت إلى عيني لوثر مباشرةً لتتفحص صدقه من كذبه، فوجدت أعينًا راجية وخالية من أي خبايا خبيثة، ولذلك.. أعلمته بردها:
ــ فقط.. ليومٍ واحد.
شهق لوثر وقال: أرجوكِ اجعليه شهرًا على الأقل!
(أريج) بشهقة مشابهة لشهقته: مستحيل!
(لوثر) وقد تحولت عيناه إلى ما يشابه عيني جرو: أنا لا أطلب منكِ مرافقته طوال اليوم، فقط على طاولة الطعام فقد يتلاشى اكتئابه عند وجود انطوائي سالب مع انطوائي موجب!
(أريج): ومن أين اخترعت انطوائي سالب وانطوائي موجب؟!
(لوثر): أأ.. هذا ما أظن!.. غير مهم!.. المهم الآن هل أنتِ موافقة؟!
وقبل أن تنطق أردف الآخر: أرجوكِ!.. أرجوكِ!
قلبّت أريج عيناها وقالت: سأرى.. ولكن الأمر لن يستمر لشهر.
أعتبر لوثر أنها موافقة فقال لها: حسنًا هيا بنا!.. ولكن أرجو منكِ أن لا تغادري مهما صدر عن كايون أي اعتراض أو كلام سيء!.. ولا تستمعي لما يقوله فهو حاليًا مريض وسيصدر عنه كلام بشع فلا تتأثري وتجاهليه وكأنه طفل.
ابتسمت أريج ابتسامة صغيرة، وأومأت بحسنًا وتقدما نحو الطاولة معًا.
رفع كايون رأسه لشعوره بقدوم صديقه، وما لبث أن رأى أريج تجلس معهما حتى حدج لوثر بنظرة تقول" هل تحاول استفزازي؟؟"
شرع لوثر يتناول طعامه وكأنه لم يفعل شيئًا وكذلك أريج، فتكلّم كايون بغيظ:
ــ كما أحضرتها يا لوثر فلتصرفها!
(لوثر) وهو يمضغ الطعام: ولكنها لم تجد مكانًا فارغًا فدعوتها إلى طاولتـ...
قاطع كايون بأن قال: لا تتحدث وأنت تمضغ الطعام!
شعر لوثر بالحرج حين سمع أريج تتجشأ بسبب الضحكة التي أصابتها وهي تشرب العصير، فأعد بصره إلى كايون وأرسل إليه نظرة عتاب...
رد كايون على تانك العينين بأن قال: ما كُنت لتشعر بالخجل لو كان الأمر بيني وبينك، ولكنك أنت من أحضرها!
تحدّث لوثر بعد أن ابتلع لقمته: حسنًا، اسمح لها اليوم من دون مشاكل!
(كايون): ولكن أنت وهي من يبحثان عن المشاكل!
تجاهلاه وعاودا لتناول الطعام، في حين يقذفهما كايون بنظرات حارقة، رفعت أريج بصرها إليه بالصدفة، فوجدته ينظر إليها مُسبقًا ويشير إليها بزرقاوتيه أن تُغادر.
رمشت وعادت تتناول الطعام، وبعد مدة قصيرة رفعت عينيها إليه مجددًا لتجده يشير إليها بزرقاوتيه من جديد.
أعادت بصرها إلى الصحن، فأسند كايون معصميه على الطاولة ودنى أمامها سائلًا:
ــ ألا تفهمين من الإشارة؟
(أريج) دون أن تنظر إليه: أنا لا أجيد لغة الإشارة.
لم يستطع كايون أن يمنع ابتسامته الساخرة من الظهور، فنظر إلى لوثر واستفسره:
ــ غريب.. نكاتها سمجة كنكاتك!.. هل لقنّتها هذه النكتة السخيفة قبل قدومكما؟!
ابتسم لوثر ونفى برأسه، ليوجّه كايون سؤاله لأريج: ألا تخجلين من نفسك؟!
(أريج): .....
(كايون): لا تجعليني أندم على إنقاذي لكِ!
(أريج): أتمُنُّ عليّ؟
(كايون): نعم!.. سأمُنُّ عليكِ حتى تذهبي!
(أريج): إذن.. أظن بأنك ستندم، ولن تعود بالزمن إلى ذلك اليوم حتى تغير قرارك.
ضرب كايون الطاولة بقبضته فجفل الآخران من ذلك. نهض بعد هذه الضربة وقال: سأترك الطاولة لكما!!.. ولتحظى بيومٍ جيد يا لوثر!
غادر فالتفتت أريج ناحية لوثر وقالت: يبدو أن الخطة لم تجرِ كما خططنا.
(لوثر) مع ابتسامة: بل إن الأمر كذلك، فاليوم تحدّث أكثر من أي يومٍ سابق!
(أريج): ولكن.. يبدو لي بأنه قد خاصمك!
(لوثر): لا عليك، هو طيب، فبمجرد أن أذهب إليه وأعتذر له، سيسامحني.
نهضت أريج وقالت: أظن بأن مهمتي قد انتهت.
(لوثر): أيامًا أخرى من فضلك!
هزت أريج كتفيها وأفصحت: بصراحة.. استفزازه كان رائعًا بالنسبة لي!..
وأردفت: لا أعرف لماذا أحب استفزاز الناس!
حاول لوثر أن يكتم ضحكته، ثم قال: لا أُصدق.. من يراك لن يتوقع أنكِ هكذا!
زالت ابتسامة أريج تدريجيًا، وكأنها قد لاحظت للتو بأنها قد أرخت دفاعاتها قليلًا مع هذا الشاب، فغادرت متجهمة ...
عقد لوثر حاجبيه لذلك وتساءل في نفسه" أقُلت شيئًا مزعجًا؟!"
ثم أردف: يبدو بأنها متقلبة المزاج!
Ahed Nasser🍂