في ولاية كالفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس.
كان أعضاء المافيـا مُجتمعين على طاولة طويلة، سوداء مُستطيلة ويتبادلون الأحاديث.
تحدث أحدُهم: كيف حدث ذلك بحق الرب؟ كيف أمسكوه؟
(ألكس): عندما ذهبت إلى نيويورك قيل لي أن الشرطة اقتحمت مكتبه وسحبته رُغمًا عن أنفه من دون سؤال ومن دون أي استجواب.
تحدث أحد الأعضاء: أي أنهم وجدوا دليلًا قويًا على إدانته، ولم يجدوا أي داعٍ لاستجوابه.
تحدث شخص آخر: لا أعتقد أنه قد يترك دلائل تُدينه، رُبما أحد رجاله خانه!
(باركر ): بلو، شخصٌ حذر، حتى أنه لايوكل أتباعه في المهاهم إلا وهو مُمسك عليهم أمورًا تدينهم حتى يُهددهم بِها إذا ما انقلبوا عليه.
قرب كاميرون رأسه من أُذن رينا وسألها بصوتٍ خافت: من بلو هذا؟؟
(رينا): بلو أحد رفاقنا، كلفه الزعيم بمُهمة تبييض الأموال في نيويورك.
سأل: وكيف يُبيضها؟؟
رفعت أحد حاجبيها وقالت: من خلال شركات وهمية.
(كاميرون): أتقصدين أوجهة تبدو نظيفة بينما تستخدمُ في أمور أخرى؟
(رينا): بالضبط.
(كاميرون): وبلو هذا في أي واجهة كان يعمل؟
(رينا): في مكاتب الصرافة وتحويل الأموال.
(كاميرون): لم أفهم ! كيف يستطيع تبييض الأموال من خلال ذلك دون أن يلحظ أحد؟!
عضت على شفتها السُفلى بغيضٍ مكبوت، لأن غباء كاميرون استفزها، أردفت قائلة:
ــ عن طريق ضخ المال نقدًا في النظام المالي من خلال الكازينوهات.
(كاميرون): وكيف يُغطي ذلك؟!
(رينا): بتشتيت الأموال بين حسابات متعددة في دول مُختلفة ثم يقوم بالدمج وتحويل الأموال المغسولة إلى ممُتلكات شرعية.
هز رأسه ومسح ذقنه، أردف: آهـااه ، هكذا إذن.
نهضت إحدى أعضاء المافيا وضربت كفيها على الطاولة ثم قالت:
ــ أنا متأكدة بأن أحدهم قد غدرَ به!
(باركر): احتمالٌ وارد.
(كاميرون): لا تنسوا أن جيسيكا ما تزال في السجن، قد يقومون بتعذيبها لتعترف!
قامت رينا بركل قدمه من أسفل الطاولة ليتأوه ويضع سبابته وأبهامه على شفتيه مشيرًا لها بأنه سيُغلقهما، ولن يتفوه بأيِ شيءٍ آخر.
كاد أحد الأعضاء أن يؤيد كلام كاميرون، ولكنهُ خاف من معزةِ رينا لها ففضل السكوت.
الجميع يتحدث ويُناقش بينما ميلڤين يُراقب الجميع ويتفحصه من رأسه إلى أخمص قدميه، من يراه سيحسبُه جهاز فحص الأشعة السينية ــ أحس كاميرون بنظرات حارقة تجاهه فتحركت عسليتيه بشكل تلقائي إلى المكان الذي يجلس فيه ميلڤين، وفعلًا وجد أعينه مصوبةً نحوه كما لو أنهُ كان يُحدق به منذ وقتٍ طويل ــ بقيت أعيُنهُما في تواصل بصري مشحون، كلُّ مِنهُما يُحاول معرفة مايُخفيه الآخر. قوطِع تواصلهُما البصري عندما دخل الزعيم جيف.
مع دخوله أصبح الهواء ثقيلًا و خيم الصمت على المكان، استقامت الأطراف احترامًا لمن دخل، أعينهم فقط من كانت تتحدث و تتساءل عن هوية الشخص المُبتسم الذي يقف بجانبه، رمى الزعيم بثُقله على كُرسي الزعامة وجلس مرافقه بجانبه، أومأ برأسه فجلسوا جميعًا في الوقت ذاته كما لو أنهم روبوتات مُبرمجة.
تحدث الزعيم جيف ليُجيب تساؤلات الأعيُن:
جمعتُكم في هذا اليوم، ليس لتعلموا من هو الشخص الذي سيتولى مُهمة تبييض الأموال فحسب بل لأعرفكم على عضو جديد وشريك جديد ــ في تلك اللحظة قام صاحب الخُصلات الكستنائية بتعديل بدلته وابتسامته المجهولة ما تزال مرافقةً لوجهه.
أردف (الزعيم جيف): لويجي فيتالي، عميلُنا الجديد من إيطاليا.
(لويجي): يُمكنُكم مناداتي بالدون ليڤينو فهذا اللقب الذي أستخدمه في العمل.
سأله (ألكس): هل كنت تعمل تحت واجهه خاصة للمافيا الإيطالية؟؟
(الدون ليڨينو): نعم ولا أزال كذلك، أنا هنا كواسطة لامتداد الشراكة والتحالف بين الزعيمين، جيفرسون و أمبرا، سيوضح لكم الزعيم ذلك.
همس كاميرون في أُذن رينا بتذمر: هذا غير عادل، لمَ الزعيم هيأ هذا الإستقبال الفخم لأجله وجمع جميع الأعضاء، ولم يفعل هذا بقدومي أنا!.. ألم أملأ عينيه أم ماذا؟؟
وكزته بمعصمها فتأوه، صك على أسنانه وقال بصوتٍ منخفض:
ــ سأشكيكِ إلى الرب!!
(رينا): هشش .. دعني أسمع الحديث.
(الزعيم جيف): الدون ليڤينو سيوقع على أوراق الشراكة بيني وبين الزعيم أمبرا والتي تنص على أننا سنعمل معهم في الصفقات، وفي تجارة المُخدرات، فبذلك سيزداد الربح لكلا الطرفين فنحن كما تعلمون نمتلك أتباعًا في المكسيك وكولمبيا يُصنعون لنا المخدرات، بينما المافيا الإيطالية تمتلك أنابيب سرية للتهريب والعديد من الأساليب الأكثر أمانًا لتجارة الممنوعات، ذلك سيوفر علينا التعامل مع النواقل البشرية ولن نضطر للتعاون معهم أو لرشوهم بعد الآن.
استأذن ميلڤين الزعيم أن يتحدث فأومأ له بأن يُفصح.
تحدث (ميلڤين): لا أقصد التشكيك في قرارك بالتعاون معهم يا زعيم ولكنني أرى أننا في غنى عن هذه الشراكة فنحن نستطيع تهريب الممنوعات في نواقل شحن المواد الغذائية أو الأثاث عوضًا عن النواقل البشرية.
ابتسم الزعيم وقال: ولكن العمل مع من يعمل في العمل ذاته أأمن بكثير، كما أن الأرباح ستزيد بالتعاون معهم في تصدير المخدرات لأكبر عدد مُمكن من الدول، فهم مافيا متشعبه في إيطاليا ولهم أتباعهم المتشعبين أيضًا.
أردف (ألكس): كما أن العمل بيدين سيكون أفضل بكثير من العمل بيدٍ واحدة!
(ميلڤين): ولكن الثقة بيد ليست يدك قد يُكلفكَ الكثير.
عقد الزعيم جيف حاجبيه واستفسر:
ــ ماذا تعني بكلامك هذا؟
(ميلڤين): إن بين حِبر الصفقات نوايا وأفكار خفية لم تكتب على الورق بيدِ أنها ستظهر في المستقبل.
اتسعت الابتسامة على ثغر الدون ليڤينو وقال:
ــ نحن ياعزيزي نوثق عهودنا بالدم لا بالحبر.
عقد ميلڤين أصابعه ونظر إليه ببرود، ثم قال بهدوى:
ــ هذا يدل على تدنيس العهد وليس على توثيقه.
في هذه اللحظة فلتت ضحكة ألكس، فالتهمته جميع الأنظار. تحمحم منظفًا حُنجرته ثم طأطأ رأسه مُتمنيًا لو أن الأرض تنشق وتبتلعه.
(رينا): أوافق ميلڤين، ما الدليل على أنهم لن يأخذوا الفائدة الأكبر ولن يحتالوا علينا.
تحدث (الدون ليڤينو): الأمور لا تسير بهذا العبث، المسؤولون عن التجارة وعن التصنيع سسيسجلون كميات التصنيع والبيع على مدار السنة كما أن التُجار سيكونون من أتباعكم ومن أتباعنا بحيث نضمن التساوي.
مع إنتهائه من قول ذلك بدأت الهمسات تصدع بين الكراسي منهم مُشكك ومنهُم مؤيد.
كُلًّا من رينا وميلڤين تكلما في الوقت ذاته:
ــ بعض الأتباع قد يُشتروا بالمـال.
رفع الزعيم جيفرسون يده منهيًا الجدال، قال بنبرة رتيبة: لقد اتخذت القرار مُسبقًا، هُم وثقوا بنا ونحن سنثق بهم.
عندئٍذ وضع الزعيم جيف الأوراق على الطاولة وشهد الجميع على هذه الشراكة الشبوهة، فرأس التجارة سيكون في إيطاليا وحتى ولو وجِدوا أتباع أمريكيين، من يضمن أنهم لن يخونوا زعيمهم لأجل المـال؟ بالمُختصر الزعيم جيف لا يحب تعقيد الأمور والتدقيق في كل آنش ويمنح كل شخص فرصة واحدة لنيل ثقته على عكس ابنته وميلڤين من الصعب التعامل معهما أو نيل ثقتهُما، فهما لا يسمحان للخطأ أن يحدث من الأساس!
نقش كلُّ منهُما توقيعه وأضاف الدون ليڤينو لمسته الخاصة عندما قام بعض إبهامه والتبصيم بدمه، أردف قائلًا والابتسامة لا تزال مُلازمة لشفتيه:
ــ بالدم يبدأ عهدُنا وبسفك الدم ينتهي عقدُنا.
أي أن المافيا التي تقتل عضو من المافيا الأخرى تعلن عن إنتهاء عقد الشراكة و بداية لعهد العداوة.
مع انتهائه من قول ذلك ازداد ثقل الجو وازدادت ثُقل الأنفاس وسكتت الهمسات.
انكسر الصمـتُ المُفاجئ عندما سأل (باركر): ماذا عن الشخص الذي سيتولى مُهمة تبييض الأموال ؟؟
(الزعيم جيف): الدون ليڤينو سيتولى الأمر ولكن هذه المرة في سياتل وليس في نيويورك.
(الدون ليڤينو): ولمَ ليس في نيويورك ؟
(الزعيم جيف): أُلقي القبض عل أحد أتباعنا هناك وازدادت الرِقابة ولأنك ستقوم بالعمل ذاته يُفضّل اختيار منطقة أخرى.
ابتسم و أومأ برأسه.
همس (كاميرون) في أُذن رينـا مُجددًا: لماذا المدعو بلويجي يوزع الابتسامات منذ أن دخل؟؟
(رينا): ما شأنُك؟ وتزامن مع ذلك أن وضعت يدها على فمها للحظة إدراك.. فأردفت بدهشة:
ــ أيُعقل بأنك تغار من وسامته؟!
رمش كاميرون وعقد حاجبيه، أنكر: وسامته؟! أتقولين هذا الكلام أمامي؟؟
رفعت رينا أحد حاجبيها وسألت:
ــ ولمَ قد أقول ذلك من خلف ظهرك؟!
لم يُنبس ببنت شفة، بينما رينا ترمقه بطرف عينها مستمتعةً بالتلاعب بأعصابه.
واشنطن ـ ـ مدينة سياتل.
امرأة ترتدي مِعطف بقلنسوة كبيرة تُخفي ملامح وجهِها، تمشي بخُطىً بطيئة و تنظر إلى الناس بنظرات مُترصدة وبينما هي تُحرك مُقلتيها كالصقر رصدت مِحفظة على الأرض، سارعت بأخذها ثم قالت: الآن أستطيع شراء الغداء.
فتحت المحفظة ووجدت فيها بضعة دولارات ستكفي لشراء الطعام مدة ثلاثةِ أيامٍ فقط.
قالت في نفسها " سأشتري قطعة خُبز لإسُد بها رمقي والباقي سأدخره حتى أشتري المزيد من الحبال"
تنهدت، ثم رفعت رأسه إلى السمـاء و قالت:
ــ أردت الحرية وليس التشرد.
شد ناظريها التلفاز المُثبت على أحد المباني حيث كانت تتحدث مُذيعة الأخبار:
ــ قبل يومين من الآن، قبضت الشرطة الدولية على ثلاثة عشر مُجرمًا في ولاية كاليفورنيا تحديدًا مدينة لوس أنجلوس ....
قلبت المرأة عينيها وأكملت طريقها مُتجاهلةً نشرة الأخبار .
عودةً إلى واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي فيرمونت.
هبت نفحة هواء بعثت قشعريرة في البدن، قطرةً فقطرة حتى نزل هتان المطر.
كان واقفًا على سياج الجسر ، ينظر إلى الأسفل بأعين زائغة، غمغم "ما الـذي أفعله؟ "
لفته صُراخ فرونيكا فنظر إليها من أعلى كتفه، رآها وهي تركُض نحوه وأعيُنها تفيض بالدمع.
باتت خصلاته ملتصقةً بجبينة، ابتسم ابتسامة صغيرة أثناء قوله في نفسه:
" هي خائفةٌ عليَّ، هي تهتم لأمري، ولكن الحياة كسرت ظهري وكبريائي، وأخذت مني كُل أحبائي، أنـا لم أعُد أريد البقاء في هذه الحياة .. ولكنني أريد البقاء معها في الوقت ذاته! "
باتت قريبةً منه فسمعها تصرخ وسط دموعِهـا:
ــ أنـا هنا .. أنا ما أزال معك!!
عندمـا سمعـهـا تقـول ذلـك، تغلـفـت عينـاه بطبقـةٍ زُجاجيـة وارتفعت حرارة أنفاسه .. قرر حـقًـا تـرك هـاجـس الانتـحـار والـركـض نحـوهـا إلا أن بقاءهُ الطويل علـى الـسيـاج أغـرى الجاذبيةَ كثيرًا ولاسيما وقع خطوات فروني التي باتـت قريبةً منه، كانت سببًا في إشعـال غيرتها بجنـون ...
انزلقت قدمُه فهوى إلى القـاع كنجمٍ مُحترق، صدعت صرخة فروني وهزت أجواء المدينـة ــ عندما مـدت يدها في الهواء فبدا كما لو أنها لمست أنفاسهُ الأخيـرة، احتضنتهُ الأرض وبسطت تحتهُ بساطًا أحمر، ترحيـبًـا بـمـعشـوق الـجـاذبـيـة.
في كالفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس، شهر ديسمبر.
تنوية: المقـطع هذا يحتوي على دمويـة!
أقبلت رينـا إلى الزعيم وكان قرع كعبها على الأرض بمثابة الاستئذان عوضًا عن قرع الباب .. وقفت أمام عرشه وهو بدورة نهض وجعل الفاصل بينهما مجرد إنشات .. همس في أُذنها:
ــ دايفد ماركوس، كان يتمتع بالأموال من خلف ظهري، اذهبي إليه وعلميه كيف تكون المتعة الحقيقية!
ارتفعت زاوية شفتها بابتسامة، وتوسطت مقلتيها ومضة حادة. قالت حينئذٍ: بأمرك يازعيم.
بادرت بالمغادرة إلا أن الزعيم استوقفها عندما قال :
ــ لا تكوني أنانية وخُذي معك أتباعك ليحتفلوا.
ردت: بأمرك.
خرجت من عقر الزعيم محدثةً نفسها " سأكتفي بأخذ كاميرون، لأُحسِّن من علاقتنا "
قابلها كاميرون، فمررت كفها على كتفه، وقالت:
ــ غدًا سيكون ذكرى ولادتي.
ابتسم بخفة، وهنأها: رائع.. أتمنى لكِ عامًا سعيدًا.
أخبرته عن خُطتها للحفل:
ــ قررت أن أقيم الحفل هذه الليلة، فهناك مكان يجب علينا أن نذهب إليه الآن، لأن متعتـه ستختفي في الغد.
هز كتفيه بعدم فهمٍ، وقال: كما تُحبين.
.
.
كانت تتوسط غُرفتها واقفةً أمام المرآة، مُتأنقةً بـالسواد ــ
دق كاميرون الباب، ففتحت له، وقالت: أدخل.
تبصرها قليلًا، واستفسر: ألم تنتهي بعد؟
عدّلت له ربطةَ عُنقه، وأجابت: بقي القليل.
ثم عادت أمام انعكاسها. ألتقطت قلمَ حُمرةٍ داكنة، ومررته على شفتيها ــ وبينما هي تدمج الذرات الملونة على وجنتيها أخذ كاميرون أقراطها الماسية من على المنضدة، وقال:
ــ أتسمحين؟
ابتسمت، وأمومأت له موافقة، فتقدّم مُحاذيًا لها، وثبّت لها أقراطها.
نظرا إلى المرآة للمرة الأخيرة ليتأكدا من أنهما بكامل إطلالتهما الأنيقـة.
باشر كاميرون بالخروج، ولكنه عاد أدراجه عندما رأى رينا وهي تُقلِّب أدراجها الخشبية. سألهـا:
ــ أنسيتِ شيئًا؟
ردت عليه بأن أرته شريـطًا قرمزي، لفته حول خصرها وربطت معهُ ساطورهـا، ليأخذ مكان الزهرة التي زينت بـهِ فُستانها الطويل.
عبئت المسدسات بالذخيرة، ودست بمسدسين داخل جيوب الآخر .. بقي ينظر إليها بتعجب، فسألها مجددًا:
ــ أولسنا ذاهبين لأجل أن نحتفل؟!
(رينا): بلى، نحن كذلك، ولكن على طريقتي الخاصة.
غمزت له بعد قولها ذلك، فمسح على ذقنه مُدركًا أن احتفال اليوم سيكونُ احتفالًا دمويًا، وليس احتفال لطيف لذكرى ميلادها.
دخلا إلى دار المدعو (دايفد) بسلاسة وبانسياب، أمّا بالنسبة لحراسه فقد باتوا عبارةً عن مزهريات هامدة على الممرات وعلى الدار بأسره. أغلبهم أو ربما كُلهم قُِتلوا بذخيرة رينا أمّا ذخيرة كاميرون فقد انتهت من دون فائدة فطلقاته كانت غير دقيقة، إمّا أن تُصيب قدم أو كتف أو لا تيصب أي أحد .. شتمته رينا:
ــ لماذا تصويبك يبدو وكأنه تصويب طفل في السادسة من عمره؟؟
(كاميرون) بنبرة تذمر:
ــ لأني لم أعتد على التصويب في الظلمة!
قلّبت عينيها ثم قالت: عذر أقبح من ذنب.
رد عليها بنبرة ساخرة:
ــ من الأفضل أن تصمتي قبل أن يسمعنا أحدهم.
ألتصقت ظهورهما بالجدار عند وصولِهما إلى الرواق المؤدي لغرفة دايفد. رأيا حارسين على أهبة الاستعداد، فنظرَ كُلٌّ منهما لما في جعبته فاتضح أن كاميرون لا يزال يمتلك رصاصةً أخيرة بينما رينا لم يتبقَ لها سوى زينة فستانها .. تبادلا النظرات فرسما خطةً على خيط البصر ــ قذفت رينا بساطورها ــ فانفلق رأس الحارس إلى نصفين، وتزامنًا مع ذلك أطلق كاميرون رصاصته، وبسبب العتمة أصاب كتفه عوضًا عن رأسه، إلا أن تصويبه كان كافيا لجعل المسدسد يسقط من على يد الحارس.
حاول الحارس أن يسترجع سلاحهه، فاندفع إليه كاميرون في نية لإنهائه إلا أن المسافة بينهما كانت طويلةً بعض الشيء فكان الحارس هو الأسرع. اِلتقط المسدس، وأطلقَ وابلًا من الرصاصات، بيد أن كاميرون تفاداها برشاقة لاسيما أن سرعته قصرت المسافة بينهما ...
قفز في الهواء ملتفًا خلف الحارس، وبخفة وضع إحدى أذرععه على رأسه ولف ذراعه الأخرى على رقبته ثم اعتصرهما في الوقت ذاته بشكلٍ معاكس فصدعت طقطة العظام في ذلك الرواق المظلم .. داعب هواء ذلك الروق ضحكات رينا، ابتسم كاميرون لسماع صدى ضحكاتها. تقدمت نحوه ودفت كتفه بخفة، ثم قالت:
ــ خفتك هذه مذهلـة وقد عوضت عنك نقص الدقة في التصويب!
قام بإرجاع خصلاتها المتناثرة خلف أُذنها وأثناء تثبيته لغرتها، قال:
ــ هذا بسبب تمريناتك لبؤتي.
وبينما ثغرها مزين بابتسامة قامت بأخذ ساطورها ومررته على بدلة الحارس ماسحةً الدماء المختلطة بلزوجة المخ والمخيخ، كان منظرًا مقرفًا لدرجة أن كاميرون أشاح ببصره، ولثم فمه بكفه شاعرًا بأن حموضـة معدته قد ارتفعت إلى مريـه.
ركلت البـاب بقوة، لينتفض طاعن السن دايفد من الفراش، وضع يده على صدره وباليد الأخرى ارتدى نظارته. تمنى في تلك اللحظة لو أنه لم يفعل ذلك .. لأن رؤيته لرينا جعلته يشهق ويسحب هواء الغرفة كلهـا، زادت رعشة يديه فركع وتوسلها:
ــ أرجوكِ يا امرأة الساطور، لا تقتليني!.. سأعوضكم!.. سأعوضكم ضعف ما أخذت!
هيهات فعندما يتم إصدار قرار التصفية فلا صفقة ولا مال ولا توسلات ستنفعه.
_ وقت العقاب لا يؤجل ولا يُلغى.
قالت له ذلك عندما خلع ساطورها كتفه الأيمن. تناثرت الدماء ودوت الصرخات، من دون أن يرف لها جفن، قطعته قطعةً قطعة، ابتداءً من أطرافه اليمنى وصولًا لليسرى وتركت فتق الجمجمة إلى النهاية، لكون هذا الجزء هو جُزءها المفضل.
لم تكن تقتل بدافع الغضب بل بدافع الفن، كل جثة لها مقام، فقد كانت تختار ضحايا ساطورها بعناية، كما يختار الرسام لوحته، وكما يختار الموسيقـار نغمتـه. أشاح كاميرون بظهره عنها وعن مجزرتها. انقبض فكه واصطكت أسنانه، ليس بيده أن يفعل أي شيء، منذ البداية كان يعلم بأنها ستقتله ولكن لم يتصور أبدًا أن رينا بهذه الوحشية، حيث كانت تضحك بعد كل ضربة كما لو أن كلام العظام كان يُضحِكُها، لم تكن المرةُ الأولى التي يرى فيها رينا وهي تقتل ضحيتها بالطريقة التي أنشهرت بها، فقد رأها تفعل ذلك عدة مرات، وفي كل مرة تصبح أشد وحشية وأشد تعطشًا لسفك الدماء.
عندما يراها وهي تستخد الساطور يصبح متضايقًا، حيث أن الكربة تجعل من صدرهِ مربضًا لها، ليس هذا فحسب بل إن عقلهُ يتحول إلى زوبعة من الأفكار التي تمزق ذهنه، أمور كثيرة يتذكرها وأمور كثيرة يحاول إنكارها ولكن الحقيقة قد تجلت أمامـه أكثر من مرة!
بعد أن انتهت من تقطيع دايفد، مرت من جانب كاميرون كظلٍ لوحشٍ مسعور، توجهت إلى الملقيان على الأرض، أحدهما قد فقد روحه مُسبقًا بساطورها والآخر ما يزال فاقدًا لوعية نتيجةً لكسر رقبته ــ رفعت ساطورها في نية لأعادة نفس الشريط السابق، وقبل أن يلامس ساطورها الكتف الأيمن للمغشي عليه سحبها كاميرون من الخلف، وقال:
ــ توقفي رينـا!.. انتهى الأمر ، لاداعي لتلطخي ساطورك بهذين الأثنين، أساسًا أحدهما ميت والآخر لم يعد يشكل خطرًا!
دفعته بعنف، ثم همست بصوتٍ أشبه بحفيف أفعى:
_ لا تتدخل!
أردفت: من يقتل متعتي سأقتلع لهُ حنجرته!
كان هذا تهديدًا واضحًا لكاميرون ــ تركها لتكمـل ما بدأته ــ وأثناء تحديقه بها وبابتسامتها المريضة، وبنظراتها لقطع اللحم، حدّث نفسه قائلًا...
" إنها تستخدم المسدس للقتل، والساطور للمتعـة، عجبًا لها وللصحافة وللشرطة فوصفهم لجرائمها ولطريقتها في القتل أقل من أن يُقال عنه مجرد وصفٍ بسيط، مقارنةً لِما تراه عيناي! "
تهادت خطواته على الأرض وسبقها في الخروج من دار الضحيـة. أخرج القداحة، احتكت إبهامه بها فأصدرت شرارة أشعلت بها سيجارة ...
بعد مدة ليست بالطويلة نبأه قرع كعبها بأنها قادمة، اعتدل في وقفته بعد أن أصبح الفاصل بينهما شبر .. عادت معها أيضاً ملامحها البشوشة، فقد ابتسمت له ووكزته بمرفقها. سألته عندئذٍ:
ــ كيف كان الاحتفـال؟
أخرج نفسًا دُخانيًا ساخرًا وقال:
ــ رائعًا جدًا، بالنسبة لكِ وحدك.
عقدت ذراعيها بذراعة، وتكلّمت بنبرة مترجية:
ــ هيـا ابتهج ما زلنـا في بداية الاحتفال ولم نتناول العشـاء بعد!!
(كاميرون): أنظري لوجهك الدموي، أي مطعم سيستقبلك؟
دفعته بخفة، وقالت: آوه .. مابك؟ أنظر إلى تلك النافورة ستفي بالغرض كما أنني لم أسمح لملابسي بأن تتلوث!
توجهت نحو النافورة وغسلت وجهها، وساعديهـا ومن ثم ساطورها، أخذت تمرر أناملها عليه برقة كما لو أنها تتحسس جودته وصلاحية حديدة. بالطبع ما يزال ذلك الساطور يحتفظ بشبابة، وكيف لا؟ ورينا تحافظ على سطلة بطلاء قرمزي، وبشكلٍ منتظم.
واشنطن ـ ـ مدينـة سياتل ـ ـ حي فريمونت.
كانت فرونيكا مسطحةً على الأريكة في غرفة المعيشـة، بملامح شاحبـة وشعر مُبعثر. كُلُّ فردٍ من عائلتها يُنجز أعماله اليومية. قامت يوجيني بوضع الطعـام على المنضدة أمام فروني، جلست بجانبها وأخذت تُخلل أناملها هلى فروة شعرها الأبيض .. أثناء ذلك تحدثت:
ــ إلى متى ستبقين حزينةً يا أختي؟
(فروني): .......
(يوجيني): ما رأيُك أن نذهب في نُزهـة؟!
(فروني): .......
بقيت فروني صامتة فحتى الكلام بات ثقيلًا عليها مؤخرًا، نزل مارتن من على الدرج بخطىً مهرولة، رمى نفسه على الأريكة المجاورة لفروني، ورمى عليها الوسادة بخفة ثم قال:
ــ هيـا انهضي يا عجوزة، لقد مر أكثر من شهران على موت كيڤن.
أردف قائلًا عند ضغطة على جهاز التحكم:
ــ لا تُكثري من الدرامـا!
بقيت فروني صامتة بينما قامت يوجيني برمي ذات الوسادة عليه صارخةً في وجهه:
ــ ألف مرة قُلت لك بأن لا تقول عجوزة، هذا ليس لطيفًا أبدًا!
ردد آخر كلامهـا بطريقة مستفزة: هذا ليس لطيفًا أبدًا !!
صرخت يوجيني منادية أمها: أمي!! ... كلّمي ابنك قبل أن أضربه!
كانت الأم تنشر الغسيل فلم تُلقِ لهم بالًا، بينما قامَ مارتن بتكرار كلامها مجددًا، فاندفعت نحوه وبدأت العِراك، ولم يتوقفا إلا بعد أن دخل الأب.
عـاد وعقدة تتوسط حاجبيـة، قبضـته مشدودة على حقيبة عمله، وبشكل تلقائي قام كُل من مارتن ويوجيني بتعديل هندام الآخـر والتحدث ببضع جمل تمويهية كقول:
ــ آه أخي العزيز ، لا تنسى أن تُحضر الفواكة من السوق.
ــ بالطبع، سأحضرها بعد أن أذهب إلى النادي.
بعد قوله ذلك غادر المنزل، بينما أثقل الأب على الأريكة، بجلوسه مع غضبه وهمومة التي كانت أثقل منه، قدّمت له يوجيني كأسًا من الماء، فتجرعه كله دفعةً واحده وعندئذٍ اختفت العقدة التي كانت تربط حاجبيه مسبقًا.
ما هي إلا لحظات حتى جاءت الأم، وأثناء مسحها ليديها بالمنشفة استفسرت زوجها:
ــ أراك قد عُدت بسرعةٍ يا عزيزي؟!
أعاد الأب ظهره إلى الخلف ليغرق في قطن الأريكة، سحبت رئتيه الهواء من حولة ثم أخرجته نفسًا ساخنًا ... أجابها بقولـه:
ــ لأني طُردت من العمل.
لثمت الأم فمها بكفها وسألته: لمـاذا؟!
(الأب): لأني تشاجرت مع المدير عندما أتهمني بالتقصير في عملي!
(الأم): لا أحد يعمل مثلك، عن أي تقصيرٍ يتحدث؟!
(الأب): كان يريد فصلي بأي طريقة من دون أن يُظهر أن ذلك من غير سبب، وأنا شتمته وأعطيته سببا حقيقيًا كافٍ لطردي!
مسحت الأم على كتف زوجها، وقالت: لا بأس يا عزيزي ستحصل على عمل أفضل منه عند من يقدرون مجهودك.
بعد قولها ذلك ساد الصمت للحظات، مررت خلالها الأم عينيها على الغرفة، وبعد ذلك كسرت الصمت عند قولها:
ــ جو المنزل بات كأيبًا جدًا!
تحدثت يوجيني أثناء نظرها إلى أختها ثم قالت:
ــ نعم، وفروني لم تتحسن إلى حد الآن.
(الأم): مارأيك يا عزيزي أن نسافر لنغير وضعنا الكئيب؟؟ ليس من الشرط خارج البلاد ، دعنا نذهب إلى أي منطقة هنا.
هز الأب رأسه بالموافقة ثم نهض وجلس بجانب فروني وسألها عن المكان الذي تود الذهابه إليه، أجابته بصعوبة:
ــ أريد البقاء في المنزل.
(الأب): كلا يجب أن تخرجي معنا!
أردف قائلًا بعد أن لاحظ أن يوجيني تعض على شفتها وتكاد أن تقفز إلى الجو:
ــ هيا فروني، قولي أين تريدين أن نذهب قبل أن تقترح يوجيني وجهتنا!
بقيت فروني صامته لوهلة ثم تحركت شفتاها بكلمتين: لوس .. أنجلوس.
رمت يوجيني يديها في الهواء وتذمرت:
ــ ولمَ إلى هناك؟ دعينا نذهب إلى فروت أبراج!
(فروني): لأن متاجرها هي الأفضل من وجهة نظري.
(يوجيني): شاطئ الزجاج أفضل من المتاجر!
(الأب): كفى يوجيني، لقد ذهبنا إلى شاطئ الزجاج في المرة السابقة والآن سنذهب إلى لوس أنجلوس كما تريد أختك!
قضمت باطن وجنتها بغيظ ثم ذهبت لتجهيز الحقائب وهي تتذمر بصوت منخفض:
ــ أريد شاطئ الزجاج يعني أريده!
شدت العائـلـة على رِحالها وتوجهوا إلى ولاية كالفورنيا قاصدين مدينة لوس أنجلوس.
أستغرق السفر يومين ونصف نظرًا لتوقفهم بين الحين والآخر لأخذ استراحة وتناول الطعام.
وفعلًا تحسنت فرونيكا عندما كانت تتهادى خطواتها على الأرض وتُـنـقّـل مُقلتيهـا من محل إلى آخر...
تزينت الطرقات ببقايا أوراقٍ برتقالية، وضجت بعض الشوار بمعزوفاتٍ رتيبة، صخب نادر محبب للأذن، لأنه وبكل بساطة أخرج فروني من حفرة الاكتئاب.
عبئت رئتيها برائحة الهواء بعد المطر، وأمسكت بيد أُختها وسحبتها إلى أحد المتاجر.
دخلتاه، وفورًا استقبلهما التاجر بابتسامة عريضة وأخذ يعرض أمامها كل أنواع العطور ... كانت فروني تفضل دائمًا عطور أزهار اللابندر، أستنشقت عبقها ثم زفرته براحة، إلا أن عيناها انفتحت على مصراعيهما عندما رأت يوجيني تشتري خمسة عطور رجاليه، صرخت قائلة:
ــ قولي أن هذه لأبي ولمارتن، صحيـح؟!
ضحكت يوجيني بخفة وهزت كتفيها بأشارة لا أعلم.
(فروني): إن لم تكن لهما فأعيديها فورًا!
(يوجيني): لقد أعجبتني رائحتها كثيرًا!
(فروني) بنبرة غاضبة: بماذا قصرت معك العطور النسـائيـة؟!
(يوجيني): لا تلوميني فرائحة العطور الرجالية أجمل من رائحة العطور النسائية، الأمر ليس بيدي عليكِ الإحتجاج على الصانع وليس عليَّ!
(فروني): اشتمي رائحة عطري، إنهُ رائع!
جعدت أنفها وقالت: رائحته قارحة وهذا سيسبب لي الصداع!
(فرونيكا): ذلك ليس بعذر، لم تنفد العطور الأخرى لأجل أن تشتري الرجالية!
(يوجيني): لا شأن لكِ بي!
وبعد قولها لذلك، رمت المال على الطاولة الزجاجية ثم ركضت للخروج من المحل ــ لحقت بها فروني وهي تصرخ قائلة:
ــ تبًا لك! هكذا ستقتلين أنوثتك!
كانت يوجيني تضحك وتنظر إلى الخلف حيث فروني، تناثرت خصلاتها الفضّية حين فتحت باب المحل الزجاجي، ولأنها كانت تنظر إلى الخلف لم تنتبه على الرجل الذي أمامها. أصطدم رأسها بصدره فترنحت وكادت أن تسقط لولا أنهُ أمسك بمعصمها...
رفعت رأسها إليه فقابلتها ملامحه المنحوته، بينما الآخر تسمر في مكانه لوهلـة، عندما رأى انعكاس وجهه على فضيتيهـا...
همست: أنـا آسفـة.
(ميلڤين) بعد أن خرج من شروده: لا بأس.
أكملت ركضها ولم يكن بسبب فروني التي ما تزال تلحقها، بل بسبب الموقف المحرج الذي وقعت به اليوم.
بقي ينظر حيث تهرول، أعاد بناظريه إلى الأمام عندما سمع فروني وهي تقول:
ــ أعتذر عما بدر من أختي يا سيدي.
اكتفى بأن أومأ برأسه فانحنت له قليلًا ثم لحقت بأختها، ولحقت بهما خضراوتيه، ومن ثم قدميـه.
🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁
Ahed Nasser🍂