امسك ميلڤين بظهر الكرسي الذي تقعد عليه يوجيني، ووجه سؤاله لكايون:
ــ والآن يا كايون.. ألا تود أن تقول شيئًا؟
بقي مطأطئًا رأسه، بينما عيناه تُلطخان الأرض بدموعهما. التفتت يوجيني إلى زوجها وصرخت:
ــ يكفي!.. لا تحاول أن تزج بابني في جرائمك!
صراخها لم يكن دفاعًا بل محاولةٌ بائسة في إقناع نفسها بعكس ذلك.
تركها ميلڤين، وتوجّه نحو كايون، لتعاود الصراخ مجددًا: ميلڤين!.. دع ابني وشأنه!..
أخرج ميلڤين مسدس كايون من مكانه، وشدّ على شعره ليرفع رأسه ويواجه أعين والدته. حفر ميلڤين فوهة المسدس برأس ابنه محاولًا بذلك ترهيب زوجته.
شرعت يوجيني ترفس الأرض بقدمها، وتصيح:
ــ دعه!.. دعه!!.. أقسم بالله إنك لن تفلت!.. لن تفلت!.. وإن نجوت من الشرطة فلن تنجو من الذي خلقك!!
حدق بها طويلًا، بأعين متسعة وملامح مشدودة...
ترك كايون وسار نحوها، لتردف الأُخرى: نعم!.. لن تنجو من خالقك!.. هذا ما يُخيفك!
تحدّث ميلڤين، وحاول أن يلامس الهدوء، بيد أنه قد فشل: ما هذا الهراء الذي أسمعه منك؟!
ــ بل هي الحقيقة التي تخشاها!
أردفت: أتظن بأن لا أحد سيحاسبك؟
(ميلڤين) وقد ارتسمت العروق على جبينه: منذ متى وأنتِ تؤمنين بهذه الأمور؟
(يوجيني): منذ أن فُتحت بصيرتي أيهُ الملحد الجبـان!
(ميلڤين): يكـفي.
(يوجيني): يكفي ماذا؟؟... يكفي أن أشرح لك عمّا تخاف منه؟.. عمّا تُكذبه بسبب جحودك!.. عمّا تتفاده خوفًا من قواعده العادلة؟!.. عمّن سيحاسبك على كل صغيرةٍ وكبيرة؟!.. عمـ....
(ميلڤين) وقد أظلمت عيناه: قُـلت... يـكفــي!!
(يوجيني) وعيناها تحملان الشرر: تهرب من كل شيء لا تستطيع السيطرةَ عليه... حتى الحقيقة، لذلك اخترت أن تُكذّبها!
أضافت بحدة: انظر إلى نفسك كم أنك خائف!.. هذا دليلٌ على أنك تعي جيدًا أننا لم نخلق من عبث!
اتسعت أعين كايون وتحدّبَ بؤبؤيـه، لأنه الشخص الوحيد الذي لاحظ بأن ميلڤين يشد على المسدس أكثر من اللازم. نبهه، غير أن صوته كان أثقل من أن يحمله الهواء:
ــ ميلڤين!.. أعد المسدس مكانه!
(يوجيني) وهي تحاول أن تجمع شتات أنفاسها: وتعلم بأنكَ.. ستقف أمامه، لوحدك!
ارتعشت أصابع ميلڤين على الزناد، واتسعت عيناه لشعوره بأن شيئًا ما بداخله قد كُسر...
وعلى حين غرةٍ من الجميع، انفجرت الرصاصة لتخترق صدر يوجيني ماسحةً معها كل ما يحمله ذلك القلب الجميل. صدع صوت الكرسي حين توسد رأسها الأرض،
صرخةٌ مدوية صدرت من أعماق كايون، فأخذ يضرب رأسه بالرخام خلفه، ويصارع الهواء بهستيرية محاولًا النفاذ من قيوده، علا صوته وهزَّ كل ما هو حيٌ وجماد، وبقي يدفع نفسه ويشد على عضلاته حتى تقطّعت الحبال وتقطّع معها جلده... هرع نحو أمه، ورفعها إلى حجره وأوصاله ترتعد بشدة...
قام بهزها ونادها بصوتٍ يرتعش: أُمــي!!.. أُمــــي!!!
نادته، بأعين دامعة: كـايون.
ــ نعم أمـــي!.. كايون!.. لا تخافي ستكونين بخير!.. فقط تماسكي!.. أرجوكِ أن تتماسكي!!
نهض راكضًا بينما يحملها بين ذراعيه، تعثر فركع على ركبتيه، لم يثنه ذلك واستقام مجددًا، غير أن قدماه خانتاه فسقط من جديد... ظهر شبح ابتسامة طفيف على شفتيها، ووضعت كفها على خده، استفسرته للمرة الأخيرة، بملامح ذابلة وأعين غارقة:
ــ لست القاتل يا كايون.. صحيح؟
ضاقت عيناه ونزفت دمعًا من الشجن، واصلت يوجيني تمرير أناملها على شعره، وسألته ودموعها تنهمر بحرارة:
ــ قل شيئًا، سأصدقك.
ازداد ألمه ألمًا، ابتلع ريقه، وبالكاد استطاع أن ينفي برأسه. ابتسمت وحاولت أن تمسح عن خده ما تيسر من الدمع.
نطقت بصوتٍ مبحوح:
ــ جيد، هذا ابني.. الذي أعرفه.
عضَّ على شفته، وتضاعفت احمرار وجهه. نهض مرةً أُخرى، إلا أن يوجيني استوقفته حين قالت:
ــ لا فائدة.. إني أرى عزرائيل خلفك.
إلتفت إلى الوراء بجزع ولكنه لم يجد سوى ميلڤين الذي يُـحدق بالمسدس وأعينه فارغـة، أعاد بصره إلى أمه، فأوصته بصوتٍ هامس، بينما تتلألأ الدموع على خديها: اعتني.. بلوسي.
وقع هذه الجملة كان كالسهم في قلبه، فقد التمس وداعًا في قولها.
مسح على غرتها، ومرر يده على خدها ماسحًا مجرى دموعها، ارتعشت شفتاه، ونطق:
ــ تـ..تماسكي، أرجوك أمي!
أشهج باكيًا حينما رأى فضيتيها تسبح بعيدًا، فهزها متوسلًا:
ــ لا تغمضي عينيكِ!! انظري إلي!.. انظري إلي!!
شرعَ بالنهوض والركض، لكن قدماه تيبست، حين شخص بصر والدته. صاح وأعينه تفيض بما لا يُنطق: لاااااااا أمـــي!!.. لااااااااااااااااا!
بدأ جسدها يرتجف، فاقشعر بدنه رهبةً لهول المنظر. منظر أن تُنازع أمه سكرات الموت وهي في حجـره. ضمها إلى صدره، وشدَّ على عناقها بكل ما أُوتي من قوة، متأوهًا بأنين صوته الشجـي.
وحين شعر بارتخاء جسدها، رفع رأسه إلى السماء، وصرخ صرخةً مزّقت ما تبقى من روحـه.
Ahed Nasser🍂