بعد يومٍ حافل دخلا إلى المنزل وعلى الفور توجهت رينا نحو دورة المياة ــ أخذ مريها بدفع كل ماتناولته.
شدت على حجابها الحاجز وشعرت كما لو أن عظامها ستتكسر ، أخذت تسعل بقوة بينما هرول إليها كاميرون وأخذ يمسح على ظهرها ويُهدَّئُـها:
ــ لا بأس حبيبتي لا بأس.
تمتمت رينا: آه، هذا يؤلم.
تحدث: لم نتناول شيئًا غريبًا، هل هذا بسبب إكثارك لتناول الطعام؟
مسحت فمها، وأجابت: لا، لم آكل كثيرًا.
بعد أن استفرغت كل مافي بطنها شعرت بالدوار، ترنحت فأسندها زوجها على ضلعه.
حملها إلى غرفتها، وبينما أجفانها تتثاقل، وضع راحة يده على جبينها مستشعرًا حرارتها ــ راح يأخذ الدواء إلا أن صلاحيته قد نفدت، وعندما باشر بالذهب إلى الصيدلية توقف في منتصف الطريق وجالت فكرةُ في فِكره، عض على شفته السفلى وهز رأسه، عوندئذٍ استدار بدراجتـه وتوجه إلى سان دييغو...
في تلك الأثناء استيقظت رينا من نومها ،تذمرت ووضعت يدها على بطنها: آآه...مجددًا !!
وتزامنًا مع ذهاب رينا إلى الحمام دخل الزعيم جيف إلى المنزل ــ تقدمت الخادمة وحملت عنه معطفه وحقيبته. تمدد الزعيم على الأريكة وأخذ يطقطق عظامه حتى أخمص قدميه، بعد أن تمدد جسده بالكامل بسط النوم بغباره على عينيه وسرعان ما أغمضهما ــ كان يعمل ككونه رجل عقارات وهذا الأمر كان يتعبه أكثر من كونه الزعيم، فعندما يكون الزعيم لا يحاتج إلى التمثيل. تلاشت أحلامه الوردية وانتفض من مكانه وذلك عندما سمع رينا وهي تصرخ من أعلى الدرج.
(رينا): كاميـرون! أبــي !!
نزلت إليه بخطواتٍ قافزة وقبل أن يستفسر عن أي شيء رمت بثقلها عليه، بادلها العناق ومن ثم سألها بتوجس: ما الأمر ؟
لم تجبه واكتفت بأن أرته ما كان بيدها ــ عقد الزعيم حاجبيه عندما رأى خطين أحمرين على ذلك الجهاز ، وسرعان ما تبسّم وقال بصوتٍ خافت: حفيـدي.
حتى الخادمة سعدت كثيرًا لذلك ،ابتسمت لها رينا ومن ثم سألتها: أين كاميرون؟!
(الخادمة): أعتقد بأنه قد ذهب إلى الصيدلية ، إلا أنه قد مر الكثير من الوقت على ذهابه!
(رينا): حسنًا، أرجو أن يتأخر قليلًا بعد.
أردفت: تعالي وساعديني على تجهيز المفاجأة !
أقبل كاميرون بعد وقتٍ ليس بالقصير، فُتح الباب قبل أن يفتحه، رفع أحد حاجبيه لذلك. باشر بالدخول، فانفجرَ صوتٌ قوي قُرابة أُذنه، انكمشت عيناه وجفل مكانه بينما سقطت منه أطباق البيض التي كان يحملها، فتح مُقلتيه بعد مدة لينصدم بأفواههم التي كانت فارهةً بصدمة وهذا ما جعله يستغرب أكثر...
(رينا): عليك غضبي! لمَ أنت جبانُ هكذا ؟!
نظر من حوله فإذ به يرى الكثير من البلونات بينما كانت تغطيه قصاصات ملونة فأدرك أنها مصدر الصوت المفاجئ ، وبعد أن استوعب الأمر رد عليها :
ــ عليكِ غضبي! وهل على المرء أن يكون على أبة الاستعداد حتى عندما يدخل إلى منزله؟!
رفع الزعيم جيف أحد حاجبيه بشكل تلقائي ليصحح كاميرون قوله: حسنًا منزل عمي لا فرق!
(رينا): ذلك لا يبرر تجمدك!
(كاميرون): كُنت أعلم بأنني سأعود والجميع نائم! ماذا تتوقعين مني بعد أن استقبلتموني هكذا ؟!
أردف: أساسًا كُنتِ نائمة ما الذي أيقظك؟!
أردف مجددًا: ولماذا هذه الحفلة المفاجئة مِن الأساس؟!
عقدت ذراعيها واشاحت وجهها عنه، صرّحت بحنق:
ــ لن أقول لك!!
وبعد قولها لهذا، صعدت إلى الطابق العلوي.
رفع حاجبيه ووجه بصره نحو عمه إلا أن الآخر أدار ظهره وغادر ــ نظر نحو الخادمة فاكتفت بأن ابتسمت له، وأشارت نحو بطنها.
سرعان ما تبدّلت ملامح وجهه، ونطق مُشيرًا إلى الدرج التي سلكته زوجته: حامل؟
ــ بلى.
حدّق بالدرج مُرطبًا شفتيه، مسح على ذقنه بكفه المتعرقة، ثم سرى إلى الأعلى، بينما تُكمل الخادمة عملها.
بعد مرور بضعة أشهر...
كانت رينا حريصةً للغاية، فقد قررت أن تبقى في المنزل، وتحرص على سلامة ما ببطنها.
تنزل من الدرج بخطواتٍ حذرة، وكل حركةٍ منها تتسم بالروية، أما بالنسبة لكاميرون فقد كانت هذه الفترة فترة سلام، ففيما مضى لم يكن للهدوء مكانٌ في البيت أو في المقر...
مع حلول المساء عاد الزعيم وكاميرون إلى المنزل، كان الزعيم متجهم الوجه، سرعان ما اختفى ذلك التجهم عندما رأى رينا مستلقية على الأريكة وتمسك ببطنها أثناء مشاهدتها لبرنامج الأمهات الذي يتحدثن فيه عن كيفية الاعتناء بالأطفال الرضع. عض كاميرون على شفته محاولًا كبت ابتسامته، فهو لم يعتد على رؤيتها بتلك البراءة ولن يكذب لو قال بأنها قد بدت سخيفةً إلى حدٍ ما، فهكذا القتلة، يبدون وكأنهم غرباء عن ذواتهم عندما يتصرفون كالبشر العاديين ...
بعد أن لاحظت رينا دخولهما، اعتدلت في جلستها وقالت مبتسمة: أهلا بعودتِكُما.
تنهد الزعيم أثناء جلوسه لتعقد الأخرى حاجبيها وتستفسره: أبي! هل من خطب؟!
(الزعيم): كلا، لا شيء.
(رينا): بلى، أخبرني!
تنهد الزعيم مجددًا واستطرد قائلًا: لقد قبضت الشرطة على عملائي الروس، وكذلك ألبرت، لقد قبضوا عليه ولم يعد بإمكاننا الحصول على الأسلحة!
(رينا) بدهشة: كيف ذلك؟!!
(الزعيم) بنبرة مهمومة: بدأت أشك في جيسيكا، فمنذ أن تم القبض عليها باتت الشرطة تقبض على عملائي واحدًا تِلوَ الآخر!
تنهدت بضيق فهي الأخرى بدأت تقتنع بأن لجيسيكا علاقةً بالأمر، وما هي إلا دقائق من الشك والتفسير حتى راودتها أفكارٌ أُخرى ...
(رينا): أبي! لقد مر وقتٌ طويل منذ أن قبضت الشرطة عليها، ولو أنها قد اعترفت لهم لتم القبض علينا دفعةً واحدة ومنذ مدة طويلة!
أردفت: لاحظ أننا نخسر عملاءنا بالتدريج !
(الزعيم): نعم، وهذا ما يجعلني أجزم بأنها الفاعلة!
عقدت حاجبيها ليوضح لها والدها عن مقصده:
ــ قُبِض على بلو بعد أن سُجنت جيسيكا، وكذلك قبضت الشرطة على عصابة بيكو في الفترة نفسها.أشك بأن جيسيكا قد وشت بعملاءنا حتى يتبين للشرطة صدقها ومن ثم أخبرتهم عن وكر عصابة بيكو كما لو أنه مقرنا وكما لو أنها كانت عضوًا من تلك العصابة.
(رينا): ولكن الشرطة قبضت على تلك العصابة منذ زمن، ولو أن جيسيكا قد فعلت ما قلت...فكيف تفسر خسارة أتباعنا إلى حد الآن؟؟
تنهد (الزعيم) بضيقٍ شديد، وأردف بعد صمتٍ طويل:
ــ لا أدري.
(رينا) بعزم: إذن، هي ليست السبب!
(الزعيم): لست مُتيقنًا بألَّا علاقة لها بالأمر.
(رينا): ولكن جيسيكا وفية! يستحيل أن تشيَ بنا!
استطرد: بالتأكيد أن الشرطة لم تقتنع بعد، فأخذت تُعذِبُها حتى تعترف ببقية العملاء الذين كانوا يعملون معها، فكما تعلمين أن عدد أفراد عصابة بيكو لا يتجاوز خمسةَ عشرا فردًا والشرطة ليست غبية لتصدق بأن هذا هو عدد عصابتنا الكاملة.
بات الأمر جليا لرينا فزاغت عيناها أثناء سؤالها لوالدها:
ــ أتعتقد بأنه مع الضغط الزائد قد تعترف بمكان المقر في النهايـة؟
(الزعيم): لا.. فأنا من علمها بأن تقول نصف الحقيقة وأن تكمل النصف الباقي بالكذب، وخسارتنا لأتباعنا تكمن في الحقيقة، والنصف الآخر يكمن في عصابة بيكو.
أيقنت الآن بأن جيسيكا هي الفاعلة، فغيرت موضوعها واستطردت بينما عيناها شاردتان في الأرض:
ــ آخر ذخيرة استلمتها من ألبرت لن تكفينا طويلًا ... ماذا سنفعل؟؟
(الزعيم): كلّفت الدون ليڤينو بأمرها، وقد نجح في ذلك وأحضر لنا أسلحة بجودة عالية.
أمل صغير تسلل إلى جوفها غير أن الضيق كان أعمق وأشد حضورًا ...
وعلى الرغم من أن كاميرون لم يشاركهما بهذا الحديث إلا أن أذنيه كانتا مصغيتين ــ استقام الزعيم وتركهما ليذهب إلى غرفته، وعندها اقترب كاميرون من زوجته وحاول التقليل من ضيقها بأن قال:
ــ هيا رينا ابتسمي!
أردف: لا تكثري من التفكير بذلك الأمر ولا ترهقي نفسك!
تنهدت علّ ضيقها يخرج مع الهواء. مسح كاميرون على انتفاخ بطنها الطفيف وقال:
ــ إن بقيتِ حزينة فطفلنا سيحزن أيضًا!
ابتسمت حينها وتزامن مع ذلك أن سمعت صوت رنين صدر من هاتف كاميرون، أخرجه من جيب سترته فإذ بهِ رقمٌ غير مسجل، باشر لإدخاله في جيبه مجددًا إلا أن رينا عقدت حاجبيها وقالت:
ــ لمَ لا ترد؟!
(كاميرون): لأنه رقم غريب.
(رينا): وماذا في الأمر؟؟
(كاميرون): لا شيء، عدا أنهُ سيكون خاطئًا وسأُهدِر وقتي في الرد عليه.
رفعت أحد حاجبيها وأمرته بنبرةٍ هادئة: رُد.
انزعج لطريقتها في النظر إليه، فرمقها بنظراتٍ حادة، وعاود إخراج هاتفه، أوشك على الرد، غير أن نفاد البطارية حالَ عن ذلك. ...
أرها الهاتف وتحدّث بنبرة مستفزة: أترين الشاشة؟ لقد نفدت البطارية!
حدجته بسماويتيها، ليس لأن البطارية قد نفدت بل للطريقة التي حدثها بها ولنبرته كذلك... سبقها في الصعود، بينما الأخرى قررت البقاء أسفلًا، حنقًا منه ..
قام بشحن هاتفه وبعد أن مرت خمسَ عشرةَ دقيقة دون صعود زوجته، قرر أن يصعد إلى السقيفة. فصل السلك عن هاتفه وصعد بخطواتٍ حذرة ــ ترك باب السقيفة مفتوحًا حتى يستطيع سماع وقع الأقدام ما إن صعد أحدهم ــ أجرى مكالمة هاتفيه بينما عسليته تحدج الباب ...
ــ آه...كاميرون، لقد شعرت بأنك ستتصل بي اليوم!
ــ شعورك في محله عزيزتي، ولكنني لن أستطيع إطالة الاتصال لأني اتصلت بكِ على حين غرةٍ من الربان.
ــ آهٍ منك...أرجوك اترك عملك هذا وعد إلينا!!
ــ سكاي! أنا أعمل لأجل أن أوفر لكم حياةً كريمة!
ــ إن عنت هذه الحياة البعد عنك، فأنا لا أُريدها!!
ــ ولكنني أُريد راحتكم!
ــ وأنا أريد راحتك!
ــ وأنا لن أرتاح حتى أتعب نفسي لأجلكم!
ــ ولكن يا كاميرون....
ــ لا تبكي يا سكاي! سأعود قريبًا!
ــ أرجوك.. أترك البحر وعد إلى عملك السابق!
ــ يستحيل أن أعود للعمل مع من طردني!
ــ ليس من الضروري أن تعود للعمل معه! فهناك العديد من المــ......
قاطعها قبل أن تكمل وقال: كلا، جمال البحر ينسيني تعبه، لقد أحببت عملي بالفعل. قبّلي جان وأخبريه بأنني سأشتري لهُ الكثير من الكتب عندما أعود.
ــ ولكن...أنا..أنا.....
ــ امسحي دموعك عزيزتي! سأعود قريبًا، أعدك!
ــ حسنًا...سأنتظرك.
ــ ولا تنسي، لا تتصلي بي، أنا سأتصل بك، فأني لن أحتمل هرم الربان إن علم بأمر الاتصالات!
ابتسمت بخفة بينما استطاع الآخر رؤية ابتسامتها على الرغم من المسافة بينهما، ردت عليه:
ــ توقف عن تكرار هذا، لقد حفظت الدرس!
أنهى المكالمة وكان ختامها ابتسامة على ثغر كل واحد منهما، باشر للنزول إلا أن مكالمةً أخرى قد جاءته. نظر إلى الرقم ليتبين له بأنهُ رقمٌ غير مسجلٍ أيضًا، بيد أنه يحفظ صاحبته جيدًا ...
تذمر قائلًا: وهذه ماذا تريد أيضًا؟!!
وبينما هو يحدق بالرقم، احتدت تعابيره، ثم قرر بأنه لن يرد عليها، فأغلق الخط في وجهها ...
توقفت المرأة عما كانت تكتبه، اتسعت عيناها من خلف النظارة وحدجت الهاتف بعدم تصديق، وما هي إلا ثانية حتى كسرت القلم بإبهامها وقالت بصوت منخفض لكن متوعد:
ــ لا بأس يا كاميرون، الأيام بيننا!
خطت أقدامه على الدرج نزولًا نحو غرفة المعيشة.. أشاحت رينا وجهها عنه، ولم تعره اهتمامًا ...
ــ أتشتهين الدجاج؟ أأحضر لكِ دجاجة؟؟
ــ إنقلع، عليك غضبي!!
ــ تشكين بي في كل ثانية، وتستغربين مني عندما أغضب؟!
ــ أنا غضبت لأنك غضبت!
ــ أنتِ من أغضبتني!
ــ بل أنت من أغضبني ولذلك غضِبت لأنك غضبت، فغضبت على غضبك لغضبي!!
حملق إلى السقف قليلًا ثم قال:
ــ أتعلمين؟ لن أهدر الوقت لتفسير ما قلته توًا، لذلك أخبريني، أما زلتي تريدين الدجاج؟!
قلّبت عينيها وجاهدت على المكابرة إلا أنها فشلت في نهاية المطاف، وقالت: نعم، دجاجة كبيرة!
في اليوم التالي وفي أحد سجون لوس أنجلوس..
جاءت العميدة جوين روكارد لرؤية المجرم لاندكروزر، بعد أن قتلها الفضول لمعرفة ماهية ذلك الشخص الذي قلّد امرأةَ الساطور في جريمته ...
أطلت على القضبان فرأت رجلًا قد غزاه الشيب، وتجاعيد الزمن قد رسمت نفسها على بدنه بالكامل، خاب أملها فقد رسمت في عقلها مجرمًا قويًا في ريعان شبابه ــ انتفض روبن من مكانه وقبض على القضبان، فمن عدد الشارات على بذلتها عرف بأن مكانتها كبيرة، أخذ يقسم لها بأنه بريء وبأنه الضحية، بينما الأخرى تؤرشقه من الأعلى إلى الأسفل، بادرت بالمغادرة فصاح روبن قائلًا:
ــ أنتم ظالمون، لن تفلتوا بفعلتكم!
عادت العميدة أدراجها وسألته بينما ظلال القضبان تنسدل على وجهها: ومن سيحاسبنا إن كنا نحن القانون؟!
تجمد روبن لوهلة فأعينها جعلت القشعريرة تسري على طول بدنه، شعر بأن التي تقف أمامه ليست امرأة بل شيطان، فنبرتها وتصلب ملامحها وأرشقتها له، لم تكن طبيعية، تردد في الكلام غير أنه لم يصرخ إلا ليعيدها إليه في محاولة بائسة للحصول على خلاصه، تلعثم أثناء قوله:
ــ لم أقصد الإساءة، أنا فقط أردت..أردت أن أقول..بـ..بأنني بريء، لقد خدعت و.. وفوق هذا غُدرت، فقط أعطوني جلسة واحدة أخرى لأدافع فيها عن نفسي ولتبحثوا فيها عن دلائل أُخرى!
لم تعر كلامه بالًا فقد استدارت لتكمل طريقها. توقفت مجددًا عندما سمعته يتحدث بنبرة يائسة:
ــ ماذا لو أنني مظلومُُ حقًا وأن الدنيا كلها أصبحت ضدي؟! ألم يمر هذا السؤال على أذهانكم؟!
ردت عليه بينما هي ملقية ظهرها للزنزانة:
ــ إن كان كلامك صحيحًا، فأسفي عليك، لأن القانون يحمي الضعفاء ولا يحمي المغفلين.
️
Ahed Nasser🍂