المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔

المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔

5 0

البارت الأخير✨

​تاني يوم الصبح، الشمس طلعت ونورت الأوضة، وعمر صحي الأول. بص لوش حبيبه النايمة الهادي، وباس دماغها وباسها من إيدها وحط إيده على شعرها وابتسم.. هو آه كان متضايق جوة نفسه ونادم من اندفاعه امبارح وتخطيه الحدود، بس من ناحية تانية كان مبسوط جداً وفرحان لأن حبيبه بقت حتة منه وأخيراً اتأكد إنها بقت ملكه ومحدش في الكون هيقدر ياخدها منه.

​حبيبه بدأت تصحى وفتحت عينيها ولقته بيبص لها، فـ ابتسمتله بكسوف كبير واستخبت تحت الغطا.

​عمر بهمس وابتسامة غمز بيها: "صباح الخير يا قلبي.. أنا لازم أطلع دلوقتي الصالة بسرعة قبل ما حد من أهل البيت يصحى ويشوفني خارج من هنا وتتحول لمصيبة."

​حبيبه بابتسامة: "ماشي."

​عمر باس إيدها تاني بشغف، وقام فتح الباب براحة وتسلل وخرج للصالة.

​بعد ساعة، الكل صحي وخرجوا وقعدوا على التربيزة في الصالة عشان يفطروا مع بعض ويتكلموا. الجدة (ست عمر) كانت قاعدة ومبسوطة أوي وفرحانة بوجود بنت ابنها معاها، وقاعدة جنبها وبتأكل حبيبه بـ إيدها وبتدلعها.

​وفجأة.. تليفون عمر رن بصوت مزعج. عمر رد بسرعة، وجاله اتصال من ظابط كبير في البوليس، وصوت الظابط كان متوتر وسريع: "عمر بيه.. احنا بنحذرك، عادل هرب من المستشفى الفجر بعد ما غفل الحراسة المعينة عليه، وخلي بالك من نفسك ومن أهلك واحنا هنبعت حراسه!"

​عمر وشه اتقلب تماماً واللقمة وقفت في زوره وعينيه برقت بشر.

​فؤاد لاحظ ملامح ابنه المخطوفة: "في إيه يا عمر؟ الوجع زاد عليك؟ جروحك تعباك؟"

​عمر بصوت حاد وصادم هز القعدة: "عادل هرب من المستشفى!"

​الكل اتصدم وحالة من الرعب والخوف والفزع نزلت على التربيزة، وبقوا يبصوا لبعض وخايفين جداً لحسن عادل المجنون ده يرجع ينتقم ويأذي حد تاني فيهم بعد ما اتكشف.

​عمر قام وقف بسرعة وبحسم: "يا بابا.. أنا لازم أروح قسم الشرطة دلوقتي حالا عشان أقدم إفادتي الرسمية في اللي حصل في المخزن، وهحاول أتصرف مع البوليس والتحريات عشان نجيبه في أسرع وقت.. متقلقوش خالص وخليكم هنا ومحدش يخرج."

​الكل قام يودعه بخوف وهما بيقولوا: "خلي بالك من نفسك يا بني.. استر يارب وسلم."

​حبيبه قامت وجريت وراه لحد الباب وقالت بصوت كله خوف ورعب حقيقي وعينيها مليانة رجاء وهي ماسكة في إيده جامد

حبيبه: "عمر.. أرجوك ارجعلي بسرعة.. متتأخرش عليا أنا ماليش غيرك."

​عمر قرب منها وباس إيدها بحب قدامهم كلهم وطمنها بنظرات عينيه الحنينة: "حاضر ياقلب عمر.. مش هتأخر عليكي، ادخلي جوة."

ومشي بسرعة.

----------

​عمر كلم ادم في التليفون وطلب منه يقابله عند القسم، وتقابلوا وراحم قسم الشرطة. عمر قعد مع المحقق وحكاله كل اللي حصل بالتدريج، وإنه ضرب نار في المخزن بدافع الدفاع عن نفسه وعن حبيبه اللي كانت هتغتصب وتتقتل على إيد عادل ورجالته.

​البوليس بعد التحريات والشهود أقر إنها حالة دفاع شرعي عن النفس، وعمر دفع كفالة ومبلغ مالي قانوني وطلع، والشرطة أعلنت حالة الطوارئ ونشرت أكمنة وبتدور على عادل في كل شبر في القاهرة.

---------

​جه الليل، والجو برة اتقلب فجأة وبقى مرعب وسوداوي.. المطر نازل بغزارة شديدة كأنه شلالات، وصوت الرعد والبرق الكثيف بيهز الشوارع والشبابيك. في بيت شيرين، حبيبه كانت نايمة على السرير بتعب، بس مكنتش مرتاحة خالص.. كانت بتقلّب وتتحرك بعنف وخوف على السرير، ودموعها بتنزل وهي غرقانة في كابوس مرعب ومحاصر عقلها. كانت بتحلم بنفس الحلم القديم المتكرر: "المطر الشديد، الدم المغرق الأرض، والراجل اللي واقع في حضنها وهي بتعيط عليه".. بس المرة دي، ولأول مرة في حياتها، حبيبه شافت وش الراجل اللي غرقان في دمه بوضوح تام في الحلم.. الراجل ده كان عمر حبيبها أو بمعنى أصح حبيبها في الماضي!

​وفجأة، حبيبه صرخت بأعلى صوتها وقعدت منتصبة على السرير وهي بتنهج وعرقانة وصوتها جايب آخر البيت وفزع الكل: "عمررررررر!!!"

​شيرين والجدة دخلوا عليها الأوضة جري وهما مخضوضين ومرعوبين: "مالك يا حبيبتي؟ في إيه يا بنتي استر يارب! وحدي الله!"

​حبيبه كانت بتعيط بهستيريا وتترعش وجسمها كله بيلتوي، ولأول مرة كانت فاكرة الحلم بتفاصيله كلها ومستحيل تنساه وتأكدت إنه في حاجة غريبة.. شافت موت عمر في الحلم!

​حبيبه بعياط ورعب وصراخ: "أنا حلمت بحلم وحش أوي يا عمتو.. حلم مرعب ومقبض.. فين عمر؟ عمر فين؟! هو كويس؟"

​شيرين بتحاول تطمنها وتهديها: "عمر مع ادم يا بنتي، كلمنا من شوية وقال مش هيرجع النهاردة وهيبيتوا برة عشان الشغل والمتابعة مع البوليس والتدوير على عادل.. اهدّي بس وحاولي تنامي وترتاحي ومستسلميش للشياطين."

​شيرين والجدة خرجوا بعد ما هديت شوية، وحبيبه حاولت تنام بس معرفتش.. الخوف أكل قلبها وعقلها والهاجس بيطاردها. مسكت التليفون وإيدها بتترعش ورنت على عمر.. لقت تليفونه مقفول! الرعب زاد جواها وبقت متأكدة إن في مصيبة. اتصلت بسرعة بـ ندى

حبيبه بنبرة مخنوقة ودموع: "ندى.. أرجوكي، تعرفي ادم وعمر فين دلوقتي بالظبط؟ تليفون عمر مقفول وأنا هيموتني الخوف عليه والجو برة مرعب!"

​ندى بعفوية: "آه يا حبيبه، ادم كلمني وقالي إنهم رايحين الكافتيريا اللي رحنا فيها أنا وأنتِ قبل كدة، يخلصوا حاجة ويقعدوا هناك شوية وراجعين."

​حبيبه أول ما سمعت اسم المكان، جسمها سقع تماماً وفقدت النطق.. قامت بسرعة، لبست هدومها وخرجت تسلل من البيت في وسط المطر والضلمة ومن غير ما حد من أهل البيت يحس بيها، وركبت تاكسي وطارت على هناك وقلبها بيبكي.

----------

​في الناحية التانية.. في الكافتيريا القديمة، عمر كان قاعد مع ادم على نفس طربيزة في الركن بيشربوا قهوة وبيتكلموا في تفاصيل القضية والورق القديم والجديد اللي معاهم.

​عمر بنبرة قلقة: "عادل مش هيسكت يا ادم.. الهروب ده وفي التوقيت ده معناه إنه ناوي على مصيبة كبيرة ومش باقي على حاجة."

​ادم: "متقلقش يا صاحبي، البوليس مقلوب عليه وفي كل حتة وزمانهم هيجيبوه متكتف.. يلا بينا نتحرك ونمشي عشان الوقت تأخر والمطر بيزيد برة وصوت الرعد بيقوى."

​خرج عمر وادم من الكافتيريا ووقفوا على الرصيف في وسط المطر الشديد والثلج اللي نازل والبرق بيلمع ويصعق السماء برعب. وفجأة.. من بين الضلمة والشجر اللي على الرصيف، ظهر عادل كأنه شيطان مرعب! كان شكله متبهدل، هدومه متوسخة، وعينيه طاير منها شرار الجنان والهستيريا، ووقف قدام عمر بمسافة قصيرة وفي إيده مسدس موجهه مباشرة لقلبه.

​عادل بصراخ وجنان وصوت جهوري مرعب: "أنت لازم تموت يا عمر!!! أنا هاخد حقي منك.. ضيعتني وضيعت شقا عمري وفلوسي ولازم تموت وأحرق قلب أبوك عليك!"

​ادم صرخ وزعق وتقدم خطوة: "أنت اتجننت يا عادل؟! أنت كدة بتودي نفسك في داهية أكتر ومش هتطلع منها حي!! نزل الزفت ده من إيدك!"

​بس عادل كان خلاص عقله طار ومبقاش يسمع حد، رفع المسدس وتثبت عينه بشر على صدر عمر، ولسة صابعه بيدوس على الزناد وعمر واقف مكانه مصدوم ومش مستوعب المفاجأة..

​في اللحظة دي بالثانية القاتلة.. حبيبه وصلت وجريت بسرعة جنونية وبدون تفكير ولا تردد رمت نفسها قدام عمر وزقته بكل قوتها بعيد عنها.. صوت الطلقة الغادرة دوى في المكان وهز الشارع، والرصاصة دخلت واستقرت في صدر حبيبه!

​حبيبه وقعت على الأرض فوراً والدم بدأ يسيل منها بغزارة ويختلط بماء المطر على الرصيف. ادم في نفس اللحظة اتجنن وهجم على عادل زي الأسد الهائج، كلبش فيه وأخد منه المسدس بقوة وضربه بوكس عنيف وقوي في وشه وقعه في الأرض غرقان في دمه، عادل زق ادم بعنف وقام ولسة بيلف في الشارع عشان يهرب.. لقى عربيات البوليس محاوطة المكان من كل المداخل وصوت السرينات ملى الشارع وقبضوا عليه فوراً وشالوه متكتف بالحديد وهو بيصرخ زي المجانين.

​عمر انهار تماماً وعقله طار، جري وركع على ركبه في الطين والمطر، وأخد حبيبه في حضنه، وحط راسها على رجله وهو بيعيط بهستيريا وصرخات مكتومة ودموعه نازلة شلالات على وشها ومخلوطة بماء المطر البارد.

​عمر بعياط وصراخ وفزع يقطع القلب: "حبيبه!!! حبيبه فتحي عينك!! خليكي معايا.. أنتِ مينفعش تسيبيني فاهمة؟! مش هسيبك تموتي يا حبيبه.. إحنا ملحقناش نفرح! فتحي عينك أرجوكي ومتمشيش وتسيبيني!!!"

​حبيبه فتحت عينيها ببطء شديد وبتعب ينازع الموت، ورفعت إيدها الضعيفة المليانة دم دافي وحطتها على وش عمر برقة، وبصت في عينيه بنظرة عشق وحب أخيرة وقالت بنبرة دايبة وصوت بيروح ومتقطع: "أنا.. بحبك يا عمر... أنا خسرتك مرة ومكنتش أقدر أخسرك تاني."

​وفي اللحظة دي.. إيد حبيبه الضعيفة نزلت واستسلمت من على وش عمر، واترمت على الأرض الباردة، وعينيها قفلت تماماً وغابت عن الوعي..

​عمر ضمها لقلبه بكل قوته وبقى يصرخ بجنون، ورفع راسه للسماء وسط البرق الصاعق والمطر الشديد وصوته طلع بصرخة قهر وموت هزت أركان المكان كله ومليانة وجع: "لاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا!!!"

------------

​الكل كان واقف برة أوضة العمليات في المستشفى، والخوف واكل قلوبهم على حبيبه. النور الأحمر اللي فوق الباب منور، وكل دقيقة بتعدي عليهم كأنها سنة كاملة.

​جدت عمر كانت قاعدة على الكرسي ومنهارة تماماً من العياط ومش قادرة تقف على رجليها، وشيرين قاعدة جنبها بتعيط هي كمان وبتحاول تهدي أمها بكل الطرق.

​الجده رفعت إيدها للسماء وقالت بصوت مكسور وهي بتبكي بقهرة: "ليه كدا يارب؟ ليه بعد ما رجعتلي الفرحة عاوز تاخدها مني تاني؟ أنا مش عاوزة أخسر حفيدتي زي ما خسرت ابني زمان! يارب قومها بالسلامة."

​شيرين طبطبت عليها وأخدتها في حضنها وقالتلها وهي بتمسح دموعها: "خلاص بقى يا ماما اهدي عشان خاطري، إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتبقى كويسة، حبيبه قوية ومش هتمشي وتسيبنا."

​على الجانب التاني، عمر كان واقف ساند ظهره على الحيطة، وهدومه كلها كانت مليانة دم من حبيبه، وحتى وشه عليه دم. كان باصص على باب العمليات ومن كتر الصدمة والتعب رجله خانته وكان هيقع على الأرض.

​أمه شيرين أول ما شافته كدا جريت عليه بسرعة ومسكت وشه بإيدها وقالتله بخوف: "اهدى يا حبيبي.. اهدى يا عمر وهي هتبقى كويسة."

​عمر في اللحظة دي انهار تماماً وقعد يعيط بحرقة، ودي كانت أول مرة في حياته كلها يعيط بالمنظر ده ويبان ضعيف بالشكل ده. بص لأمه وهو دموعه نازلة شلالات

عمر بصوت بيترعش من الوجع: "هي مش هتسبني صح يا ماما؟ أنا مش أقدر أعيش من غيرها.. أنا اللي كان المفروض أبقى مكانها، هي ليه خدت الرصاصة مكاني؟"

​شيرين عيطت على كسرة ابنها وحضنته جامد وقالتله: "اهدى يا حبيبي مينفعش تعمل في نفسك كدا هي هتبقى كويسة إن شاء الله."

وعمر اترمى في حضن أمه وفضل يعيط بحرقة وهي حاضناه زي الطفل الصغير اللي خايف.

وفؤاد وادم كانوا واقفين بعيد مش عارفين يعملوا إيه ولا بإيدهم حاجة يعملوها غير إنهم يدعوا والدموع في عيونهم.

​بعد شوية، باب العمليات اتفتح والدكتورة خرجت وهي باين عليها التعب، كلهم جريوا عليها وعمر سألها بلهفة وخوف ورعب.

​الدكتورة هزت رأسها وقالتلهم بنبرة قلقانة: "حالتها صعبة جداً وهي نزفت كتير قوي.. ادعولها، إحنا دلوقتي هننقلها العناية المركزة عشان نتابعها."

​نقلوا حبيبه العناية، وعمر كان واقف برة باصص عليها من ورا إزاز الأوضة وهي متوصلة بالأجهزة والخراطيم ووشها أصفر. من كتر الوجع والعصبية، عمر اتقلب حاله ولف وضهره وخرج برة المستشفى بسرعة وهو متعصب جداً.

​ادم شافه وجري وراه ومسكه من دراعه: "أنت رايح فين يا عمر؟"

​الدنيا برة كانت بتمطر جامد جداً وفي رعد وبرق مالي السماء والجو ضلمة.

عمر بص لادم وعيونه كلها غضب وجنون: "مش هسيبه يا ادم.. مش هرحمه، أنا لازم أموت عادل بإيدي دي!"

​ادم زعق فيه وسط المطر: "أنت اتجننت؟! أنت عارف لو عملت كدا هيحصل فيك إيه؟"

​عمر صرخ فيه بأعلى صوته: "مش فارق معايا يحصل اللي يحصل!"

​ادم مسكه: "طب فكر في حبيبه! لما تفوق وتعرف إنك عملت كدا هيحصل فيها إيه؟ هو خلاص هيتحاسب على كل اللي عمله فمتوديش نفسك في داهية!"

​عمر انهار وقعد يعيط في وسط المطر وقال لادم بنبرة مكسورة وكلها وجع: "أنا خلاص مش قادر يا ادم.. حاسس قلبي هيقف، زي ما يكون في حد جه وسحب روحي مني، أنا مش هقدر أخسرها.. هي لو حصلها حاجة أنا مش هقدر أعيش.. هو أنا ليه بيحصل معايا كدا؟ ليه هو أنا مش مكتوبلي أفرح زي الناس؟ ليه القدر مصر يبعدني عنها؟ طالما إحنا مش لبعض ليه دخلنا حياة بعض أصلاً؟!"

​ادم: "استغفر ربنا مينفعش اللي أنت بتقوله ده، هي هتبقى كويسة إن شاء الله متعملش في نفسك كدا."

​عمر استغفر ربنا وقال: "يارب.. أنا مش عاوز غيرها.. معجزة من عندك يارب، أنت قادر تغير الكون في اللحظة دي."

-----------

​وفي نفس اللحظة دي جوة الأوضة، حبيبه بدأت تحرك صوابع إيدها بالراحة، وشفايفها تحركت وقالت بصوت ضعيف جداً: "ع.. م.. ر.. عمر..."

​وفجأة، جهاز النبض أطلق صوت طويل ورا بعضه (النبض وقف والخط بقى مستقيم!).

​الممرضات جوة الأوضة جريوا عليها، ووحدة منهم خرجت جري تصرخ وتنادي الدكتور. العيلة برة كانت واقفة خايفة ومرعوبة، والدكتور دخل بسرعة ومسك جهاز الصدمات الكهربائية وبدأ يعملها إنعاش لقلبها.

----------

​فجأة، وسط صوت الرعد المزلزل والمطر اللي نازل زي السيل، ظهر من وسط الضلمة راجل عجوز.. شعره ودقنه بِيض زي التلج، ملامحه هادية جداً وكأنه مش متأثر بالمطر ولا البرد، وعينيه فيها نظرة عميقة تخلي اللي يبص له يتسمر في مكانه.

​الراجل العجوز قرب من عمر اللي كان قاعد على الأرض غرقان في دموعه، ووقف قصاده وسند على عصايته الخشب، وقال بصوت حنين وواضح رغم صوت الرعد: "استغفر ربنا يا بني.. المعجزة حصلت بالفعل، بس أنت اللي لسه مش شايفها."

​عمر رفع راسه وبص للراجل بذهول، وعيونه الحمرا كلها حيرة وغضب، ومسح المطر عن وشه وقال بنبرة مخنوقة: "أنت مين؟ انا مش فاهم أنت بتتكلم على إيه أصلاً؟! معجزة إيه اللي حصلت وحبيبه بتموت بين إيديا؟!"

​ادم وقف بسرعة وحط إيده على كتف عمر، وبص للراجل العجوز بشك وقلق وزعق وسط المطر: "أنت مين يا راجل أنت؟ وعاوز مننا إيه في وقت زي ده؟ جايب الكلام ده منين؟!"

​الراجل العجوز مالتفتش لادم، وفضل باصص لعمر بنظرة كلها أسرار، وقرب منه خطوة وقاله بهدوء ساحر: "غمض عينك كدا يا عمر.. وقولي شايف إيه؟"

​عمر من كتر الذهول والصدمة لقى نفسه بيسمع كلام الراجل من غير ما يفكر.. غمض عينيه وسط المطر. وفي ثانية واحدة، الدنيا اسودت حواليه، وفجأة ظهر قدام عينه شريط سريع لـ حياة كاملة مش بتاعته.. أو كدا هو كان فاكر!

​شاف نفسه بس بشكل قديم، لابس لبس زمان، واقف في وسط المطر، حبيبه القديمة بتجري عليه وهي بتصرخ باسمه والدم مغرقه، شاف صفقات السلاح، وشاف الحادثة البشعة، وشاف الوجع والكسرة اللي مات بيها.. شريط حياته القديمة كله مر قدام عينه في لحظة واحدة كأنه هو اللي عاشه تفصيلة تفصيلة!

​عمر فتح عينه فجأة وهو بينهج وبيموت من الرعب، وجسمه كله بيترعش، وبص للراجل العجوز بنظرة جنون وقال وصوته بيرتعش: "إيه ده؟! إيه اللي أنا شفته ده؟! ده خالي عمر وحبيبه.. أنا شفت حياتهم! أنا مالي ومال كل ده؟!"

​الراجل العجوز ابتسم ابتسامة خفيفة مليانة وقار وقال له: "أيوا يا عمر.. ده أنت نفسك! بس في حياتك الأولى! الأرواح مبتموتش يا بني، ورجعتوا اتخلقتوا من جديد للدنيا دي عشان تصلحوا المصير. الوجع اللي أنت حاسس بيه دلوقتي، والخوف اللي بيموتك ده، مش غريب عليك.. حبيبه هي الوحيدة اللي كانت قادرة تغير مصيرك ومصيرها، وهي اللي شالت الكوابيس طول السنين دي عشان تفهم إن المرة دي النهاية ولازم تكون مختلفة."

​عمر حس بقشعريرة هزت كيانه كله، وبص للأرض وهو مش مصدق.. كل الخيوط لفت في دماغه وبقى فاهم كل كلمة وكل كابوس حبيبه كانت بتشوفه.

​ادم رجع لورا خطوتين وهو مش مصدق وعينه مبرقة وزعق: "يا عم أنت، أنت هتقول فوازير؟! انطق وفهمنا في إيه بالظبط ومين أنت؟ والراجل ده بيتكلم عن إيه يا عمر؟!"

​الراجل العجوز بصلهم هما الاتنين وقال بوقار: "أنا مجرد رسالة بعتها القدر ليكم في وقت المحنة.. زمان, المطر والدم والغل فرقوكم، والنهاردة المطر نازل عشان يغسل الوجع ده. عادل هياخد جزاءه، بس مش بإيدك أنت يا عمر.. متخسرش الفرصة الثانية بالدم عشان اللعنة متبدأش من جديد. روح لحبيبه.. حبكم وعنادكم في وش الدنيا هو اللي غير المصير كله وهيرجعها ليك. روح واقعد جنبها، واعرف إن القدر المرة دي كاتب ليكم تعيشوا الفرحة اللي اتحرمتوا منها زمان."

​البرق ضرب في السماء ونور المكان كله للحظة، عمر رمش بعينيه من قوة النور، وبص قدامه ملمحش الراجل العجوز.. كأنه اختفى وتبخر وسط المطر والضلمة!

​ادم رجع لورا خطوتين وهو مش مصدق وعينه مبرقة: "عمر!! الراجل ده راح فين؟! وده كان بيتكلم عن إيه؟ هو في إيه بالظبط؟!"

​عمر قام وقف على رجليه، وفي عينه نظرة جديدة خالص.. مفيهاش غضب، فيها أمل ويقين بالمعجزة، وبص لـ ادم وقال: "الراجل ده صح يا ادم.. أنا فهمت كل حاجة.. يلا بينا على المستشفى لحبيبه، يلا بسرعة!"

-----------

​البرق يمزق جو السماء السوداء، وصوت الرعد يدوي في الأرجاء كأنه يصرخ معلناً عن فاجعة قادمة. في تلك اللحظة، انفتح الباب الزجاجي للمستشفى بقوة، ودخل عمر يركض بجنون، يتبعه ادم الذي كانت أنفاسه متلاحقة وعلامات الرعب ترتسم على وجهه بالكامل.

​وقف عمر فجأة في الممر الممتد أمامه. تجمّدت الدماء في عروقه وهو ينظر باتجاه الغرفة. كانت ثيابه ملطخة بالدماء، ووجهه يحمل آثار قطرات جافة ممتزجة بعرقه المتصبب. كان يرتجف، جسده كله كان ينتفض من شدة الصدمة، والدموع المتحجرة في عينيه ترفض الهبوط لتغشي رؤيته. خطا خطوات ثقيلة، كأن قدميه ثقيلتان، حتى وصل إلى باب الغرفة ودلف إلى الداخل.

​ارتمى بجسده قرب الفراش، ونظر إلى وجهها الشاحب. انكسر كل كبريائه في تلك اللحظة، جثا على ركبتيه بجانبها، وامتدت يده المرتجفة لتمسك بطرف يدها الباردة.

عمر بنبرة مخنوقة، صوت يخرج بكسرة حقيقية مزقت هدوء الغرفة: ​"أوعي تسبيني يا حبيبه! إحنا لسه في حاجات كتير معملناهاش سوا... معقول حبنا يبقى ضعيف لدرجادي؟ معقول تنتهي حكايتنا هنا؟"

​لم تتحرك، ولم تجبه. وفجأة، امتدت يد الطبيب لتفصله عنها بقوة وهو يقول بلهجة حاسمة وعينين قلقتين:

​"مينفعش كدا يا أستاذ! اتفضل بره وسيبنا نشوف شغلنا، كل ثانية تفرق!"

​قبل أن يعترض عمر أو يفعل مشكلة، اندفع ادم إلى الداخل، وأمسك بعمر من كتفيه محاولاً سحبه. كان ادم يرى الانهيار في عيني صديقه، فشدد من قبضته وأخرجه بالعافية رغماً عنه إلى الممر الخارجي. وقف عمر هناك، يستند إلى الحائط البارد، بينما وقف ادم بجانبه وعيناه تترقبان الباب برعب حقيقي، يفرك يديه بقلة حيلة والخوف يأكل قلبه.

​مرت الدقائق كأنها سنوات، وفجأة، انفتح الباب.

​خرج الطبيب، كانت خطواته بطيئة، ورأسه يميل إلى الأسفل. علامات الحزن والأسى كانت واضحة على وجهه بالكامل، نظر إلى الأرض ثم رفع عينيه بصعوبة

الدكتور بنبرة خافتة: ​"أنا آسف جداً... بس إحنا مقدرناش ننقذها."

​الكلمات نزلت على عمر كالصاعقة. تلاشت كل ذرة عقل في رأسه. هجم على الطبيب كالمجنون، وأمسكه من ياقة قميصه وهو يصرخ في وجهه بعيون حمراء تكاد تنفجر من الغضب

عمر: ​"أنت بتقول إيه؟! أنت اتجننت؟! حبيبه مش هتمشي! أنت مش فاهم حاجة!"

​علت أصوات الزعيق في الممر. في تلك الأثناء، اندفع فؤاد وادم اللذان هبّا فوراً ليفصلاه عن الطبيب. كان عمر يملك قوة غريبة استمدها من جنونه وصدمته، فظلا يشدانه ويبعدانه بالعافية وهو يتملص منهما ويحاول العودة إلى الغرفة. وعلى الجانب الآخر، كانت شيرين وجدته تقفان ودموعهما تسيل بغزارة، وصوت بكائهما يملأ المكان حزناً وكمداً.

​أخيراً، خارت قوى عمر. تخلت عنه أقدامه، فنزل بركبتيه على الأرض الصلبة، وانحنى بجسده ليفجر طاقة البكاء والنحيب التي كتمها. انهار تماماً، وبدأ يصرخ بصوت مبحوح هز جدران المستشفى.

​رأت والدته هذا المنظر المفجع، فلم تتحمل. جرت عليه بسرعة، وارتمت على الأرض بجانبه، وأحاطت وجهه بيديها محاولة تهدئته، والدموع تنهمر من عينيها رأفة بحال ابنها.

لكن عمر كان في عالم آخر، التفت إليها بانهيار كامل وهو يهز رأسه برفض قاطع: ​"مستحيل... ده كدب! هي مستحيل تسبني!"

​أمسك بيد أمه بقوة شديدة، كأنه غريق يتشبث بقشة، ونظر في عينيها برجاء يقطع الأنفاس: ​"ماما... عشان خاطري اعملي حاجة! أنا مقدرش من غيرها... مش هقدر أعيش، والله ما هقدر! مقدرش أتخيل حياتي وهي مش معايا... قولي ليهم يصحوها!"

​كانت الأم تحاول جاهدة أن تتكلم معه، تجمع الكلمات لتواسيه، وتقول عبارات التهدئة والترحم، لكن صوتها كان يضيع وسط عاصفة انهياره. وفي نفس الوقت، كان ادم واقفاً يراقبه بقلب ممزق، وعيناه تفيضان بالدموع وهو يرى صاحبه يضيع أمامه دون أن يملك له من الأمر شيئاً.

الباقون من أفراد العائلة وقفوا في صمت باكٍ، ينظرون إليه بعيون يملأها العجز والشفقة على هذا الحب الذي ينتهي بهذه القسوة.

​انتفض عمر مجدداً، رافضاً الواقع المرير، وصرخ بصوت أعلى وهو يلتفت حوله كالمذعور: ​"لا! هي مينفعش تسبني... إحنا في حاجات كتيرة لسه معملناهاش سوا! أنا لسه موفتش بوعدي ليها... هي مشيت قبل ما أنفذ أي حاجة!"

​وفجأة، رفع رأسه إلى الأعلى، وشق نظره سقف المستشفى ليتطلع إلى السماء وكأنه يخاطب القدر مباشرة. ومع اشتداد صوت الرعد والبرق القوي الذي أضاء النوافذ بزجاجها المهتز، صرخ من أعماق قلبه المكسور:

​"يارب غير الكون لأجلي المرة دي!"

​ساد الصمت للحظة لم يقطعها سوى صوت المطر المتدفق بالخارج.

عاد عمر يتحدث بهذيان، يكلم نفسه ووالدته بخوف وضياع: ​"هي مينفعش تسبني... هو أنا ليه بيحصل معايا كدا؟ ليه مش مكتوبلي أفرح? ليه لازم أتحرم من أكتر حاجة بحبها في الدنيا؟ عملت إيه عشان أعيش الوجع ده كله؟"

​كانت كلماته تخرج متلاحقة، سريعة وغير متزنة، وأمه تزداد رعباً عليه وهي تراه يفقد أنفاسه تدريجياً، ووجهه يزداد شحوباً في ثوانٍ معدودة. كانت تشد على كتفيه وتتوسل إليه أن يهدأ، وادم يتقدم خطوة بخطوة وهو يشعر بأن مكروهاً آخر على وشك الحدوث.

​وفجأة، انقطعت الكلمات في حلق عمر. جحظت عيناه للحظة أخيرة، وتوقف جسده عن الارتجاف. وفجأة بحركة مفاجئة، سقط جسده بالكامل على الأرض الصلبة، فاقداً للوعي تماماً كأنه جثة هامدة زهدت في الحياة بعد رحيل من تحب.

​في تلك الثواني المريعة، شق صراخ أمه صمت المكان، وصرخت بأعلى صوتها وهي تهز جسده:

​"عمررررر!"

​واندفع ادم والأطباء نحوه في فوضى عارمة عمت الممر، تحت وابل الرعد والبرق الذي لم يتوقف في الخارج، وكأن السماء كانت تبكي معهم في تلك الليلة المظلمة. وفي اللحظة دي ظهر الراجل العجوز من بعيد وابتسم.

نهاية ​البارت الأخير...

​بـقـلـم الكاتبة: حـبـيـبـه مـحـمـد✍🏻♥

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔

المؤلف 7ekayatBebo📖💕
2026/05/23 مستمرة
قائمة الفصول (25)
الفصل 1: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/05/23
الفصل 2: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/05/24
الفصل 3: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/05/25
الفصل 4: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/05/27
الفصل 5: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/02
الفصل 6: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/02
الفصل 7: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/06
الفصل 8: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/06
الفصل 9: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/13
الفصل 10: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/13
الفصل 11: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/13
الفصل 12: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 13: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 14: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 15: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 16: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 17: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 18: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 19: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 20: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 21: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 22: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل 23: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل الأخير✨: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27
الفصل الخاتمة ♥: المصير المكتوب مرتين 🕰️✍️💔
2026/06/27

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة