البارت العاشر ✨
مرت عدة أيام على ذلك اليوم المشؤوم. الأيام كانت تمر كأنها سنين في بيت حبيبه. الجدران التي كانت شاهداً على ضحكاتها ورسائلها المليئة بالأمل لعمر، تحولت الآن إلى سجن صامت. المطر توقف في الخارج، لكنه لم يتوقف ثانية واحدة داخل قلب حبيبه
كانت تجلس على سريرها، عيناها غائرتان، تحيطهما هالات سوداء تختصر حكاية ليالي طويلة من السهر والبكاء الصامت. دموعها جفت، لكن الوجع بداخلها أصبح مزمناً، كأنه جزء من دورتها الدموية.
دخلت سارة الغرفة وهي تحمل صينية طعام صغيرة، ملامحها كانت تحمل مزيجاً من الشفقة والقلق والتردد. وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة واقتربت من شقيقتها، جلست بجانبها ومسحت على شعرها بهدوء.
سارة (بصوت منخفض وحنون): حبيبه.. عشان خاطري كلي لقمة واحدة. بقالك أيام على الحال ده، هتموتي.
حبيبه (دون ان تلتفت، وعيناها مثبتتان على الفراغ): يا ريت يا سارة.. يا ريت الموت خدني معاه ومخلانيش اعيش اللحظة دي. انا اللي قتلته بوعودي وشروطي.
سارة (بحزم يحاول إخفاء الحزن): كفاية جلد ذات يا حبيبه! ده قدره، وأنتِ مالكيش ذنب. وبعدين.. أنتِ لازم تقفي على رجلك، بابا وماما برة وعايزين يتكلموا معاكي في موضوع مهم.
التمعت في عيني حبيبه نظرة خوف باهتة. سألت بصوت مبحوح: "موضوع إيه؟"
تنهدت سارة بعمق وقالت: "جالك عريس يا حبيبه. واحد من معارف بابا، راجل جاهز ومحترم ومستقر. بابا شايف إن دي الفرصة اللي هتشيلك من الحالة دي وتخليكي تبدأي حياتك من جديد."
انتفضت حبيبه من مكانها كأن صاعقة أصابتها، صرخت بصوت مخنوق:
"حياة جديدة؟ من جديد إزاي؟ عمر لسة دمه منشفش على الأسفلت وأنتم عايزين تجوزوني؟ أنا مش هتجوز يا سارة! مش هتجوز لآخر يوم في عمري!"
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة ودخل الأب، ملامحه كانت صارمة لا تقبل النقاش، وعيناه تحملان إصراراً مدفوعاً بالخوف على مستقبل ابنته التي يراها تضيع أمام عينيه بسبب شاب كان يراه دائمًا بلا مستقبل.
الأب (بصوت جهوري وحازم): هتتجوزي يا حبيبه. الكلام ده انتهى. أنا سكتلك كتير وسبتك لما كنتِ ماشية ورا أوهام، والآخر إيه؟ الواد ضاع وضيعك معاه. الراجل اللي متقدملك ده هيسترك وهيحميكي، والكتب الكتاب الأسبوع الجاي. مش هسيب بنتي تدفن نفسها صاحية عشان واحد مات وانتهى!
حبيبه (دموعها تنفجر بقهر، وارتمت تحت قدمي والدها): عشان خاطر ربنا يا بابا بلاش.. بلاش تغصبني على حاجة تموتني. أنا مش قادرة أشوف حد غيره، مش قادرة أكون لحد غيره!
الأب (يلتفت دون رحمة متجهاً للباب): جهزي نفسك.. الموضوع مش رأي، ده قراري لأجل مصلحتك.
أغلق الأب الباب وراءه، فارتمت حبيبه في حضن سارة تصرخ بهستيريا، بينما كانت سارة تبكي معها بصمت، عاجزة عن الوقوف في وجه قرار عائلتها الصارم.
------------
على الجانب الآخر من المدينة، في الشقة المتواضعة التي تفوح منها رائحة الحزن والافتِقاد، كانت أم عمر تجلس في الصالة، ممسكة بمصحفها القديم، تقرأ وآيات القرآن تختلط بشهقات حزنها على سندها الذي انكسر. في المطبخ، كانت شقيقة عمر (شيرين) تحاول إعداد بعض الشاي لأمها، لكن التعب كان شديد عليها بشكل غير طبيعي.
شيرين متزوجة منذ سنوات، وكانت دائماً تعاني من حسرة عدم الإنجاب، وهو الأمر الذي طالما سبّب لها ضيقاً نفسياً، وزاد حزنها بعد موت أخيها الذي كان يتمنى رؤية أطفالها.
فجأة، انقطع صوت حركة شيرين في المطبخ، وتلاها صوت ارتطام قوي بجسدها على الأرض وسقوط الكوب الزجاجي ليتناثر أشلاءً.
فزعت الأم، وقامت بركبتيها المرتعشتين تصرخ: "شيرين! يا بنتي!"
دخلت المطبخ لتجد ابنتها ملقاة على الأرض، غائبة عن الوعي تماماً، ووجهها شاحب كالملح. بفزع شديد، اتصلت الأم بزوج شيرين الذي جاء مسرعاً برفقة طبيب العائلة الذي يسكن في نفس البناية.
حملوا شيرين إلى السرير، وجلس الزوج والأم ينتظرون وعيونهم معلقة بوجه الطبيب الذي كان يفحصها بتمعن، ويعيد الكشف مرة ثم الأخرى، وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه.
الزوج (بقلق وخوف): خير يا دكتور؟ شيرين مالها؟ من وقت موت عمر وهي مش بتاكل وضغطها واطي، يكون حصلها حاجة؟
الطبيب (يخفض سماعته، وتظهر على وجهه ابتسامة ذهول): اهدوا يا جماعة.. اهدوا خالص. اللي حصل لشيرين ده مش بسبب الحزن.. أو بمعنى أصح، الحزن كان ممكن يضرها، بس ربنا ليه حكمة تانية خالص.
الأم (بدموع يائسة): في إيه يا دكتور؟ طمنا باللي عندك.
الطبيب (ينظر للزوج): مبروك يا فؤاد.. مدام شيرين حامل، وفي الشهر التاني كمان!
وقع الخبر كالصاعقة على الزوج والأم. الزوج وقف مذهولاً، وصوته يرتعش: "حامل؟ إزاي يا دكتور وأنت بنفسك قولت إن نسبة الحمل ضعيفة جداً وشبه مستحيلة من غير عمليات؟"
الطبيب (يهز رأسه بإيمان): دي معجزة بجد يا فؤاد. الطب بيقول حاجة، وإرادة ربنا بتقول حاجة تانية. الحمل ده معجزة حقيقية في الوقت ده بالذات. اطلبوا منها ترتاح تماماً ومفيش أي مجهود أو زعل.
استيقظت شيرين ببطء لتجد زوجها يرتمي في حضنها ويبكي من الفرحة، وأمها تخبرها بالخبر وهي تبكي وتقول: "ربنا مبيسبش بيت مكسور يا بنتي.. عمر مشي، بس ربنا بعتلنا اللي يعوضنا.. مبروك يا قلب أمك."
شيرين لم تصدق، وضعت يدها على بطنها وشعرت لأول مرة منذ أسابيع ببارقة أمل دافئة وسط كل هذا السواد.
-----------
في منطقة نائية غارقة في الظلام، داخل مخزن قديم تفوح منه رائحة الرطوبة والحديد الصدئ، كانت الأضواء الخافتة المسلطة على منضدة خشبية ضخمة تكشف عن وجود "رامي" ومنصور وسامي. لكن الأهم، لم يكن هؤلاء، بل كان الرجل الجالس في الظل، وراء المنضدة، لا يظهر منه سوى دخان سيجاره الفاخر وصوته الأجش العميق. هذا الرجل هو الذي يدير كل شيء من خلف الستار، الزعيم الخفي الذي يرتعد له أكبر حيتان السوق، والذي لا يعرف أحد اسمه الحقيقي أو شكله.. يلقبونه فقط بـ "البوص".
كان رامي واقفاً برأس منخفضة، ملامحه تحمل مزيجاً من القلق والتوتر الذي يحاول إخفاءه.
البوص (ينفث الدخان ببطء، وصوته كفحيح الأفعى): موت عمر.. كان خطوة غبية يا رامي. خطوة غير محسوبة من رجالتك.
رامي (بيحاول يدافع عن نفسه): يا بوص، عمر كان ناوي يقلب علينا. الواد كان بيجهز يهرب، وكان معاه عيون بتراقبه وعلمنا إنه مخبي ملف فيه كل تفاصيل صفقاتنا وحساباتنا. كان لازم نخلص منه قبل ما يودينا في داهية.
البوص (يضرب المنضدة بيده فجأة بقوة جعلت الجميع ينتفض): وأنت لما قتلته.. استفدت إيه؟! ها؟ قولي استفدت إيه؟! الملف فين دلوقتي؟ أنت تعرف مكانه؟
سكت رامي، ونظر لمنصور وسامي اللذين كانا يرتجفان خوفاً.
رامي (بتردد): لسة بندور يا بوص.. هنفتش بيته، ورجالتنا مراقبة صاحبه كريم، وأمه في البيت. بس لسة مظهرش ليه أي أثر. عمر مكنش غبي، مكنش شايله في مكان واضح.
البوص (يقف في الظل، صوته يزداد برودة مخيفة): عمر كان أذكى منك يا رامي. ودلوقتي، إحنا داخلين على عملية جديدة.. شحنة السلاح الكبيرة اللي جاية عن طريق الميناء الأسبوع الجاي. العملية دي بمليار جنيه، ومش عاوز فيها أي غلطة.. أي غلطة معناها رقابكم كلكم. والملف ده لازم يرجع، لو الملف ده وقع في إيد الشرطة، أو إيد حد يعرف يستخدمه، إحنا كلنا هنتدفن صاحيين. فتشوا الدنيا، اقلبوا البلد، هاتوا كريم، اضغطوا على أمه.. المهم الملف يكون عندي قبل ميعاد الشحنة!
رامي (بانصياع تام): أمرك يا بوص.. اعتبره حصل، مش هنام لحد ما الملف يكون تحت إيدك.
---------------
في الكافيتريا ذاتها التي شهدت الفراق الدامي. الجو كان ليلاً، والمكان شبه خالٍ إلا من عاملين يجهزان لإغلاق المكان. كانت حبيبه تجلس على نفس الترابيزة التي جلست عليها مع عمر في ليلتهما الأخيرة. هربت من بيتها ومن ضغوط والدها وجاءت إلى هنا، إلى المكان الذي تراه فيه في كل زاوية. كانت تنظر إلى المساحة الفارغة أمامها، وتتخيل وجهه، كلماته، طريقته في الإمساك بيها.
دموعها كانت تنزل بهدوء، تمسحها بكوفيتها الصوفية، وتشعر بالندم يمزق أحشاءها.
حبيبه (تهمس لنفسها وبكاؤها يزداد): أنا آسفة يا عمر.. أنا اللي سبتك ومشيت. لو كنت فضلت جنبك، لو كنت سمعتك.. كان زمانك معايا دلوقتي..
فجأة، انقطع حبل أفكارها بصوت حفيف مقعد يُسحب أمامها. رفعت رأسها بسرعة بملامح متفاجئة ومذعورة، لتجد رجلاً كبيراً في السن، ذو لحية بيضاء خفيفة ووجه يحمل تجاعيد تحكي قصصاً طويلة، وعيناه كانتا تحملان بريقاً غريباً، غير طبيعي، كأنه يرى ما لا يراه الآخرون. كان يرتدي معطفاً طويلاً قديماً، وجلس بكل هدوء واضعاً يديه على الترابيزة.
حبيبه (بخوف، تمسح دموعها بسرعة وتتحدث بحدة): أنت مين؟ وعاوز إيه؟ ودخلت هنا إزاي وقعدت كدة؟
الرجل الغامض (يبتسم ابتسامة هادئة ومريحة، صوته كان عميقاً ويتردد في أذنها كالموسيقى): مش مهم أنا مين يا حبيبه.. المهم أنتِ مين، والوجع اللي واكل قلبك ده آخره إيه.
حبيبه (تزداد دهشتها وخوفها): أنت تعرف اسمي منين؟ أنت تعرفني؟ ولا تبع مين؟ امشي من هنا وإلا هصوت وألم عليك الناس!
الرجل الغامض (لم يتحرك، ولم تتغير نبرته الهادئة): انا عارفك كويس وعارف عنك كل حاجة. أنا مش تبع حد.. أنا جاي عشانك أنتِ. حياتك دي صعبة أوي يا حبيبه.. شايلة ذنب مش ذنبك، وماشية في طريق فاكرة إن ملوش نهاية، وبتبكي على وعود مكسورة.
سكتت حبيبه، شلت الصدمة لسانها. الكلمات التي قالها كانت تلمس أعمق أسرارها التي لم تحكها لأحد.
حبيبه (بصوت يرتجف): أنت.. أنت عارف إيه عني بظبط؟
الرجل الغامض (يقف ببطء، وينظر إليها بنظرة مليئة بالغموض والمعرفة): عمر مرحش لسه. قصتك لسة منتهتش يا حبيبه.. بالعكس، القصة لسة بتبدأ دلوقتي. كل اللي شوفتيه ده كان مجرد الفصل الأول من كتاب طويل مكتوب من زمان.
حبيبه (تقف هي الأخرى، وتتمسك بالترابيزة): يعني إيه؟ فهمني! أنت قصدك إيه؟ عمر مات! أنا شوفته بيموت قدام عيني!
بدأ الرجل بالتحرك والابتعاد نحو الباب بخطوات هادئة، والتفت إليها قبل الخروج، وابتسم ابتسامة غامضة للغاية، وقال بصوت واضح وصل إلى أعماق روحها:
"أنتِ اللي بإيدك تغيري مصيرك.. محدش غيرك يا حبيبه. المصير مكتوب، بس القلم ساعات بيرجع يكتب تاني لمن يستحق الفرصة وأنتِ فرصتك هتيجي بس مش دلوقتي."
خرج الرجل واختفى في ظلام الشارع وكأنه تبخر وسط الضباب والمطر الخفيف. ركضت حبيبه نحو الباب تبحث عنه يميناً ويساراً، لكن الشارع كان خالياً تماماً، ولا يوجد سوى صوت الرياح. عادت إلى الداخل، وهي تشعر بدوار غريب، وكلمات الرجل تتردد في عقلها كأنه إنذار أو وعد جديد.. "أنتِ اللي بإيدك تغيري مصيرك".
تاركاً حبيبه في حيرة كبرى، وشيرين بانتظار معجزتها، وعالم رامي والبوص يغلي بحثاً عن الملف.. فماذا يخبئ المصير المكتوب مرتين؟
نهاية البارت العاشر.....
..... يتبع🦋
بـقـلـم الكاتبة: حـبـيـبـه مـحـمـد✍🏻♥
7ekayatBebo📖💕