البارت الخامس عشر✨
الدنيا بدأت تنور برة، وصوت المطر خف وبقى فيه نسمة هوا دافية داخلة من الشباك. عمر فتح عينيه براحة، لقى حبيبه لسة نايمة في حضنه زي الملاك، وشعرها الطويل مفروض على صدره. ابتسم بحنان وبدأ يحرك صوابعه بين خصلات شعرها براحة، بعدين نزل إيده على وشها وبقى يمسح على خدها الناعم، وبدأ يرخم عليها ويمشي صوابعه على مناخيرها وشفايفها عشان تصحى.
حبيبه كشرت وهي مغمضة عينيها، وزقت إيده بكسل وهي بتتحرك لجوة حضنه أكتر. عمر ضحك بصوت واطي وقرب وبدأ يبوسها في كل حتة في وشها؛ على خدودها وجبينها وعينيها.
حبيبه (بصوت نايم ومبحوح وكله رقة): "عمر.. خلاص بقى بس.. سيبني."
راحت حضناه جامد ودفنت وشها في رقبته وقالت: "عاوزة أنام في حضنك شوية كمان.. الجو برد برة."
عمر (برخامة وغمزة وهو بيلعب في شعرها): "تنامي في حضني بس لا.. أنا ممكن أتهور على فكرة لو فضلتي قريبة كدة، متلوميش غير نفسك بقا!"
حبيبه رفعت راسها وضربته بكف إيدها الصغير على صدره، وبصت في عينيه وقالت بصوت ناعم ومذبل من النوم: "عمر..!"
عمر (اتنهد وقال بلهفة): "قلبه.. يا لهوي على القمر بتاعي يا ناس وهو لسة صاحي! أنتِ إزاي حلوة كدة على الصبح؟ حرام عليكي كدة كتير على قلبي."
حبيبه بصوت ناعم ومذبل: "عمر خلاص بقا..!"
عمر اتنهد وقرب من وشها أوي لدرجة إن أنفاسهم اتأبلت، وبص في عينيها بشغف وحب حقيقي وقرّب من شفايفها وباسها بوسة رقيقة وطويلة عبرت عن كل الخوف والحب اللي جواه ليها، وحبيبه استسلمت للبوسة دي وهي حاسة إنها ملكت الدنيا كلها.
عمر بعد عنها ثواني وبص لملامحها اللي تجنن، وأنفاسه بدأت تسرع من كتر عشقه ليها.. بص في عينيها اللى بتلمع بكسوف ورجاء دافئ، فـ رجولته وخوفه عليها سحبوه لبر الأمان. سكت وبص لها وبدأ يهدى، ورفع إيدها الصغيرة اللي كانت ماسكة التشرت، وباس كف إيدها بحنان كبير
عمر بنبرة مليانة عشق وصوت دافي: "أنا اسف يا قلب عمر.. متزعليش مني، بس ملامحك ع الصبح تدوّخ."
حبيبه بصتله وابتسمت برقة ودوبان من كتر حنيته ليها، وإنه دايماً بيكون أمانها ومبيضغطش عليها في أي حاجة، وراحت مادّة إيديها وحضنته جامد ودفنت راسها في صدره
حبيبه بصوت طالع من قلبها: "بحبك اووى يا عمر."
عمر ابتسم ودموعه كادت تنزل من كتر الفرحة، وضمها لأقوى حتة في صدره وباس دماغها بحنان وقالها بصوت دافي هز كيانها: "وأنا بعشقك يا قلب وعيون عمر من جوة."
حبيبة (ابتسمت بخجل ورجعت نامت على صدره وقالت بدلع): "عمر.. عاوزة أنام."
عمر (باس راسها وضبط الغطا عليها): "نامي يا قلب عمر.. نامي."
--------
على الظهر، جوة شركة المنشاوي، كانت الحركة سريعة جداً. فؤاد وعادل كانوا قاعدين في مكتب فؤاد، وقدامهم أوراق الشغل.
فؤاد (بيشرب قهوة وبيتكلم بتركيز): "بص يا عادل، الحسابات دي بتاعة عقود التوريد الجديدة للمصانع لازم نمضيها النهاردة. بس أنا عاوزك تركز معايا شوية عشان بقالك فترة مخك مشغول برة الشركة."
عادل (ببرود ونظرة حادة وبيلم ورقه): "متشغلش بالك بيا يا فؤاد، أنا مركز في كل حاجة ومتابع.. امضي أنت العقود دي، وأنا هقوم دلوقتي ورايا مشوار شخصي مهم لازم أخلصه."
فؤاد (بص لأخوه): "ماشي يا عادل.. ربنا يعينك."
----------
ادم وندى قاعدين في كافيه هادي، ونسمة الهوا طايرة ولطيفة. ادم ساند بضهره ومركز عينيه في ملامح ندى ومبتسم بروقان ومشاكسة، وندى وشها بقى طماطم من كتر الكسوف وبتحاول تداري نظراتها في المنيو اللي في إيدها.
ندى (بكسوف): ادم.. بطل تبصلي كدة، الناس بتتفرج علينا!"
ادم (بضحكة): "م يتفرجوا.. أنا ببص لحبيبتي وخطيبتي أنشأ الله ومستقبلي كله. أنا بعد الأيام عشان الكلية تخلص يا ندى ونكون في بيت واحد.. أنا بحبك أوي."
ندى (بابتسامة رقيقة): "وأنا كمان بحبك يا ادم.. ربنا يخليك ليا يارب يحبيبي
ادم (رجع لضحكته ورخامته تاني): "ويخليكي ليا يا قمر.. ها، هتاكلي إيه بقى؟ عشان أنا جايبك هنا النهاردة أدلعك وأطلب لك المطعم كله عشان خاطر عيونك دول!"
وقعدوا يتكلموا ويهزروا في بكلام كله حب ورومانسية.
---------
في قصر المنشاوي
في الأوضة، حبيبه صحيت وكانت لسة في حضن عمر، بس المرة دي لقت عمر هو اللي نايم وتعبان. قعدت تبص لوشه بابتسامة، وجت في دماغها فكرة ترخم عليه زي ما عمل الصبح.
قامت قعدت على السرير، ومسكت شعرها وخليت أطراف شعرها الطويل تنزل على وش عمر وعينيه ومناخيره وبقت تحرك شعرها يمين وشمال عشان تضايقه.
عمر كشر وهو نايم وحرك إيده: "خلاص بقى.. بطلي رخامة عاوز أنام."
حبيبه بضحكة دلع وصوت ناعم: "لأ مش هبطل.. يلا اصحى كفاية نوم بقى! نمنا كتير أوي والدنيا بقت العصر خلاص."
عمر فجأة فتح عينيه وبابتسامة خطافة، وراح شاددها من إيدها بقوة لدرجة إنها وقعت فوق صدره تاني ونزل الغطا عليهم، وقرّب منها وحضنها من وسطها ودفن وشه في رقبتها وبقى يبوسها بنعومة، وحبيبه بقت تضحك وتتلوى في حضنه من كتر الكسوف والدغدغة.
حبيبه بآهة ناعمة ودلع: "عمر.. خلاص بقى قوم!"
عمر بص في عينيها وصوته كله حنية: "قلبه وعيونه.. صباح الخير يا قلب عمر."
حبيبه: "يلا خلينا نقوم بقى، طنط شيرين زمانها مستنيانا تحت."
عمر حاوط وسطها بإيديه وثبتها وباس خدها: "مش عاوز أقوم.. أنا عاوزك تفضلي في حضني كدة علي طول، لو عليا أنا مش عاوزك تطلعي من الحضن ده خالص ولا تروحي في أي حتة برة عيني."
حبيبه فرحت بكلامه وبقوا يتكلموا كلام كتير أوي رومانسي وهو يبوس إيدها ويخططوا ليومهم لحد ما أقنعته وقاموا غيروا هدومهم ونزلوا.
------
تحت في الصالون، قعدوا مع شيرين، والجو كان كله ضحك وهزار وهادي جداً.. شيرين كانت قاعدة بتبص لهم وفرحانة أوي بشكلهم مع بعض وإيديهم المتبتة في بعض، والكل نسى الهم والمشاكل شوية.
شيرين ابتسمت بحنان وقالت: "تعرفوا.. أنا بقالي كتير مشوفتش الضحكة دي في عيونكم؟ ربنا يخليكم لبعض يارب، شكلكم جنب بعض كدة بيفكرني بأيام زمان."
حبيبه ضحكت برقة: "أيام زمان دي كانت كلها غلب يا طنط شيرين.. عمر ده مكنش بيبطل رخامة عليا أبداً!"
عمر رفع حاجبه بمشاكسة: "أنا؟ ده أنا كنت غلبان ونسمة، أنتِ اللي كنتِ قماصة وبتعيطي من أقل كلمة!"
شيرين ضحكت بصوت عالي: "لا يا عمر، حبيبه عندها حق.. أنت كنت شقي ورزل جداً معاها، وخصوصاً اليوم اللي كنتوا بتلعبوا فيه في الجنينة برة.. فاكرة يا حبيبه؟"
حبيبه عينيها لمعت بضحك: "ياه يا طنط.. هو اليوم ده يتنسى؟! ده بهدلني وبهدل العرايس بتاعتي عشان الغيرة المضحكة بتاعته!"
--------
(FLASHBACK):
الجو كان شمس وجميل في جنينة القصر الكبيرة. حبيبه الصغيرة (عندها 6 سنين) قاعدة في الجنينة بكل رقة ولابسة فستان أبيض وضفايرها نازلة على ظهرها، وقدامها العرايس اللعبة بتاعتها بترصهم وبتكلمهم بطفولية.
فجأة، ظهر عمر الصغير (عنده 6 سنين برضه) وهو بيجري وشايل في إيده كورة، وعينيه كلها شقاوة. أول ما شافها قاعدة هادية، ساب الكورة وقرب منها وقال بحماس طفولي: "حبيبه! يلا سيبك من اللعب الفاضية دي وتعالي العبي معايا كورة، هعلمك تشوطي إزاي!"
حبيبه (بصت له ببرود طفولي ولوت بوزها): "لأ يا عمر مش عاوزة.. الكورة دي بتوجع رجلي، وأنا بلعب مع العرايس بتاعتي ومبسوطة كدة."
عمر وشه اتقلب، وظهرت عليه علامات الضيق والزعل لأنه رافضة تلعب معاه، وملامحه بدأت تتحول لغيرة وغيظ طفولي شديد. قرب منها خطوة وبدأ يزعق بصوت طفولي حاد: "اشمعنى يعني؟! اشمعنى بتلعبي مع يوسف ابن الجيران لما بيجي، ومعايا أنا لأ؟! أنا شوفتك امبارح واقفة معاه في الجنينة وبتديله اللعبة بتاعتك! ليه بتلعبي معاه هو معايا أنا لا؟!"
حبيبه (قامت وقفت وربعت إيدها بغيظ طفولي): "يوسف مش بيطير الكورة في وشي يا عمر! ويوسف رقيق ومش بيزعقلي!"
عمر عروقه الصغيرة برزت من كتر الغيرة والغل، ومقدرش يستحمل كلامها، فـ راح مادد إيده بسرعة وشد العروسة الكبيرة بتاعتها من إيدها بغضب وجرى بيها ورفعها لفوق: "طب مفيش لعب بقى! ومش هتاخدي العروسة دي خالص!"
حبيبه بدأت تجري وراه بفستانها الأبيض وهي بتصرخ بدموع وطفولية: "هات العروسة يا عمر.. يا عمر هات الأميرة بتاعتي هتبوظها كدة! أنت رزل!"
عمر وقف فجأة ولف ليها، وبص في عينيها بكل تملك وجبروت طفولي، وزعق فيها وهي بتعيط وقال بنبرة حاسمة: "أنتِ ممنوع تلعبي مع حد غيري خالص! لا يوسف ولا غير يوسف! أنا بس اللي تلعبي معاه في الدنيا دي سامعة؟! عشان أنتِ بتاعتي أنا.. بتاعت عمر وبس!"
حبيبه شهقت وعيطت أكتر من زعيقه : "لأ أنا مش هلعب معاك برضو! هات العروسة بقى يا شرير!"
عمر جرى بالعروسة على جوة القصر عشان يخبيها، وحبيبه جريت وراه وهي بتبكي وتنادّي بأعلى صوتها: "يا طنط شيرين!! يا طنط شيرين تعالي شوفي عمر بيعمل إيه!"
دخلت الصالون وارتمت في حضن شيرين اللي كانت قاعدة، وقالت وهي بتشهق ودموعها مغرقة فستانها: "عمر أخد العروسة بتاعتي يا طنط وزعقلي في الجنينة.. اضربيه بقى!"
عمر دخل وراها بسرعة وهو بيلهث ومستخبي ورا الباب، وشايل العروسة ورا ظهره وعينيه لسه فيها شرارة الغيرة.
شيرين أخدت حبيبه في حضنها وطبطبت عليها وبصت لـ عمر بتمثيل إنها زعلانة: "كدة يا عمر؟ تزعل حبيبه حبيبتك؟ وتزعق لها في الجنينة؟ تعالى هنا وهات العروسة."
عمر قرب براحة وحط العروسة على التربيزة وقال بمكابرة وناشف: "أنا حر.. هي مش راضية تلعب معايا وبتروح تلعب مع ولد تاني برة.. أنا مبحبش كدة."
شيرين ضحكت من قلبها على غيرة ابنها اللي ملوش حل وهو لسه شبر ونص، وأخدت العروسة ادتها لـ حبيبه ومسحت لها دموعها، وبعدين بصت لـ عمر وقالتله بضحكة وحنان: "براحة على مرتك المستقبلية يا واد! دي هتبقى أميرتك لما تكبروا.. ولازم تحافظ عليها وتغير عليها بالراحة مش تخوفها كدة."
عمر الصغير بص لـ حبيبه بتحدي وقال: "ماشي يا ماما.. بس برضه مش هتلعب مع حد غيري."
-------
نرجع للحاضر تاني..
عمر وحبيبه وشيرين غرقوا في الضحك أول ما افتكروا الموقف بكل تفاصيله علي اللي عمر عمله زمان.
عمر بص لـ حبيبه بحب خالص ونظرة تملك ذوبت قلبها: "شايفة؟ يعني موضوع إنك بتاعتي أنا وبس ده متوثق من لما كان عندي 6 سنين.. يعني مفيش مفر يا قلب عمر."
حبيبه وشها احمر بكسوف وضحكت بدلع: "كنت مسيطر ومفترس من صغرك يا عمر.. مكنتش بتديني فرصة اتنفس!"
شيرين طبطبت على رجليها وفرحانة بيهم: "وهيفضل يغير عليكي كدة طول العمر يا حبيبه.. عمر مبيعرفش يحب نص حب، يا يحب بتملك يا بلاش، وإذا كنت زمان بقوله براحة عليها، فـ دلوقتي بقوله شيلها في عينيك يا ابني."
عمر مسك إيد حبيبه وباس كفها بحنان ونبرة صوت دافية هزت كيانها: "دي جوة عيني وفي قلبي يا ماما.. أنا مقدرش اعيش من غيرها أصلاً."
حبيبه ابتسمت بدوبان من كلامه، وشيرين بصت لهم بفرحة ودعت لهم من قلبها.
شيرين ابتسمت وبصت لـ عمر وفجأة افتكرت حاجة: "صحيح يا عمر.. والنبي يا ابني روح لستك دلوقتي، أنا كنت مجهزة لها حاجات وعاوزاك تروح تديها لها."
عمر هز رأسه بالموافقة ومن غير تردد: "ماشي يا ماما، هاتي الحاجة وأنا هروح لها حالاً."
حبيبه بصت له بابتسامة، وعمر قام وقف وأخد الشنط والحاجة من إيد شيرين، وطلع مفاتيح عربيتة من جيبه. بص لـ حبيبه وشيرين وقال: "مش هغيب، هروح أديها ليها وأرجع علطول.. عاوزين حاجة؟"
شيرين: "سلامتك يا حبيبي، خد بالك من الطريق."
عمر نزل وركب عربيتة، دّور الموتور وتحرك بيها في طريقه لبيت جدته عشان يوصل لها الحاجه.
---------
عمر وصل عند بيت جدته، ركن العربيّة ونزل وهو شايل الحاجة اللي بعتتها شيرين. طلع العمارة ووقف قدام الشقة، أخد نَفَس هادي وخبط على الباب.
ثواني والباب انفتح، وظهرت جدته وملامحها أول ما شافته اتغيرت تماماً.. عينيها لمعت بفرحة مش سايعاها، وبقت تبص لملامحه بحب وشوق حقيقي، لأن عمر حفيدها طالع شبه ابنها بالظبط في كل تفاصيله.
عمر ابتسم بضحكته الجذابة وقال بمشاكسة: "إيه يا ست الكل؟ مش هتدخليني ولا إيه؟ هفضل واقف على الباب كدة كتير؟"
جدته شهقت بفرحة وفتحت الباب على آخره: "ادخل يا حبيبي.. ادخل يا قلب تيته! أنا مش مصدقة عيني إني شوفتك.. كدة يا عمر مبقتش تسأل عليا خالص ولا تيجي تشوفني؟"
عمر قرب منها ووطى بحنان كبير باس إيدها وراسها وقال بنبرة مليانة أسف واحترام: "حقك عليا يا ست الكل.. متزعليش مني، أنا عارف إني مقصر معاكي والله، بس غصب عني مشغول شوية الأيام دي والدنيا ضاغطة عليا.. بس أوعدك مش هتحصل تاني وهتزهقي مني بعد كدة."
جدته طبطبت على كتفه بحنان: "أنا أزهق منك أنت يا واد؟ ده أنت اغلي من غلاوة أمك.. ربنا يعينك ويوفقك يا حبيبي."
عمر افتكر الحاجة ورفع الشنط: "آه صحيح.. ماما بعتالك الحاجة دي، خديها."
أخدت منه الشنط وحطتها على جنب وقالتله: "تسلم وتعيش يا حبيبي.. ادخل ادخل اقعد في الصالون عقبال ما أدخل المطبخ أجبلك حاجة تشربها."
عمر شم الهوا بامتياز وضحك بنبرة رخامة: "أشرب إيه بس يا تيته! ده أنا من أول ما طلعت على السلم وأنا شامم ريحة أكل حلو يجنن يدوّخ.. ولا أنتِ مش عاوزة تأكليني ومخبية الأكل عني؟"
جدته ضحكت بصوت عالي على طريقته المشاكسة اللي بتفكرها بزمان وقالت: "من عينيا يا حبيب تيته أنت! ده أنا عاملالك الأكل اللي قلبك بيحبه.. ادخل اقعد وأنا ثواني وهدخل أحطلك تاكل علطول."
فعلاً، دخلت المطبخ بهمة وفرحة، وغابت دقايق ورجعت وشايلة صينية الأكل سخنة وريحتها تقلب الدماغ. حطتها قدامه وقعدت جنبه،
وبدأت تحط له الأكل بإيدها: "يلا يا حبيبي، سَمّي الله وكل.. دوق كدة وقولي رأيك."
عمر بدأ ياكل بـ استمتاع: "تسلم إيدك يا تيته، بجد أكلِك ده ملوش مثيل في الدنيا كلها.. وحشني جداً."
جدته بصت له بحنان وبدأت تفتح معاه كلام: "بالهنا والشفا يا قلب تيته.. قولي بقى، أخبارك إيه وأخبار حبيبه إيه؟ شيرين لمحتلي كدة إن عينك منها والقلوب عند بعضها.. طمني؟"
عمر ابتسم أول ما سيرة حبيبه جت، وعينيه لمعت بحب وعشق حقيقي: "الحمد لله يا تيته، حبيبه بتسلم عليكي كتير.. وموضوع إني بحبها ده مابقاش اختياري أصلاً، دي جوة قلبي من صغرنا، بس ادعي لنا أنتِ الفترة دي تعدي على خير ودنيتي تظبط عشان أطلبها رسمي وأخليها ليا قدام الدنيا كلها."
جدته هزت راسها بنصيحة دافية وابتسامة: "بدعيلكم والله في كل صلاة يا ابني.. بس خد بالك منها يا عمر، حبيبه بنت رقيقة ومفيش في طيبة قلبها، والست دايماً بتميل للراجل الحنين اللي بيحتويها.. طول ما أنت أمانها وسندها، هتشيلك في عينيها وتستحمل معاك أي حاجة."
عمر سكت ثواني وبص لجدته بنبرة رجولة صادقة: "أنا حاططها في عيني والله يا تيته.. حبيبه دي طفلتي، ومستحيل أسمح لحاجة تأذيها أو تزعلها.. بس أوقات ضغوط الدنيا بتخليني مشدود وخايف عليها بزيادة."
جدته بطيبتها : "الخوف مطلوب يا حبيبي بس متخليش الشدّة تخوفها منك.. الراجل الحقيقي هو اللي تترمي في حضنه وقت خوفها عشان تحس بالأمان.. خليك دايماً بر الأمان ليها."
عمر اتنهد براحة وكلام جدته نزل على قلبه برد وطمأنينة، وباس كف إيدها تاني وقال: "ربنا يخليكي لينا يا تيته وميحرمنيش من نصايحك ودعواتك اللي بتنورلي طريقي دي."
وقعدوا يكملوا أكل وسط كلام كله ونس ودفا، وعمر نسى مع جدته كل ضغوط والمشاكل اللي برة.
عمر خلص أكل، وقام دخل الحمام غسل إيده، وفي نفس الوقت جدته لمت الصينية وشالتها ودخلت بيها على المطبخ.
عمر خرج وراح وقف على باب المطبخ، ساند بضهره على الحيطة ومبتسم.
جدته لفت وبصت له وقالت: "بالهنا والشفا يا قلب تيته.. هعملك بقى حاجة تشربها، تشرب إيه؟"
عمر بضحكة رقيقة: "ياريت فنجان قهوة مظبوط من إيدك كدة.. لو مش هتعبك معايا يعني يا ست الكل."
جدته ابتسمت بحنان وهي بتولع عين البوتاجاز: "تعبك راحة يا قلب وعيون تيته.. ادخل أنت اقعد بره وثواني وهتكون عندك."
عمر خرج وقعد في الصالون ومسك تليفونه يطمن على كذا حاجة، ودقايق وجدته خرجت من المطبخ وهي شالة فنجان القهوة السخن وريحتها وشها يجنن.
جدته قربت منه : "اتفضل يا حبيبي، أحلى فنجان قهوة ليك."
عمر رفع عينه من التليفون ومد إيده عشان ياخد منها الفنجان، وبسبب إن الفنجان كان سخن شوية، فلت من إيدهم هما الاثنين بالغلط ودلق كله على قميص عمر!
عمر اتخض وقام وقف بسرعة وهو بيحاول يبعد القميص السخن عن جسمه: "أوف!.. يا نهار أبيض."
جدته شهقت بخضة وقلق شديد وجريت عليه: "يا حبيبي! يا لكسوفي منك يا ابني.. معلش يا عمر غصب عني والله الفنجان فلت من إيدي، أنت كويس؟ جسمك اتلسع؟"
عمر رغم السخونية ضحك عشان يطمنها: "فداكي يا ست الكل متقلقيش، أنا كويس مفيش حاجة، القميص بس هو اللي اتبهدل."
جدته بلهفة وخوف وهي بتشد طرف القميص: "طب اقلع بسرعة القميص ده وهات أنظفهولك حالاً قبل ما البقعة تمسك فيه، وعلشان صدرك كمان ميتلسعش من سخونية القهوة.. اقلعه يلا يا حبيبي عقبال ما أشوفلك حاجة تلبسها."
عمر ابتسم على خوفها وحنانها وبدأ يفك زراير القميص: "حاضر يا تيته، من عنيا.. ولا تزعلي نفسك خالص، فداكي أي حاجة."
جدته قبل متمشي: بص يا عمر ادخل الأوضة اللي على إيدك اليمين دي، هتلاقي في الدولاب جوة هدوم، البس حاجة عقبال م انضفهولك يبني."
عمر ابتسم وقال لها: "حاضر بس مش لزمن تنضفيه."
عمر قام ودخل الأوضة.. الأوضة كانت هادية وفيها ريحة زمان، قرب من الدولاب الخشب القديم وفتحه وبدأ يقلب في الهدوم عشان ينقي حاجة يلبسها. وهو بيشد قميص من على الشماعة بالراحة، فجأة فيه علبة صغيرة كانت مستخبية وسط الهدوم اتهزت، ووقعت منها صورة قديمة على الأرض.
عمر وطى جاب الصورة من على الأرض، وأول ما عينيه وقعت عليها، جسمه كله اتنفض والصدمة لجمت لسانه! ملامحه اتقلبت وبقى مبرق ومش مصدق اللي شايفه. طول عمرهم في البيت بيقولوا له: "أنت نسخة من خالك عمر اللي مات"، بس هو عمره ما شاف له صورة.
عمر بص في الصورة، لقى شاب واقف.. الشاب ده كان نسخة طبق الأصل منه، كأنه باصص في المراية بظبط! بس الصدمة الأكبر والمصيبة اللي خلت عقله يودي ويجيب.. البنت اللي كانت واقفة في الصورة مع خاله وبتضحك من قلبها.. كانت نسخة من "حبيبه" البنت اللي عمر بيحبها دلوقتي! نفس الملامح البريئة ونفس الضحكة!
عمر مكنش قادر يستوعب، خرج من الأوضة بسرعة وهو ماسك الصورة بإيد بتترعش، ووشه مخطط وخالي من الدم. دخل الصالة على جدته وقال بنبرة مذهولة ومخطوفة: "تيته!! إيه الصورة دي؟ ومين دول بالظبط؟! أنتم دايماً بتقولوا لي إني شبه خالي عمر.. بس مش للدرجة دي! ده أنا كأني شايف نفسي في الصورة! ومين البنت اللي معاه دي يا تيته؟! دي شبه حبيبه بظبط.. نسخة منها!"
جدته أول ما شافت الصورة في إيده، دموعها نزلت على طول، وأخدت الصورة منه وبستها بحرقة وقعدت على الكرسي وهي بتعيط وقالت بصوت مكسور: "الله يرحمك يا قلب أمك.. أيوة يا بني، ده خالك عمر الله يرحمه، وأنت شبهه في كل حاجة.. سبحان الله يخلق من الشبه أربعين."
عمر قعد تحت رجليها ومسك إيدها وقال بلهفة وتفكير: "طب والبنت يا تيته؟ مين البنت دي؟"
جدته وقالت وعيونها مليانة دموع: " البنت دي تبقى حبيبه، أم حبيبه اللي أنت بتحبها دلوقتي! وخالك عمر زمان كان بيعشقها ودايب في دباديبها، وهي كمان كانت بتموت فيه.. بس الدنيا مكانتش سيباهم في حالهم، واحنا وقتها كنا بنمر بضائقة كان علينا ديون كانت مكومة علينا ومغرقة البيت عشان جهاز امك والديون كانت هتحبسنا وتخرب بيتنا، وخالك مكنش حيلته حاجة يعملها."
عمر ركّز معاها وعيونه مفتوحة على الآخر: "وعمل إيه يا تيته عشان يلحقكم؟"
جدته كملت بعياط وقهرة: "اضطر يرمي نفسه في النار يا بني.. اشتغل شغلانة خطر مع ناس مبترحمش، دخل في سكة صفقات مشبوهة مع واحد اسمه رامي! رامي ده كان راجل قاسي وواصل، وكان بيستغل فقر خالك وذكائه عشان يخليه يخلص له حسابات مشبوهة ويشيل هو الليلة.. خالك رضي بالمر والشغلانة دي بس عشان ياخد الفلوس ويسد ديوننا وعشان العلاج بتاعي، وعشان يقدر يبني نفسه ويتجوز حبيبه حبيبته."
عمر سألها بصوت مهزوز: "وطالما سد الديون.. مات إزاي يا تيته؟ رامي ده عمل فيه إيه؟"
جدته صرخت بنبرة تقطع القلب وعياطها زاد: "مات غدر يا بني! خالك بعد ما خلص ديوننا، لقى تحت إيده ملف خطير يدين رامي ويسجنه طول عمره، وخالك رفض يكمل في الحرام وقرر يتوب ويسلم الملف ده للبوليس عشان ينظف إيده.. بس رامي الكلب عرف! دبر له حادثة وخلص عليه، وفي اللحظة دي.. حبيبه لمت نفسها وجريت عليه وهو مرمي في الشارع على الأرض ودمه مغرق الدنيا حواليه، والسما كانت بتمطر بغزارة كأنها بتعيط عليه، وهي حاضناه وبتصرخ بأعلى صوتها باسمه.. المنظر ده عمري م هقدر اتخيله ! حبيبه بعد ما عمر مات اتكسرت، واتجوزت عادي وهي ميتة من الحزن والقهرة.. والملف ده اختفى ومحدش عرف طريقه لحد النهاردة!"
عمر قام وقف في نص الصالة، وعقله هيطير من الصدمة، وبص للصورة تاني وهو حاسس إن التاريخ بيعيد نفسه، ونفس الأسامي ونفس الملامح ونفس الوجع بيطاردوه هو وحبيبه في الحاضر!
عمر همس لنفسه بصوت مرعوب والذهول شل كيانه: "يا نهار أبيض.. ده نفس الحلم! ده نفس الحلم والمنظر اللي حبيبه دايماً بتحكيهولي وتقولي إنها بتشوفه في نومها وبتصحي تصرخ منه! المطر.. والدم.. وأنا مرمي على الأرض وهي بتجري عليا!! معقولة يكون كل ده حقيقي؟! معقول يكون القدر بيعيد نفسه والسر ده وراه مصيرنا احنا الاتنين؟!"
نهاية البارت الخامس عشر....
...... يتبع🦋
بـقـلـم الكاتبة: حـبـيـبـه مـحـمـد✍🏻♥
7ekayatBebo📖💕