البارت الثاني عشر ✨
مرت عشرون سنة كاملة. تغيرت وجوه وتبدلت أحوال، لكن هناك أشياء ترفض أن تموت أو تتغير مع مرور السنين.
في قصر كبير وفخم يقع في أحد الأحياء الراقية، كانت السماء في الخارج سوداء كالحبر، والمطر ينهمر بغزارة شديدة لا تتوقف، مصحوباً بأصوات رعد قوية تزلزل الجدران، وبرق يضيء الغرف المظلمة لثوانٍ ثم يختفي.
في إحدى غرف القصر الواسعة، كانت حبيبه نايمة على سريرها، تتقلب بقلق، ووجهها يتصبب عرقاً رغم برودة الجو في الخارج.
كانت حبيبه تعيش في تلك اللحظة كابوسها المرعب الذي يتكرر معها منذ صغرها.. كانت ترى في حلمها مطراً غزيراً، وشاطئ شارع ضيق، ودماء كثيرة تسيل على الأسفلت المبلول، ورجلاً يرتدي جاكيت جلد يقع على الأرض وهو شاحب اللون، وصوتاً أنثوياً يصرخ بأعلى قوة: "عمرررر!".
فجأة، ضربت صاعقة رعد قوية جداً هزت شباك الغرفة، فاستيقظت حبيبه مفزوعة وهي تتنفس بسرعة، وقلبها يدق كأنه طبول. نظرت حولها بخوف شديد، وبدأت تبكي بصمت من شدة الرعب. لم تتحمل البقاء بمفردها في الغرفة، فنهضت من سريرها بسرعة، وكانت ترتدي بيجامة خفيفة، وخرجت من غرفتها بخطوات مرتعشة.
مشت في الممر الطويل المظلم للقصر، حتى وصلت إلى باب الغرفة المقابلة لغرفتها. فتحت الباب ببطء وهدوء شديد، ودخلت ثم أغلقت الباب وراءها بلقطة سريعة. تقدمت نحو السرير الكبير حيث كان هناك شخص ينام بعمق تحت الغطة. تسللت حبيبه بجانبه على السرير، وسحبت الغطاء وتغطت معه، ثم أعطته ظهرها وحضنت يديها من شدة البرد والخوف.
شعر الشخص بحركتها، فاستيقظ ببطء. لم يكن هذا الشخص سوى عمر (ابن شيرين وفؤاد). التفت عمر ونظر إليها في ظلام الغرفة، وعلم فوراً أنها خائفة. مد يده وحضنها من الخلف بقوة، ودفن وجهه في رقبتها وشعرها ليطمئنها، فوضعت حبيبه يدها على يده التي تحضنها وشعرت بالدفء والأمان.
عمر (بصوت ناعم وخافض ومليء بالنوم): إيه اللي جابك هنا يا حبيبه؟ أفرض حد من البيت صحي وشافك خارجة من أوضتي؟
حبيبه (بصوت مبحوح وتلتفت لتعطيه وجهها وتحضنه بقوة): وحشتني.. وحشتني أوي يا عمر، وجيت عشان كدة بس.. أنا خايفة أوي من صوت الرعد.
عمر (يمسح على ظهرها بحنان): حلمتي بنفس الكابوس المرعب تاني؟
حبيبه (تدفن رأسها في صدره): آه.. نفس الحلم اللي مش عايز يسيبني أعيش في سلام.
عمر: طب احكيلي.. شوفتي إيه المرة دي في الحلم؟
حبيبه (بتعب): مش فاكرة التفاصيل.. كل اللي فاكراه هو الدم والمطر والوجع اللي في قلبي لما بصحى.. عمر، أنا عاوزة أنام مش قادرة أفكر.
ضحك عمر خفيفة، وضغط عليها في حضنه أكثر، وقبل رأسها بهدوء.
عمر (بابتسامة): نامي يا قلب عمر.. نامي وم تخافيش، أنا جنبك ومحدش هيقدر يقرب منك.
استسلمت حبيبه للنوم في حضنه الدافئ، بينما ظل عمر صاحياً لبعض الوقت ينظر إلى وجهها في الظلام، ويشعر برغبة قوية في حمايتها من كل شيء، حتى من أحلامها.
-------
في الصباح التالي، تلاشت العاصفة وحلت خيوط الشمس الدافئة على القصر. في المطبخ الواسع، كانت شيرين (أم عمر) تقف بكامل أناقتها وتوجه الخدم بإعداد الفطور وترتيب السفرة للعائلة.
في نفس الوقت، خرج عادل (أبو حبيبه) وأخوه فؤاد (أبو عمر) من غرفة المكتب في الدور الأرضي، وكانوا يرتدون بدلاً رسمية ويتحدثون بجدية عن صفقات الشغل والشركات التي يديرونها معاً. توجهوا نحو صالة الطعام حيث كانت شيرين تقف.
فؤاد (ينظر حوله): صباح الخير يا شيرين.. فين الولاد؟ السفرة جاهزة وهم لسة مانزلوش؟
شيرين (بابتسامة): صباح الخير يا فؤاد.. أنا لسة طالعة حالا أصحيهم عشان يفطروا قبل ما تخرجوا.
عادل (بسرعة ونبرة جافة): لا يا شيرين، خليكي أنتِ.. أنا هطلع بنفسي أصحى حبيبه. أنتِ عارفة إن بنتي دلوعة ومحدش بيعرف يخليها تصحى رايقة غيري.
أومأت شيرين برأسها وتابعت عملها، بينما صعد عادل إلى الدور الأعلى.
-------
في هذه الأثناء، في غرفة عمر، ضرب منبه الموبايل بصوت عالٍ. فتح عمر عينيه، ووجد حبيبه لسة نايمة في حضنه كالملاك الصغير. ابتسم بوعي، وبدأ يمرر يده برقة على شعرها ويمسح على وجهها ببطء ليضايقها وتستيقظ.
حبيبه (تتقلب بضيق وتزق يده): خلاص بقى يا عمر.. سيبني أنام شوية كمان.
عمر (يضحك ويقترب من أذنها ): قومي بقى يلا بلاش كسل.
حبيبه فتحت عينيها ونظرت إليه بغيظ وهي تحاول الابتعاد. اقترب عمر فجأة وطبع قبلة سريعة على خدها.
عمر (بغمزة): قومي يلا قبل ما أتهور وأعمل حاجة أحسن من كدة، وأنتِ عارفة إني مجنون.
حبيبه (تزقه بخجل وتقوم من على السرير): أنت رخم أوي على فكرة! وبعدين.. يلا بسرعة انا لزمن اخرج قبل ما حد يجي من الخدم أو مامتك ويشوفني هنا في أوضتك باللبس ده.
نظر عمر إلى ملابسها (البيجامة الخفيفة) وتحولت ملامحه فجأة إلى الجدية والحدة والغيرة الواضحة.
عمر (بصوت حازم): حبيبه.. أنا مش قولت كذا مرة اللبس ده ميتخرجش بيه برة الأوضة بتاعتك أبداً؟
حبيبه (بتعجب): مين يعني هيشوفني يا عمر؟ القصر مفيش فيه حد غريب.. مفيش غيرك أنت، وبابا، وأبوك وأمك.
عمر (يقف ويمسك ذراعها بخفة لكن بحزم): برضو! متخرجيش من أوضتك كدة. أنا مش بحب حد يشوفك باللبس ده نهائي، وخصوصاً أبوكي!
حبيبه (تضحك بعدم فهم): إيه الهبل ده يا عمر؟ ده بابا! يعني إيه خصوصاً بابا؟
عمر (بنبرة غاضبة وغيرة): ميخصنيش بابا ولا مش بابا! أنا مش برتاح لتصرفاته وطريقته معاكي. وبعد كدة، باب أوضتك يتقفل بالمفتاح وأنتِ نايمة، أنتِ فاهمة ولا لأ؟
حبيبه: محدش بيدخل الأوضة من غير ما يستأذن أصلاً يا عمر، إيه القلق ده كله؟
عمر (يقترب منها ويمسك يديها الاثنين وينظر في عينيها بطلب ورجاء): وبالنسبة لعمي عادل اللي بيدخل عليكي الأوضة في أي وقت ومن غير استئذان ويقعد يصحيكي؟ حبيبه.. عشان خاطري اعملي زي ما بقولك. أنا مش برتاح لعمي عادل ده خالص.. هو اه أبوكي، بس نظراته وتصرفاته وطريقته في التحكم فيكي مش مريحة وم ب طمنيش. اسمعي كلامي وقِفلي بابك.
نظرت إليه حبيبه: ووجدت في عينيه خوفاً حقيقياً عليها وغيرة صادقة، فهدأت ملامحها وابتسمت له برقة.
حبيبه: حاضر يا عمر.. اللي أنت عاوزه هعمله، هقفل الباب ، وهعمل كل اللي يريحك.
اقتربت منه وقبلت خده بسرعة. في تلك اللحظة بالذات، سُمع صوت خطوات سريعة في الممر، وتلاها خبط قوي على باب غرفة عمر،
شيرين : "عمر! أنت صحيت يا ابني؟ يلا الفطار جاهز."
حبيبه (بخوف شديد وهي تتلفت حولها): يا لهوي! طنط شيرين برة.. هنعمل إيه دلوقتي لو شافتني هنا؟
عمر (بهدوء وثبات): اثبتي ومتخافيش.. خليكي واقفة ورايا.
تحرك عمر وفتح الباب بسرعة. نظرت شيرين داخل الغرفة، وتفاجأت بوجود حبيبه واقفة هناك وتبدو متوترة وخائفة جداً.
شيرين (بدهشة واستغراب): حبيبه؟! أنتِ بتعملي إيه هنا في أوضة عمر على الصبح وباللبس ده؟
حبيبه (بتلعثم وخوف): أ.. أ.. أنا كنت.. أنا..
عمر (يقاطعها بسرعة بذكاء ويضحك): أصل يا ماما كانت بتصحيني من النوم، ولقت الباب مقفول من جوة، فخافت عليا واضطرت تنط من البلكونة عشان تدخل تشوفني!
شيرين (تضرب صدرها بخوف): تنط من البلكونة؟! إوعي تعملي كدة تاني يا حبيبه وتنطي! أفرض رجلك اتلوت ولا حصلك حاجة؟ أنتِ مجنونة يا بنتي؟
حبيبه (تنفس الصعداء وتجاري الكذبة): حاضر يا طنط.. مش هكررها تاني، أنا بس كنت قلقانة عليه.
شيرين: طيب يلا أنتِ وهو.. انزلوا عشان الفطار، الكل مستنيكم تحت.
انصرفت شيرين، فالتفت حبيبه إلى عمر وضربته بخفة على كتفه بغيظ.
حبيبه: تنط من البلكونة؟ دي كذبة دي يا ذكي؟
عمر (يضحك بصوت عالٍ): أهو مشت عليها وخلاص.. يلا على أوضتك غيري هدومك وانزلي.
--------
خرجت حبيبه من غرفة عمر وركضت بسرعة نحو غرفتها لتغير ملابسها. فتحت الباب ودخلت، لكنها تجمدت في مكانها من الصدمة والخوف. كان والدها، عادل، يقف في وسط الغرفة، ملامحه كانت مظلمة وعيناه تشعان غضباً قسوة لم ترها من قبل.
عادل (بصوت منخفض مرعب): كنتِ فين يا حبيبه؟
حبيبه (بتردد وخوف): كنت.. رحت أصحى عمر يا بابا.. عشان كنت عاوزة منه حاجة بخصوص الجامعة.
فجأة، تقدم عادل نحوها بسرعة كبيرة، وأمسك ذراعها بقوة وعنف شديد جعلها تصرخ بخفة من الوجع.
عادل (بزعيق وغضب مكتوم وهو يضغط على يدها): مش قولتلك كذا مرة متروحيش أوضة الواد ده تاني؟ أنتِ عارفة لو عرفت إنك روحتي هناك تاني أو قعدتي معاه لوحدكم أنا هعمل فيكي إيه؟ أنا هطربق القصر ده على دماغكم!
حبيبه (الدموع تنزل من عينيها من كثرة الوجع والخوف): بابا.. إيدي بتوجعني.. سيبني عشان خاطر ربنا، أنا م عملتش حاجة غلط.. ده ابن عمي !
عادل (يزيد الضغط على يدها): اوعي أشوفك هناك تاني.. مفهوم ولا مش مفهوم؟!
حبيبه (تبكي بهستيريا): مفهوم.. مفهوم يا بابا حاضر، والله مش هروح تاني!
بعد أن رأى انكسارها وخوفها، ترك يدها فجأة، وتحولت ملامحه القاسية إلى ابتسامة باردة غريبة. مد يده وبدأ يمسح على شعرها بحنان مصطنع ومخيف.
عادل (بنبرة هادئة): شطورة يا حبيبه.. كدة تبقي بنتي حبيبتي اللي بتسمع الكلام. يلا غيري هدومك وانزلي ورايا.
تركها وخرج، بينما ارتمت حبيبه على السرير وهي تبكي بحرقة وتنظر إلى علامات أصابعه الحمراء على ذراعها، وتتذكر كلام عمر وتحذيره لها من والدها.. بدأت تشعر أن هناك سراً أسود يحيط بعلاقتها بهذا الرجل الذي يسمى والدها.
----------
بعد قليل، تجمع الكل على طاولة الفطور . الأجواء كانت هادئة ظاهرياً، لكن كان هناك توتر صامت. حبيبه كانت تجلس بجانب عمر، وتناول طعامها ببطء وعيناها منخفضة نحو الأرض، وتحاول إخفاء ذراعها بملابسها الطويلة. عمر لاحظ هدوءها وخوفها، ونظر إلى عمه عادل الذي كان يأكل بلامبالاة، فشعر عمر بغضب يغلي داخله.
بعد انتهاء الفطور، نهض عادل وفؤاد للمغادرة.
فؤاد: يلا يا عادل عشان متأخرين على اجتماع الشركة والشغل الجديد.
عادل: يلا يا فؤاد..
فؤاد: شيرين، خدوا بالكم من البيت.
خرج الرجلان متوجهين لعملهم. نهض عمر هو الآخر وامسك تليفونه ومفاتيحه.
عمر: ماما.. أنا خارج دلوقتي عشان أقابل صاحبي ادم، و ورايا حاجات في الجامعة وهنخلصها سوا.
شيرين: ماشي يا حبيبي.. ما تتأخرش، وخلي بالك من نفسك.
نظر عمر إلى حبيبه نظرة مطمئنة سريعة قبل أن يخرج، وظلت حبيبه قاعدة مع شيرين في صالة القصر تساعدها في بعض أعمال البيت وتبحث عن أي شيء يشغل تفكيرها.
--------
في مكان آخر تماماً، بعيداً عن أضواء القصر.. داخل نفس المخزن المهجور القديم الذي لم يتغير فيه شيء سوى زيادة الأتربة والصدأ. كان "رامي" قد كبر في السن وظهر الشيب في شعره، وكان يقف مع منصور وسامي.
رامي (يتنهد بضيق): عدت 20 سنة كاملة.. 20 سنة ولسة معرفناش الملف اللي سابه عمر فين! الأرض انشقت وبلعته، والشرطة لسة م طالتش حاجة، بس الملف ده زي القنبلة الموقوتة فوق رقابنا.
منصور (بجدية): انسى الملف دلوقتي يا رامي.. المهم إن الصفقة الجديدة الكبيرة تمت بنجاح والشحنة وصلت الميناء ودخلت المخازن من غير ما حد يحس من رجال مكافحة التهريب. والبوص باعت رسالة بيقول فيها إن فيه صفقة جديدة جاية، بس المرة دي خطيرة جداً ومفيش فيها أي مجال للهزار أو الغلط، لأن العيون كلها علينا.
سامي: إحنا لازم نركز في الجديد.. القديم مات مع عمر، وأمه وأخته عايشين في حالهم وميعرفوش حاجة، وكريم صاحبه اختفى ومبقاش يظهر . خلينا في البوص عشان نفضل عايشين.
--------
في إحدى الكافيتريات المفتوحة بالجامعة والنادي الرياضي المشهور، كان عمر يقف بسيارته، ونزل منها ليلتقي بصاحبه المقرب "ادم" (ابن كريم). ادم كان يشبه أباه في ذكائه وهدوئه، وكان الصديق الصدوق لعمر.
عمر (يضرب ادم على كتفه بهزار): فينك يا عم بقالي ساعة مستنيك؟ أنت بتمشي على قشر بيض؟
ادم (يضحك ويعدل نظارته): اهدى يا عم عمر.. كنت بخلص ورق لينا في الكلية. قولي بقى.. مالك شايف وشك قالب كدة؟ حصل حاجة في البيت؟
عمر (يتنهد بضيق وعصبية): عمي عادل يا ادم.. الراجل ده هيجنني بتصرفاته وتحكماته في حبيبه. أنا مش بطيقه ومش مرتاح له خالص، وبحس إن وراه مصايب كبيرة.
ادم: اهدى يا صاحبي.. ده أبوها في الأول وفي الآخر، وأكيد بيخاف عليها بطريقته. سيبك من النكد ده دلوقتي وتعال نروح النادي عشان البنات مستنيينا هناك.
--------
في هذه الأثناء، في القصر، كانت حبيبه تجلس مع شيرين.
حبيبه: طنط شيرين.. أنا خارجة دلوقتي عشان رايحة النادي أقابل صاحبتي "ندى" نقعد مع بعض شوية ونذاكر.
شيرين: ماشي يا حبيبتي.. سوقي بالراحة ومتتأخريش برة.
وصلت حبيبه إلى النادي، وجلست مع صاحبتها المقربة ندى. كانت حبيبه تحكي لندى عن ضيقها وخوفها من ولادها وعن حبها الشديد لعمر. بعد قليل، دخل عليهم عمر وادم وهم يضحكون ويهزرون.
ندى (تبتسم وتنظر لادم): أهلاً بالباشا اللي متأخر دايماً.
ادم (يجلس بجانب ندى ويمسك يدها برقة، مرتبطين ويعيشون قصة حب جميلة): معلش يا نودي.. عمر هو اللي أخرني بلكاعته.
جلس عمر بجانب حبيبه، ونظر إلى وجهها ليجدها لسة متأثرة. لاحظ وجود علامة حمراء خفيفة على ذراعها حاولت إخفاءها بسرعة، فاشتعلت نيران الشك والغيرة في قلبه، لكنه قرر الصمت ومجاراة الجلسة والهزار مع ادم وندى حتى ينتهي اليوم ويجد فرصة ليعرف الحقيقة.
نهاية البارت الثاني عشر......
..... يتبع🦋
بـقـلـم الكاتبة: حـبـيـبـه مـحـمـد✍🏻♥
7ekayatBebo📖💕