ايدري القبر من فيهِ؟
فيهِ الفؤادُ ومن بالروح أفديهِ
لولا الإلهُ وإيمانٌ أدينُ بهِ
لكنتُ قُربكَ أشفي ما ألاقيهِ
لكنها سنةَ اللهِ التي سَلَفَتْ
إن الإلهَ لما قد شاءَ ممضيهِ
كم من فواجعٍ شتى قد بُليتُ بها
لكنّ موتكَ أحزاني بأجمعها
______________________
"بتصل على الشرطة..لكل بداية نهاية وذي نهاية افعال عصام..وأفعالي"
ناظرني يوسف باستغراب وحيره..مو مستوعب!
فتح الخط..قلت"في مبنى قديم على طريق الثمامه برسل الموقع، عدّه ممنوعات موجوده هناك..حتى ضحايا عصام، يُوسف واياد اللي تدورون عنهم حاليًا مُصابين، انا سيف.. مُساعد عصام سابقًا"
قفلت الخط..ارسلت الموقع على رقمه، ناظرت لعصام اللي فقد وعيه من شدّة نزيفه
كان اياد ساكت..بنفس الوقت نظراته مصدومه من اللي شافه اما يوسف كان ينظر بنفس الخوف اللي متملكّ اياد..نطق بتردد واضح: ليش ما تهرب؟ ليه قررت تسلّم نفسك؟
"طفشت"
عقد حاجبه باستغراب ..قلت بتوضيح" ابي حياة جديده..هناك بالسجن، بيكون في مُجرمين أكثر!"
ختمت كلامي بابتسامة..
ردّ بغضب:يعني ماخذ الموضوع تسلية؟
ابتسمت باتساع وقلت"طبعًا!"
ضحك بسخرية ثم قال:وش دراك انك بتعيش ؟ يمكن يعدمونك طيب..ليه ضامن؟
"مستحيل..انا ما قتلت احد عشان اُعدم..انا عذبت بس"
تكلم بقهر واضح:ما قصرت!
________________________
شديّت قبضتي بقهر..شفته وهو يهرب بس ما قدرت القط لوحة السيارة..اذا كان سيف اللي انرمت عليه القنبله..مين اللي انقذ سلطان؟
قاطع افكاري صوت طارق وهو يقول:عبدالله..الدكتور طلع ويقول حالة سلطان مو خطيرة
"متى جاء؟"
قلتها بحيره لان محد كان حولنا..إلا بعض المرضى
ابتسم وهو يقول: إلا جاء.. بس انت بعالم ثاني ما حسيّت فيه!
سكت للحظات ثم تابع: الحين خلنا نروح دام حالته مو خطره..
" بس وين نروح؟"
نطق بهدوء:نفس المكان اللي وصلنا له من قبل..اكيد انهم حول ذيك المنطقة!
قمت ومشيت خلفه..طلعت الجوال وانا انظر لكمية الأتصالات اللي واصلتني، ناديت على طارق ثم قلت"احد اتصل عليك؟"
هز كتفه بعدم علم ثم قال: ما انتبهت لجوالي كان على الصامت..
دقيت على آخر مكالمة حطيته على السبيكر..كان احد رجال الشرطة بالمركز، قال بانفعال:وراكم ما تردون؟ سيف اللي مع عصام بلغّ وعلمّنا مكانهم..
قاطعته بصدمه"سيف؟"
يعني هو اللي انقذ سلطان؟
تابع كلامه: ايه! برسلك الموقع لا تتأخرون..بتلقون مبنى واضح قديم هم هناك،.الشرطة متوجهين الان لهم
قفلت المكالمة..ركضنا بنفس السرعه عشان نركب السياره ونتجه للمكان المقصود..
وصلنا..
كان يُحيط بالمكان سيارات الشرطة..وسيارات اسعاف!
اتجهت بخطوات متثاقلة لها، وكلي خوف اشوف اياد بوحده منهم، هو امانه اخوي لي..لو تأذى؟
بكون خنت الأمانه!
يا رب يا رب!
كانت ثلاث سيارات اسعاف.. صافّه جنب بعض، الأولى كان فيها..ما عرفته!
بس اكيد انه يُوسف..نطقت بقلق"يوسف؟"
اومأ..وهو يناظرني بخوف، نطق: مين؟
"عمّ اياد..اياد وينه؟"
اشار لسيارة الأسعاف القريبة..صرت امشي اسرع..شوفته وهو بخير بتريحني كثير..يارب لا تُريني فيه مكروه!
نطقت بصوت شبه عالي" اياد!"
كان رأسه ينزف..حالته كانت سيئة، نظراته كانت باردة..وميته، كانت الدموع تاركه اثرها على خده..كيف اعتقدت اني بشوفه بخير وهو عند عصام؟
قربت له وقلت برجفة" اياد..انت بخير؟"
رفع عيونه ببطء وناظرني..نطق بغصه اخترقت صوته:ابوي ليه تأخرت علي؟
"آسف يا ولدي آسف والله مو بيدي..كنت ادورك ليل نهار! بس الحين هانت، وتيسرت، عصام بيلقى جزاته! وانت بترجع اياد عبدالعزيز..مو ادهم!"
ردّ بارتجاف: مستـ ـحيل اسامحه!
" حقك لا تسامحه.."
قاطع كلامي المسعف وهو يقول:لو سمحت تقدر تلحقنا على المستشفى لازم نمشي..
ابتعدت وانا ابتسم لـ اياد واقول له" بلحقكم لا تشيل همّ"
بعدّوا ..كنت اشوف من بعيد احد سيارات الشرطة وواقف جنبها شخص كان مكبلشه يدينه..وكان فيه كذا شخص مو بس هو، بس ولا واحد منهم عصام!
نطقت بصوت عالي"عصام ساس البلاء وينه؟"
اجاب واحد منهم..مو من الشرطة لا
كانت يدينه مكبلشه!
ردّ بصراخ ونبره فيها حماس: بالأسعاف!
كيف؟ عصام تأذى!
بس من مين؟
كنت متشتت..مين آذاه؟
ذات الشخص تكلم وهو يبتسم باتساع : انا ادبته ونال جزاته مني.. الباقي عليكم!
قربت له..لين صرت قدامه وقلت"ابوس راسك!"
وفعلًا سويتها..كان مصدوم، ولا كانه توقعها مني..بس ذا عصام، ويستاهل!
فجأه سحبني طارق وهو يقول بهمس:تستهبل انت؟ زين ما شافك احد من متى شرطي يبوس رأس مُجرم!
انت لو تشوف حال عصام بتسحبها!
للدرجه ذي؟
"وينه؟"
اجابني وهو يشير لسيارة الأسعاف، مشيت باتجاههم لكن وقفني المُسعف..نطقت بسرعه"بشوفه"
ناظرني بتردد..ثم وافق، قربت أكثر..كان يتكرر برأسي كلام طارق، بمجرد ما وقعت عيوني عليه..ما كان عصام اللي اعرفه!
شكله كان مُخيف..كان فاقد لوعيه..بس اول شيء ركزت عليه..ذراعه مقطوعه!
حسيت بالغثيان من منظره ومن الدمان اللي ملأت جزء من ملابسه..وجهه كان مُدمي من اعلى جبهته وتنزل لتحت، حالته ما تسرّ..سكروا الابواب الخلفية لسيارة الأسعاف وتوجهت للمستشفى..فجأه حسيت بيد على كتفي، التفت وكان طارق
نطق بعد ما تلاقت عيوننا: لازم نتصل على ابوه ونبلغه
" انت اتصل"
ما رفض..كيف اعلم اخوي عن سواياه ولده؟
هم ما يعرفون انه مُجرم..يحسبون شغلته بالحياة وظيفته وانه يلقى اياد عشان جدي بس..
بعد ما بلغهم..ركبنا السياره متوجهين للمستشفى
وصلنا .كان بغرفة عمليات، برا ينتظره ابوي وامي واخوي وزوجته وبعض من الأهل..مو كلهم جو ولا كان امتلى المستشفى!
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "
اول ما سلمت..حسيت بنظرات غضب تطلع من ابوي، نطق وهو يناظرني بحدّه: مين ابن الكلب اللي سوا بحفيدي كذا؟ خلوّه بس يطلع لي ان يخيس بالسجن!
"يبه حتى عصام بيخيس معاه!"
عقد حاجبه باستغراب:حتى عصام!
"ايه..اللي سواه ما يتغطى..خطف اطفال..تعذيب..تحرش..حفيدك بيلاقي جزاته بعد ما ظلم ودمّر حياة خلق الله"
حسيت بتغير ملامحهم وكأنهم مصدومين من كلامي..نطق اخوي: لا تتبلى على ولدي..
"الأدلة كلها موجوده..تذكر يوم اقولك انتبه لولدك؟ يوم علمتكم إن وراه شرّ كذبتوني لأني كنت واقف بصف اخوي عبدالعزيز الله يرحمه! الحين وبعد سنين؟ ظهر الحق!"
قلتها بإنفعال! يا ما حذرتهم وقلت لهم..توجهت لأمي اللي كانت ثابته ولا انهارت نفسهم..كانت مصدقتني من وقتها، سحبتها على جنب وهمست باذنها"اياد مو بخير الحين"
ارتسمت تعابير القلق على وجهها..قلت بسرعة"ماراح يتقبل يشوفك الحين يّمه..صح انك ندمتي، بس اللي شافه منكم وهو صغير للان محفور بداخله!"
تنهدت بضيق ثم رجعت تجلس مكانها..اما انا بعدت عنهم، متجه لغرفة سُلطان اللي كانت بنفس المستشفى، حتى اياد ويوسف..كلهم هنا
بعد ما كلمت الدكتور..ودخلت على سلطان اللي كان نايم..اكيد خاله قلقان عليه، لازم نطمنّه..دقيت على طارق ووصيته يروح له ويطمّنه
طلعت من غرفته متوجّه لاياد..كانوا مضمدين رجله ورافعينها على فوق بسبب الكسر اللي بركبته..وحول جبهته من فوق قريب لرأسه مضمّد، وبنفس نظراته من اول ما شفته..
قربت وجلست جنبه على الكرسي وقلت"اياد.."
التفت ببطء يناظرني..قلت بحنيّة"شفيك يا ولدي؟"
نطق بإرتجاف:شفته..
عقدت حاجبي باستغراب"وش شفت؟"
بدأ دقنه يرتجف بشكل واضح..نظراته مرتبكه وخايفة، قال برعب:سيف وهو يقطع يد عصام..شفت الدم يتناثر حوله!
حاولت اهديّه بكلامي..بس منظر مُخيف مثل هذا كيف ينمحي من عقله؟
"اياد اهدأ.."
كلامي ما فاد..بلّ ارتجافه كان يزيد اكثر!
نطق برجّفه:كان بيكمل بس يوسف وقفه..سيف خطير!
"اياد اهدأ..كلهم بيلاقون جزاءهم ومحد بيمسّك بسوء وانا حيّ..الحين بترجع حياتك نفس قبل وانت مرتاح!"
هز رأسه بنفي:نفس قبل؟ بدون امي مستحيل ترجع حياتي!
فجأه توسعت عينه بخوف وكأنه تذكر شيء مُهم..نطق برجفه:يوسف..يوسف وينه؟ صار له شيء؟
حاول يقوم من مكانه..وقفته بصراخ"رجلك مصابه اجلس! يوسف بخير وبجيبه لك بس لا تتحرك!"
جلس دون جدال ..لأن الألم كان واضح على وجهه
طلعت وانا مدري وين يوسف ولا عارفه حاله..سألت الأستقبال بـ اي غرفة هو..غرفة رقم٣٧
توجهت له..دقيت الباب ثم دخلت بعد ما سمعت ردّه، كانت حالته الجسديه مو اقل سوء من اياد، يده مضمده بالكامل مع اصابع يدينه..ويده الثانيه نفس الوضع لكن مكسوره، ضماده على عينه اليسار..كانت رقبته محروقه واثرها ما راح..
سرعان ما وقف اول ما شافني..تعابيره؟ عجزت افهمها!
"اجلس"
كنت ابي اتكلم معه قبل يشوف اياد..والحيرة واضحه عليه، قلت بهدوء"كلمت اهلك؟"
ابتسم بحزن ثم قال: مالي اهل..
"مستحيل ما لك أهل يا يوسف!"
_________________________
"انا ناسيّ..ما اذكرهم"
ومابي اتذكر..اخاف يكونون هم من تخلوا عني لعصام..وانخذل وقتها
قال بتساؤل:طيب اسم ابوك؟
"ما اذكره"
توسعت عيوني بعد ما تذكرت..عمي صالح!
فتشت جيوب مخباتي بطلع جوالي مو موجود!
نطق بعد مانتبه لتوتري: شفيك عسى ما شرّ
"جوالي ابيه..عميّ لازم اكلمه!"
نطق عاقد حاجبه:عمك؟
"الشخص اللي رباني"
تنهد ثم قال: اكيد انهم مجمعين الاشياء اللي بالشقه..بسألك واذا ما خذوه بروح بنفسي واجيبه لك بس اهدأ!
تنفست بعمق واومأت..بينما هو طلع جواله واتصل، لحظات حتى سلّم ثم سألهم، ناظرني وقال:ايفون ١٢؟ لونه اسود؟
اومأت بإيجاب..خبرهم انه جوالي فعلًا ثم قفل المكالمه وقال هو يناظرني بابتسامه:من حسن حظك
"الحمدلله!"
يارب انه بخير..
نصف ساعه..ودقّ الباب، فتح عمّ اياد الباب ثم شكره وطلع الرجال مغلق الباب وراه..عطاني الجوال وكنت احس بمشاعر كبيره! شُوق وبنفس الوقت ..خوف!
كان مرسّل لي رسالة..فتحتها بخوف، كنت اقراها ومع كل كلمه عيوني تتوسع ونبضات قلبي تزيد اكثر ويزيد ارتجاف يديني..
-يُوسف، وقت تقرأ رسالتي ذي انا بكون تحت الثرى..هذا إذا احد فقدني ودورّ علي..او بكون متعفن بشقة عصام اللي حبسني فيها..اعترف يا يوسف، انا استغليتك وعذبتك قبل، لكن يشهد الله علي ان آخر افعالي معك ما كانت إلا من محبة لك..وندم وخوف من الله، اهلك عايشين ويدورون عليك، انت عمرك ما كنت منسيّ يا يوسف..انت كنت مخلّد بقلوب ناس تحبك ..حتى بالسنين اللي كنت ضايع فيها وعالِق بمشاعرك لأنك كنت تعتقد انك منسيّ ..كنت تجيني بلهفة وأمل اني ما نسيتك..انخذلت مني، بس وقتها انت ما التفت بعد روحتك ولا شفتني نادم..سامحني يا ولدي-
مع كل كلمة كانت الدموع تتجمع بعيوني أكثر وأكثر..كيف يتركني كذا؟
انا بيوم ما كرهته..اعرف حاضره وذا اللي يهمني، لأن الماضي انتهى وماله رجعه!
من قوّة رجفتي ما قدرت اتحكم بمسكتي للجوال..طاح منيّ والتقطه عمّ اياد بسرعه..قرأ الرسالة وهو يتنقل بانظاره من الجوال إلي انا، قربّ لي وهو يحضني بلطف ويربّت على كتفي ويقول: اهدأ..انا بروح اشوف الوضع، شرايك تروح لأياد ومنها تهدأ؟
وافقت دون تردد..لأن وجودي حول اياد يهديّني، حتى لو ما كانت في كلمات مواسيّه او تخفف عليّ، بعض الأشخاص من حولنا وجودهم كافي انه يبعث راحة وطمأنينة بالمكان..
لحقته لأني ما ادلّ غرفة اياد..نطق بصوت هادئ: ادخل وانا بروح أشوف الوضع بس عطني رقم جواله عشان اقدر احدد موقعه..
عطيته رقمه وراح ..
دخلت بعد ما دقيت الباب، انظاري كلها كانت عليه، ابتسامه صغيره ارتسمت على وجهه..نطق بهدوء، جلست وقلت"أهلي طلعوا عايشين.."
ابتسم بفرح واضح عليه، كان سعيد لدرجة حتى شُعُور الحُزن اللى غطى ملامحه اختفى..نطق بسعادة:قابلتهم؟
هزيت رأسي نفيًا ثم قلت برجّفة
"عمي صالح مات.."
تغيرت ملامحه وهو يحاول يستوعب، لاني ما جبت طاريه من قبل..نطق بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله
"يقول كان يستغلني..بس تعامله معي يثبت العكس..اياد انا كنت اعتبره نفس ابوي! ما قصّر معي بـ ولا شيء"
عقد حاجبه باستغراب:يستغلك؟
اومأت..ثم قلت"كان يعرف اني لي أهل بس ما قالي..شايل بخاطري بس هو مات وش الفايده"
نطق بتساؤل واضح: تونا نجينا من اللي صار..متى امداك تعرف انه مات؟
"ارسل لي.."
ردّ بحيره اكبر: وهو كيف درى انه بيموت ..لا يكون!
توسعت عيوني من اللي خطر ببالي، واتمنى من قلبي ان اللي ببالنا غلط..
__________________________
دخلت المركز..وبعد ما سلمت بصوت عاليّ ردّ الكل باصوات متفاوته
"حددوا موقع هالرقم"
وفعلًا واحد منهم بدأ يضغط على مفاتيح الكيبورد بشكل سريع..دقائق قليلة حتى قال :جنوب الرياض تحديدًا عند شقق*******
قبل اطلع وقفني فجأه اياس..وبجنبه شخص ماعرفته ، نطق اياس بخوف:لقيتوهم!
اومأت لهم ثم قلت"فيهم بعض الأصابات بطبيعة الحال دامهم عند عصام اكيد بيتاذون"
كان يسمع كلامي ثم يشرح بلغة الأشارة ويديه ترجف للي جنبه، ثم نطق اياس برجفة:يتأذون؟ مو كان بس يوسف..لا يكون سلطان!
هزيت رأسي بنفي وقلت" لا اياد.. بس الحين كلهم بخير حتى سلطان"
نطق بتساؤل:اذا هم بخير..وين بتروح الحين؟
"اياس شغلنا مو بس عن عصام، في اشياء غيره عندنا"
سكت ثم تابعت بتردد..ممكن يكون عندهم شيء يفيدنا؟
"تعرفون واحد اسمه صالح؟يوسف يناديه عمي، هل هو فعلًا اخو ابوه؟"
توسعت عيونه برعب، ودون تردد شرح كلامي للي جنبه..ثم قال:ذا مع عصام
"ترك رسالة ليوسف وكأنه يودعه.."
نطق اياس بانفعال غريب: هذا شخص سيء مستحيل يكون فيه خير..
كان يتكلم بإنفعال لدرجه حتى اللي جنبه كان يهزّ كتف اياس عشان يعبره ويشرح له، لكن اياس قال بإنفعال اثناء ما يشرح له بالأشاره:امير انتظر بفهم الموضوع كله ثم اشرح لك!
التفت لي ثم قال:يوسف لا يشوفه قولوا له سافر اي شيء! لا يدمّره شيء واهله يدورونه
"اهله؟"
اومأ ثم قال: قبل ساعتين تقريبًا راحوا..خوال يوسف! صالح مستحيل يكون انسان طيب..هو شرير واكيد ما كان ينوي خير
"مايصلح لا تدخل بذمته"
عقد حاجبه ثم قال: ما دخلت بذمته ذا اللي شفته بعيوني هو مايخاف من الله
سكت شوي ثم قال : ابي اشرح لامير كل شيء..عادي تنتظر؟
هزيت رأسي نفيًا ثم قلت
"لازم اروح..برجع وبعدين نتفاهم"
كان بيعترض..
"والله..اوعدك برجع"
طلعت متوجه فورًا للمكان ودخلت مبنى الشقق..قلت لموظف الأستقبال اللي وقفّ مجرد ما شافني..طلعت بطاقة الشغل وقلت"عندي اذن بتفتيش المكان لكن بسألك كم سؤال قبلها"
تابعت كلامي
"عقد المكان بأسم مين؟"
ردّ بهدوء:عصام الـ****
توسعت عيوني بصدمه..قلت بتساؤل "عصام؟ طيب كم شخص ساكن هنا؟"
نطق بتردد:شخص واحد..بس له مدّة ما له حسّ
"كل المبنى ذا ومستأجر واحد بس!"
بلع ريقه بتوتر و قال:المالك طلب منّا ما نأجر الشقق لأحد لين يسمح لنا
"بسرعه عطني مفتاح شقته!"
فتح الدرج بسرعه وكان فيه مجموعه مفاتيح كثيره..اعطاني المفتاح وقال:غرفة رقم ١٧
توجهت له بخطوات سريعه ووراي الموظف..فتحت الباب وبمجرد ما انفتح تراجعت لورا برعب بعد ما شفته!
جسده كان يحيطه الحبل المُعلق من السقف، اطرافه بدايتها كانت مايله للزراق بشكل واضح وذا يدل إن الجثّة لها ايام..ومحد درى عنه!
عيونه كانت بارزه.. قربت له وسكرت عيونه بيديني
ابتعدت بسرعه لأن الريحه كانت واضحة..ريحة عفن تكتم بشكل مو طبيعي!
طلعت من الغرفة وبلّغت الشرطة والفريق الجنائي بوجود جثّه، عشان يتأكدون من سبب وفاته
حوالي عشر دقائق وصلوا..توجهت للسيارة عشان اروح للمستشفى، توسعت عيوني بعد ما تذكرت اياس، وعدته ارجع واسمع منهم
توجهت لهم..و بداخلي حيره كيف انقل خبر موته ليوسف ؟
وصلت..لبقت سيارتي ونزلت متوجه للمركز، شفتهم من بعيد واقفين ينتظرون، اول ما انتبهوا لي ركضوا اتجاهي..نطق اياس بفضول وقلق واضح:لقيتوه؟
"منتحر.."
توسعت عيونه بصدمه..امير كان عاقد حاجبه مو فاهم اللي يصير، طلعت جوالي وكتبت له، قرأ واتسعت عيونه بذات الصدمة لـ اياس
مسك الجوال بقوّه يحاول يتحكم برجفة يدينه، مدّ الجوال لعبدالله..اخذه وقرأ كلامه: لا تعلمه انه انتحر..مو لازم يعرف! يوسف مفروض يبدأ حياة جديده مع اهله بعيد عن الماضيّ..قولوا له سافر او ما يبي يقابلك اي شيء! لازم ينساه..
قلت لاياس المتشتت يركز معي..وينقل كلامي بلغة الأشارة لامير..
"مستحيل! هو ترك رسالة ليوسف..ومنها واضح انه مات"
كان اياس يشرح كلامي له..وبعدها شرح كلام امير لي:ما يهم وش قال..يوسف لازم ما يدري انه مات!
"وكيف بتكذب عليه؟ ردة فعل يوسف لما قرأ اخر رسالة منه..كان خايف عليه! مستحيل يسكت ويكمل حياته عادي، اكيد بيدورّ عليه وماراح يرفّ له جفن!"
اثناء كلامي كان يحرك يدينه بلغة الاشارة، ولما بدأ امير يردّ، كان ينقل كلامه لي:و اذا مات بيبقى حزين، دام الحزن موجود بكل الاحوال..ما تفرق!
"المّ الموت، والم التخلي وإن شخص يختفي دون سبب ما بينهم تشابه، بدال ما يعيش مشاعر وهواجيس ليش فجأه بعد عنه؟ يعرف إنه ميت اهون، اكيد بيحزن لكن بالنهاية الله عز وجل يربط على قلب عبده"
بدأ الاقتناع يبين عليهم..
"بروح ليوسف وابلغه"
نطق اياس برجاء: تكفى بنروح معك ابي أشوفه!
"هو ناسي الماضي وما يتذكر أهله تتوقع يتذكرك؟"قلتها بتساؤل
هز رأسه نفيًا وقال بإبتسامة حزينة: لا..امير قالي
سكت شوي ثم قال: ما يهم الماضي، بصنع ذكريات جديدة افضل، لحظات سعيدة دون اي مسبب للحزن!
"تشوفه بكرا افضل، ادري انك مشتاق له بس يوسف الحين بيسمع خبر موت صالح، حتى لو كنتوا تشوفونه شخص سيء بالنهاية واضح غالي عليه! ..صبرت سنين اصبر يوم"
_______________________________
الهدوء مسيطر علينا، نناظر بعض بهدوء، اجسادنا حاضرة بس تفكيرنا ؟ ابعد ما يكون..
كل اللي مريّنا فيه ما يستوعبه العقل..نجاتنا من اللي صار اخر فترة لنا من عصام معجزة!
ناظرت بحزن لاياد..وكان يناظرني بنفس النظرات
اشياء كثيرة جالس أفكّر فيها..أرهقتني واستنفذت الكثير من طاقتي!
عمي صالح..يارب انه بخير
اهلي..ما كنت متوقع بيوم إني ممكن اشوفهم، كنت فاقد الأمل كليًا حتى محيت فكرة أنهم موجودين، والان؟ متحمس اشوفهم..وبنفس الوقت خايف..خايف وبقوة اني انخذل مرة ثانية!
انخذلت كثير، من الناس اللي ادّعوا نسياني، كيف هنتّ عليهم؟ كيف نسو كل اللحظات..واختارو انهم يعيشوني بهذي القوقعة؟
قلبي ما عاد بيتحمل الخذلان!
نطق اياد بذهول وهو يمدّ المنديل لي: بسم الله عليك!
ما حسيت، ما حسيت بدموعي وهي تنزل من كثر ما اني غرقت بمشاعري!
اخذت المنديل ومسحت دموعي بعنف، تنفست بعمق وقلت"شكرًا"
ردّ بابتسامة: ما بيننا..مافيه شكر بين الإخوان!
ابتسمت باتساع بسبب كلمته، لمست شيء بداخلي!
رجع الهدوء يحوم حولنا..
قاطع هدوء المكان صوت دقات الباب، نطقت بهدوء"ادخل"
توسعت عيوني بعد ما شفت انه عمّ اياد، قلت بخوف"هو بخير صح؟"
هزّ رأسه بحزن وقال: أحسن الله عزاك..
لا حول ولا قوة إلا بالله ..لا حول ولا قوة إلا بالله!
"كيف ؟" قلتها بإرتجاف والدموع متجمعه في عيوني..
تنهد بعمق، ونظق بصعوبة: لقيناه منتحر..
"مستحـيل ! مستحيل ينتحر هو يخاف الله ويعرف انه حرام! ماراح يسوي شيء ما يرضي الله" قلتها بإنفعال وانا انكرّ ان فعله نفس هذي تطلع منه!
ردّ بهدوء: اذكر الله وادعي له بالرحمة والغفران، اما مصير المنتحر تحت مشيئة الله ان شاء ادخله الجنة وان شاء ادخله النار..اللي عليك تدعي له بالرحمة وتتصدق عنه
ماني مستوعب..كيف مات!
ليه تركني؟
رنّ جواله..اجاب عليه
فجأه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل عليه!
سكر المكالمة وناظرني ثم قال بقهر ورجّفة: زوجته وعياله..كنا بنبلغهم بوفاته، بس طلعوا سابقينه!
"عصام"قلتها بحقد وقهر
من أول ما خطفني..لين نجيت والله كتب لي عُمر..كنت اظن اني ماراح اعيش، سامحته عشان الأجر بس، لكنه تعرض لاشخاص بريئين!
بس حتى انا..بريء
وش ذنبي؟
وش ذنب اياس واياد وامير؟ وغيرهم !.
بالنهاية مصيره عند الله عظيم، الله عادل لا يظلم عباده، وانا الدنيا مابي منها شيء، ابي أعيش بسلام مع اهلي واخوياي..
نطق عبدالله بصوت مبحوح: الصلآة عليه بكره بعد العصر..
أومأت وطلعت من الغرفة..احتاج اقعد لوحدي
****
عصر الجمعة، طلعنا من المسجد بعد ما صلينا عليه، متوجهين للمقبرة كنت متلثمّ بشماغي، خطواتي كانت بطيئة وثقيلة..دموعي كانت متجمعة لدرجة انها تُعيق رؤيتي..أمسكت بالمجرفة بيدّ مرتجفة وبديت احفر قبره، و عبدالله كان يساعدني، مسكنا جثمانه ونزلناه بقبره، ثم غطيناه بالتراب ..كنت اسمع تعازيّ الناس لي ودعواتهم لصالح بالرحمة
قلت بغصة .."آمين آمين"
كل شيء مرّ بسرعة، الكل راح مابقى إلا انا وعبدالله اللي واقف بعيد عند مدخل المقبرة ..نطقت بهمس"الله يجمعنا بجناته"
توجهت لعبدالله اللي نطق اول ما شافني وهو يربّت على كتفي: الله يصبرك ويجبر كسرك..ذا حال الدنيا إنّا لله و إنّا اليه راجعون، الفقد موجع والألم يبقى عمره ما خفّ كل من فقد غالي يتعايش مع مشاعره لكن عمره ما بيتخطى! نعيش ايامنا عادي لكن جزء منّا ناقص، والحمدلله إن الله رحيم بنا ويربط على قلوبنا و تذكر حنا بدار عُبور واختبار والآخرة دار القرار، يا يوسف ترا الدنيا هي اول مرحلة بحياتنا والموت مو النهاية لا، كل من فقدناهم ذا مو اخر لقاء لنا معهم..لنا لقاء بهم في الجنة، الله يرحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
كلامه ريّحني، لكن نفس ما قال الحزن بيبقى..
ابتسم بخفّه وقال: والحين ما ودك تشوف اياس واهلك؟
_________________________________
مجتمعين كلنا عند سحر، تعودنّا كل جمعة الكل يزورها ،الكل كان موجود، الأحفاد يلعبون وامي وابوي يسولفون مع اخواني..الكل كان مندمج بالجو العائلي، عدا سحر، كان جسدها حاضر..بس بالها مو معنا، تنهدت بضيق..متى تقُر عيوننا بشوفتك يا يوسف؟
نطقت امي بقلق: بسم الله عليك سيّوري! وش هالتنهيده عسى ما شر؟
"مافيه الا الخير بعدين يمه ماني بزر ناديني ساري"
ضحكت وردت بعناد:إلا سيّوري!
قاطع كلامنا صوت جوال ابراهيم يرّن، رد عليه..لحظات حتى توسعت عيونه وهو مبتسم بوسع، نطق بفرح واضح من صوته:سألتك بالله؟ احلف!
ضحك بقوّه وهو يكرر:الحمدلله الحمدلله!
رمى الجوال بخفّه على الكنبة ثم سجد، كنا مخروشين ومو دارين وين ربي حاطنا
"شفيك؟"سألت بتوتر..كل واحد منّا كان يسأله، اما ابراهيم كان لا زال ساجد، قام ودموعه تنزل، نطق وهو يحضن سحر ويقول ببكاء:ضناك رجع..بتقرّ عيونك بشوفه يوسف!
نطقت بصعوبة "يـ ـوسف؟"
ما كنت مستوعب، على إني كنت انتظر هاللحظة من سنين..بس ما طرت ببالي لما فرح ابراهيم كذا..ما حسيت بنفسي إلا ساجد شكر لله، لربي اللي صبرّنا وربط على قلوبنا كل هالسنين..ونهاية صبرنا فرجّ، واخيرًا..اخيرًا بنشوفه؟
بنعوض كل السنين واللحظات اللي كان مفروض يكون فيها جنبنا؟
الكل كان ساجد شكر لله..كان صوت بكاء امي وابوي ودعواتهم مسموعة لنا..احفادنا اللي كانوا يضحكون ويصرخون بسعادة على إنهم ما يذكرونه بس حنا ما قطعنا سيرته بالبيت كنا نقولهم يوسف بيرجع..وفعلًا رجع!
اخيرًا سحر بتشبع شوقها له؟
و يوسف بيمتلي من حنيّه سحر؟ حنيّتها اللي من كُبرها بتوسع كل البشر، بس يوسف؟ ما كان له نصيب من حنيّه امه! بلحظات كان يحتاج امه معه، اوقات كان يحتاج امه تقرأ عليه وتمسح بيدها الحنونه على رأسه..كل اللحظات اللي يوسف كان يحتاج فيها امه جنبه بتتعوضّ؟
بشوف سحر نفس قبل؟ تتفاعل وتضحك وتسولف معنا كعادتها؟
سحر كانت مثل امي، شوفتي لها وهي تفقد نفسها يوم بعد يوم كانت تتعبني وتهلك روحي!
والحين كل هذا انتهى..
ناظرت لها بقلق وخوف، خوف إنها ما تتفاعل كعادتها..و إنها ما تستوعب إن هذا ولدها لما تشوفه!
كانت تناظر للفراغ بشرود، ما تفاعلت، كعادتها..
خايف..خايف انها حتى بعد ما تشوفه ما تستوعب إن هذا يوسف!
دخلت الدكتورة وهي تقول بقلق:صراخكم واصل لبرا، عسى ما شرّ؟
تقدمت امي لها وهي تحضنها وتبكي بفرح وتقول: لقينا يوسف..يوسف ولد سحر!
بادلتها الحُضن وهي تحمد الله، ابتعدت عن امي وقالت وهي تنظر لسحر، اللي ما حست بـ اي شيء من حولها، وكانت للان غريقه بمشاعرها وبماضي بعيد كان يوسف فيه..نطقت بهدوء:غالبًا بتستوعب لما تشوفه قدام عيونها..
نطق ابراهيم بصوت مبحوح: جاي لنا بالطريق..
انتهى
اكثر بارت حسيت بثقل وانا اكتبه، لا تنسون موتى المسلمين من دعواتكم
الله يغفرلهم ويرحمهم ويجعلهم من أهل الفردوس، والله يجمعنا بهم
اسمعوا المقطع 🌷
الكاتبة:سَّدَف☀️