الأخير

الأخير

140 0

_"أرجوكَ السّعادةَ و القدرةَ على الشّعورِ بها يا ربّ ، أرجوكَ السّلامةَ من الخطأ و العودةَ إلى الصّوابِ يا ربّ ، أرجوكَ محبّتكَ و رضاكَ يا ربّي"

تمتمَ إيليا بصوتٍ خافت ، ثمّ ابتسمَ ابتسامةَ شكرٍ و استراحة ، الكنيسةُ منزلُ قلبِه المتلوّي ألماً ، هو الذّي ضاعَ بين الأديان ، و ذكرُ اللّٰه هو عقارُ روحه الوحيد ، و لو كانَ مسكّناً فقط في وقتِ المناجاة ، فهو ترياقٌ أثيريٌّ له وقتُه و تأثيره الخاصّ ، كلُّ شيءٍ له وقتُه ، و مفاجآتُ القدرِ كثيرةٌ و متنوّعة ، إيليا يحاولُ قمعَ الجوانبِ اليائسةِ فيه دوماً ، على الرّغمِ من أنّها تحتلُّ من داخله أغلبه ، و يتصرّفُ كذلك على أساسها ، عدا أنّه يخبرُ نفسه دائماً كلّما فكّرَ قليلاً بأنّه لا يأسَ مع وجودِ اللّٰه ، و اللّٰه موجودٌ دائماً ، و الخلقُ جميعاً إلى زوال.

نهضَ متريّثاً ، و سارَ إلى خارجِ صالةِ الصّلاةِ و رأسُه ساكنة ، لأوّلِ مرّةٍ منذُ مدّة ، همَّ بالرّحيلِ و هو يفكّرُ في شيءٍ واحد ، ليلي ، يرغبُ في رؤيتها و لا يرغب ، جرحُه ما يزالُ قانئاً عصيّاً على النّسيان ، جرحُ اختيارها لزين عليه ، على الرّغمِ من أنّه و في بعضٍ منه ، يؤيّدُ اختيارها؛

فزين مثلها ، من ذات الدّين و الانتماء ، و في مثلِ عمرها بل و قضى عمره إلى قربها ، عائلتُه و عائلتُها على وفاق ، و علي يُحِبُّه كثيراً و يأمنُ له ، ما يزالُ يذلُّ نفسه بهذه الأقاويلِ منذُ ستّةِ أشهر ، و كأنّ شيئاً من تلك الفوارقِ اللّئيمةِ كانَ في يده إلغاؤه؛

عبسَ من جديد ، بغيرِ أن يشعر ، ثمّ عادَ وجهه إلى سابقِ ارتياحه ما إن مرّ على لوحةٍ فسيفسائيّةٍ كبيرةٍ للسّيّدةِ مريم العذراء ، كانَ الأبُ يسألُ العُمّالَ نقلها إلى الدّاخلِ بحذرٍ و رويّة ، هو يعرفُها جيّداً ، فقَدْ كانَتْ في صالةِ الصّلاةِ الرّئيسيّةِ مُذ وُلِد ، و قَدْ أخذوها قبلَ فترةٍ لترميمها و التّأكّدِ من سلامتها ، قيلَ له أنّها أثريّة ، و يقولُ هو أن ليس هنالك بسيطٌ يُذكَرُ عليه اسمُ السّيّدة إلّا و يُثمّنُ ، حتّى لو كانَ ورقة ، و احترامُ هذه الورقةِ من تقديسها

_"السّلامُ عليكِ أُمّنا"

همسَ بينه و بين نفسه ، و ابتسمَ للأبِ ابتسامةً صادقةً و هو يمرُّ بجانبه ، و كذلك الأبُ ابتسم ، و وقفَ يراقبُه و هو يسيرُ إلى الخارج؛

يذكرُ الأبُ أن جاءه أحدٌ للاعترافِ بخطيئةٍ منذُ أشهر ، و بدا أنّه قادمٌ ليخفّفَ عن نفسه أعباءَ حياته ليس إلّا ، كانَ صوتُه يانعاً فيه شيءٌ من الغلظة ، و حديثُه مرتّبٌ و لغتُه سليمةٌ عذبة ، هذا الصّوتُ كانَ دليلَ قلبِ الأبِ إلى هويّةِ المُتحدّث دون حاجةٍ لأن يرى وجهه ، و لم يفعل ، قلبُه أخبره بأنّ ذلك هو إيليا الولدُ التّائه الذّي اعتادَ على ارتيادِ الكنيسةِ منذُ طفولته ، ابنُ جرجس ، المسلمُ في الدّولة.

تساءلَ الأبُ ساهماً ، أتراها أحوالُه قَدْ فُرِجَتِ الآن؟ أم أنّها ما تزالُ ضائقةً كمثلما كانَتْ في يومِ الاعتراف؟ أتراه ما يزالُ يذكرُ نصيحته؟

طبعاً ، هذا إيليا ، سيكونُ جيّداً لأنّه شبّ و أصبحَ رجلاً قبل الأوان ، قبل الأوان بكثير؛

ابتسمَ من جديد ، و سارَ على إثرِ حاملي اللّوحةِ إلى داخلِ الصّالةِ الرّئيسيّة

___

توجّهَتْ ليلي نحو البيت ، أقفلَتْ باب غرفتها و انزوتْ فيها طوالَ الوقت ، تورّدتِ السّماءُ و حانَ المغربُ و ما تزالُ في الدّاخل ، تشتّتُ انتباهها بالمجلّاتِ و الصّورِ الجداريّةِ و مسجّلِ الموسيقى عن شجاراتِ إخوتها ، عن اتّهاماتهم الفارغةِ لبعضهم البعض ، و عن شتائمهم أيضاً؛

لسانُ فاتن أقلُّ تربيةً من لسانِ زين ، و يارا تجاريها اليوم أمام والديها على سبيلِ المفاجأة ، و علي ليس لديه سوى اخرسي و أغلقي فمكِ ، لن يتفوّه بكلمةٍ بذيئةٍ في البيتِ في حضورِ أبيه ، و في وجودِ ليلي في مكانٍ ما أيضاً ، هذا مستحيل.

فاتن ترى أنّ يارا هي السّببُ في خرابِ زواجها ، و يارا ترى أنّ فاتن هي السّببُ في شجارِها الأخيرِ مع حسن ، و علي يرى أن الاثنتين على خطأ ، و أبوهم يشعرُ بالدّوار ، أمّا أمّهم فواقفةٌ جانباً ، لا تحاولُ إسكاتَ أحدٍ و لا الوقوفَ في صفِّ أحد ، تكادُ لا تعي بما يحدثُ حولها حتّى.

و ليلي في ظلّ كلّ هذه الجعجعة ، قرّرتِ الاستماعَ إلى أغنيةِ الفرقةِ الجديدةِ في السّاحة ، الجميعُ يتحدّثُ عنها ، و قَدْ أهداها زين منذُ فترةٍ بطاقةً إلكترونيّةً عليه أغانيه المفضّلة لتستطيعَ سماعها بمشغّلِ الموسيقى الخاصّ بها.

و بالفعل ، وضعتْ ليلي البطاقةَ في الآلة ، و وضعتِ الآلةَ تحت لحافِ سريرها ، ثمّ اندسّت هنالك لتستمعَ إليها بمعزلٍ عن الكوارثِ الأسريّةِ و همومِ أمسٍ و اليوم و غدٍ ، كلُّ هذه السّوداويّةِ تحومُ في الجوّ ، لن تطالها هنالك ، في العالمِ الخفيِّ بينَ اللّحفِ و الأقمشة ، ستحتاجُ بعض الأوكسجين يين الفينةِ و الأُخرى ، و لكن لا بأس ، فطمأنينةُ هذا المكانِ مختلفة ، رائقة ، عصيّةٌ على الإفساد

_"رائعون ، هذا الكائنُ صوتُه رائع!"

حفظَتْ مكانَ جملةِ المُغنّي لكي تسألَ زين عنه و عن اسمه ، ستشتري له صوراً تعلّقُها على الجدارِ أيضاً ، إلى قربِ صورِ زين مالك ، الذّي اتّضحَ أنّه رائعٌ أيضاً ، لقَدْ حكى زين عنه كثيراً مُذْ عرفَ أنّها تعرفُه أيضاً ، هو معجبٌ به مُذْ كانَ طفلاً ، لكنّه لا يتكلّمُ عن اهتماماته كثيراً ، لم يعتد على ذلك.

انتهتِ الأغنيات ، و لم تعد ليلي تعرفُ ما تفعلُ بعد ذلك ، لديها بطاقةٌ أخرى فيها بعض الأغنيات أيضاً ، بيدَ أنّها لن تشغّلَ شيئاً منها الآن ، لم تحضر معها إلى تحت اللّحافِ سوى هذه ، و هي أكسلُ من أن تنهضَ بعد

_"دمّرتِ حياتي!"

تسرّبتْ إحدى الجملِ البغيضةِ إلى أذنيها المُخبّأتين أسفل اللّحاف ، شعرَتْ بأنّ مشاعرها قَدْ تعقّدتْ ، احتقنَتْ في بقعةٍ من جسدها ، فوق معدتها بقليل ، و تثاقلَتْ من ثمَّ حتّى أضحتْ تعرقلُ التّفكير ، تشلُّ الرّأس ، إخوتها يتراشقون بهذا النّوعِ من الاتّهاماتِ منذُ وقت ، و لا أحدَ منهم على استعدادٍ للتّخلّي عن موقفه الجائر ، كلّ ذلك بسبب ريّان ، و لكن ، و لوهلة ، يبدو أنّ الحُبَّ لم يجد مكانةً بينهم لكي يدافعَ عن نفسه ، ريّان فجّرَ البغضَ لا خلقه ، وسّعَ البعدَ لا جاءَ به من العدم ، كانَ كلُّ شيءٍ مهيّأً ليتدخّل ، ذلك ما تراه ليلي من بعيد.

1

نهضَتْ أخيراً ، تناولت كتابها من ركنٍ منزوٍ ، و توجّهتْ نحو النّافذةِ تشتكي لها ، فتحتِ بابيها على مصراعيهما ، ثمَّ رفعَتْ نفسها إليها ، للجلوسِ خلفَ الشّبكةِ الحديديّةِ البغيضة و الكتابُ في يدها ، و راحَتْ تراقبُ ضوءَ الشّمسِ و هو يخفتُ و يسحبُ إشراقَه من زرقةِ السّماء ، شعرَتْ بنوعٍ من الرّاحةِ زعزعتها أصواتُ إخوتها الذّين لم يفضّوا خلافهم الخطيرَ بعد ، و لن يفعلوا اليوم على ما يبدو ، ماذا ستفعل؟ هل ستظلُّ هنا؟

_"أكرهُ الجميعَ يا كتابي ، إلّا زيناً ، هو الوحيدُ الذّي لم يفاجئني بعد ، ما يزالُ غباؤه كما كان"

و مضى الوقتُ و هي ترسمُ أشكالاً غريبةً على دفترها الصّغير ، و تراقبُ الغيومَ و هي تتهشّمُ في السّماءِ الواسعة ، كانَ الجوُّ يزدادُ برودةً مع تعمّقِ الغسق ، و كانَتْ رغبتها في الجلوسِ أكثرَ تتضاءل ، لقَدْ ضجرت ، و ما عادَ في إمكانها تجاهلُ خطاباتِ إخوتها الحاقدة ، على أيّة حال ، الشّجارُ قَدْ خمدَ إلى حدٍّ ما ، لكنّ الحقدَ و على ما يبدو ، لن يخمدَ أبداً.

نزلَتْ ليلي من حيث كانَتْ ، تركتِ الكتابَ في النّافذةِ و هرولتْ إلى خارجِ الغرفة ، لقَدْ لمحَتْ ظلّاً يذرعُ أطرافَ السّاحةِ و يتوقّفُ قريباً من الصّخرةِ القديمة ، الصّخرةِ التّي كانَ تستندُ إليها هي و إيلي في طفولتهما الدّفينة ، لن يكونَ غيره ، لا أحدَ يقدّرُ تلك الصّخرةَ و يزورها في ساعاتِ المساءِ إلّاه.

انتعلتْ حذاءها سريعاً ، و غادرتِ البيتَ المشحونَ بالأحقادِ و المشكلاتِ و الذّاكرةِ السّوداء لأربعِ إخوةٍ يائسين ، بائسين ، لا يتحلّون بالأملِ إلّا طقساً ، و يخشون على أنفسهم من ظلمةِ اللّومِ و النّدم ، و يقعون فيها في كلّ مرّة.

غادرتِ البناء ، و بسرعةٍ وصلَتْ إلى السّاحة ، لم تقابل أحداً في الطّريق ، فالسّيّد تحسين قد توفّي منذُ وقت ، و لم يعد أحدٌ يهتمّ بالحديقة ، لا بأس ، ستهتمّ هي لاحقاً.

وصلَتْ ليلي و القمرُ إلى السّاحة ، كانَ القمرُ قَدْ بدأ يتبدّى من الأفق ، بين الأشجار ، و إيليا كانَ جالساً على العشب ، يسندُ ظهره إلى الصّخرةِ و يتابعُ التّناغمَ العذبَ في السّماءِ ما بين الغيومِ و النّجوم ، و القمر ، و أفكاره السّاكتةِ اليوم ، لم يعد يريدُ سماعها ، يريدُ أن يسكنَ رأسه ، و لا يدري إن كانَتْ رغبته قَدْ تحقّقت

_"إيليا"

التفتَ نحو المنادي مباشرةً ، ثمَّ توقّفَ عن الحراك ، خالته ليلي قَدْ شتمها و لم ترَ فمه يتحرّكُ لأنّ الضّوءَ في الشّارعِ خافتٌ جدّاً ، ثمّ تناستِ الأمر ، و خطتْ في اتّجاهه و قلبُها يطرقُ و يطرق ، يخضُّها بالكاملِ كما لو أنّ هذه اللّحظةُ الأُولى ، ليس بينها و بين إيليا فقط ، و إنّما بينها و بين الحياة ، لم تعد تميّزُ شيئاً ، تغوصُ في فضاءٍ لا يسمعُ له أثير ، لا شيء

_"هل يمكنُني.."

_"اجلسي"

و جلستْ إلى قربه كما يجلس ، فوق العشب ، و لكنّ ظهرها كانَ حُرّاً ، مكشوفاً ، بغيرِ سند.

لم تعرف ما تقول ، أضحى صدرُها خفيفاً بغتة ، روحُها ساطعةٌ في داخلِ جسدها الضّئيل ، أصبحَتِ الألوانُ واضحةً في العتمة ، و كأنّها لم تكن موجودةً من قبل ، على الرّغمِ من أنّ أحداً لم يتفوّه بشيءٍ مُهمّ ، قالَ اجلسي..

_"إيليا"

_"نعم"

_"لقَدْ فهمتني خطأ ، أنا لم أرد ترككَ أبداً"

رمقها إيليا ، لم تكُ نظرتُه عدائيّةً و لا مستغربة ، كانَتْ فحسبُ تأكّداً ممّا تقول ، تأكّداً من أفكارها و دوافعها إلى ما تلفّظت به ، تأكّداً من أنّها فعلاً ما تزالُ الطّفلةَ التّي جاءتْ إليه لكي تلعب ، و لم تلعب ، فضّلتِ الجلوسَ إلى جانبه ريثما استعادَ قوّته و عادَ يلعب ، و أضحتْ تأتي لتلعبَ معه في كلِّ يوم؛

أما تزالُ لليلي ذاتُ الأفكار؟ ذاتُ التّطلّعاتِ و ذاتُ الصّبرِ و ذاتُ الرّغبةِ في التّضحيات؟ ربّما

و لكن ، أما يزالُ إيليا في حيّزٍ منه أنانيّاً ليسمح لهذا بالحدوثِ من جديد؟

_"أعلم ليلي ، و لكن إذا فكّرنا في الأمر ، لم يكن هنالك مستقبلٌ آخر لحُبّنا ذاك ، أهلكِ لن يوافقوا عليّ مهما حدث"

_"لا أعلم"

أخذت تلاعبُ الأعشاب من جديد ، و هو مالَ بجسدِه في اتّجاهها ، نظرَ في وجهها الحاني ، في حاجبيها المعقودين ، و في فمها غير الململم ، على غير عادة ، كانَ وجهها قويّاً برغمِ كلّ شعورٍ كانَتْ تختبره ، غير الذّي يعرفه

_"انسي الأمر ، لقد أخطأتُ في حقّكِ ، حمّلتُكِ فوق طاقتك بأضعاف ، كنتُ أنانيّاً و غرتُ و شككت ، نسيتُ أنّكِ طفلةٌ لن تكبري قبل أوانكِ ، و أوانكِ بعيدٌ ليلي ، بعيدٌ جدّاً"

_"لولا ذلك لما جئتُ إليك ، أليس هذا ما تريدُ قوله؟"

سكت كلاهما ، و سكتَ الكونُ معهما ، سكنتِ الأصواتُ و سلبَ الغسقُ بريقَ كلِّ شيء ، حتّى النّجومَ و القمر ، حتّى الزّنبقَ الغافي إلى قربِ نافذةِ ليلي المفتوحة ، حتّى كتابُها المُستلقي على عتبةِ البؤسِ ها هناك ، كتابُ قصّتها ، حكايتها الصّغيرةِ التّي قرّرَ إيليا كتابةَ آخرِ فصولها اليوم ، في هذه اللّحظة..

سعل ، اختنقَ بكلماته العسيرةِ المسلوبةِ من إحدى الكتب ، ثمّ قرّرَ أن يتابعَ ما بدأه على ذاتِ النّهج ، بغيرِ أن ينظرَ في عينيها المغرقتين بدمعِ الوداع ، لقَدْ تعرّضَ داخلُه لانتكاسةٍ جديدة ، انتكاسةٍ أجبرته على وضعِ هذه النّهايةِ على مضض ، انتكاسةِ خرابِ الحياةِ من حوله و حولها ، انتكاسةِ شعوره بأنّه السّببُ في دمعها ، في حزنها و سهرها و كآبتها ، و يجبُ أن يحملَ أوزارَ حُبِّه الثّقيلةَ و يغادر ، لبعض الوقت ، أو لكلّه

_"أقولُ أنّنا ، ربّما و أتمنّى ، سنكونُ معاً في عالمٍ آخر ، في كونٍ آخر ، في حياةٍ أُخرى ، و ربّما في عامٍ آخر ليلي ، و لكن ليس اليوم"

_"و ربّما أبداً"

قربها بحذر ، و طبعَ قبلةً بسيطةً على خصلاتِ شعرها القصيرة ، لحظَ قصّةَ شعرها الجديدةِ منذُ اللّحظةِ الأولى ، بيد أنّه لم يعرها اهتماماً ، فالثّقلُ في قلبيهما أولى بالانتباه ، أولى بالكلام.

ابتعدَ من ثمّ ، و عادَ يفكّرُ في حركته الغبيّةِ هذه ، و يفكّرُ في ردّ فعلها غيرِ الموجودِ لما فعل ، هي لم تستوعبه بعد ، لم تستغرب و لم تفكّر فيه ، كانَتْ تبكي؛

حرارةُ دموعها أصابته بشيءٍ من الحرقةِ رغم أنّها ما مسّت وجهه ، فما إن لحظها حتّى أضحى يشعرُ و كأنّما قدِ ارتكبَ ذنباً جديداً ، مشاعرُه ليستْ باردةً في ناحيتها ، لكنّها لم تعد كما كانَتْ ، وهّاجةً و صارخةً و تدفعه للرّكضِ و الصّراخ ، أصبحَتْ ثابتة ، ناضجة ، و مقموعة ، من بعدِ ما ادّعى بأنّه فهمَ الأمر ، و قمعَ أحلامه و آماله ، هو الذّي يتّهمُ نفسه بالأملِ عندما يكونُ في الكنيسة ، لا يصمدُ أمام اليأسِ عشرين ثانية..

_"ليلي.. لا تبكي.."

_"الزّنبقُ لم يختر أين زرعته.. لم يختر الحديقةَ هذه.. لكنّها موطنه"

_"موطنُه بركةٌ من الأوحال ، إن ما غادرها سيغرقُ.."

_"الزّنبقُ ليس يبقى لأنّه مجبر.. الزّنبقُ اختارَ الحديقةَ من بعدِ ما زُرِعَ فيها.. اختارها مجدّداً و اختارَ البقاءَ فيها.. و لكن.."

أجهشتْ بالبكاءِ من جديد ، لفّتْ عينيها بذراعها و لم تسكت ، لم تسكت أبداً ، لا تنوي على الامتثالِ للكبرِ و العجرفة ، هذه هي ، تبكيه و تبكي بعده أمام عينيه المشفقتين ، حتّى و هو سببه الأوّل ، و الوحيد تقريباً..

___

"كتابي العزيز ، أنا ما أزالُ أكنُّ لإيليا محبّةً عظيمةً أيّاً كانتِ الظّروف ، كانَ يبدو بارداً في لقائنا الأخير ، ربّما ، و لكن ليس لأنّه لئيمٌ لا تخطئ الظّنّ ، بل لأنّه و أنا واثقة ، كانَ يرى هذا اللّقاءَ قادماً منذُ مدّة ، و رأى أنّ هذه أفضلُ طريقةٍ لحلّ الأمور ، و كما قلتُ له ، لم أختر موطني في أوّلِ مرّةٍ لكنّني اخترتُه فيما بعد ، اخترته في الثّانيةِ و الثّالثةِ و الرّابعة ، اخترتُه و أنا أعلمُ أنّه بعيدٌ منّي ، و غريبٌ عنّي ، و كنتُ أُحِبّه ، ليس من سألني النّسيانَ و إنّما من ظلّ معي في السّرّاءِ و الضّرّاءِ في ثنايا الذّاكرةِ المُشرقة ، و سأظلُّ أحمله في كلِّ جزءٍ من بتلاتي ، حتّى لو كنتُ و كانَ مع شخصٍ آخر"

___

"ماذا أحكي لكَ يا ربّي؟

هذه الحياةُ أخذتْ منّي كلّ شيء ، كلّ من أحببت ، أبي ، أُمّي ، و ليلي ، لم يتركوا لي سوى تيم ، و أتساءلُ بيني و بين نفسي أحياناً ، أسوف يغادرُ مثله كمثلِ الجميع؟

يا اللّٰه كم أنّني ضعيف ، أدركُ ذلك في كلّ موقف ، لم أستطع الحفاظَ على أحبابي و خسرتُهم و أنا أتفرّج ، و لا أزالُ غير مستوعبٍ لما حدث معي ، و لكن.. على الأقلِّ أنت معي يا ربّ ، أليس كذلك؟

أرجوكَ يا اللّٰه ، أصلحني ، و أصلح قلبي ، و أعد لي من أُحِبّ ، أعد ليلي"

1

_____

النّهاية.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة