التقَتْ يارا بحسن في متنزّهٍ كبير ، كانَتْ قَدِ اتّصلَتْ به من هاتفٍ عامٍّ في الشّارع ، و سألته ملاقاتها هنالك بعدَ دوامها في الجامعةِ مباشرة ، وجدَتْ أنّ مصارحته بمخاوفِها أهونُ بكثيرٍ من مصارحةِ أخيها بعلاقتها هذه ، أهونُ بكثير.
كانَ حسن مهندساً في شركةِ مقاولات ، مبدعاً في أعماله و ميسورَ الحال ، كما كانَ له شكلٌ بريءٌ قريبٌ من القلب ، وجهٌ حنطيٌّ مدوّرٌ صافٍ ، و شعرٌ أسودُ مسترسل ، و عينان صغيرتان تختفيان ما إن يبتسم ، كان يشبهُ أهلها ، على نحوٍ ما.
وصلَ منذُ دقائق ، و جلسَ معها على إحدى مقاعدِ المنتزه ، كانَ يبتسمُ لأجلِها بصورةٍ رقيقة ، أشعرتها بالذّنبِ كلّما لمحتها ، فما عادَتْ قادرةً على رفعِ عينيها عن الأرض ، لن تجدَ أحداً ينظرُ إليها كما يفعلُ حسن ، و لو عاشَتْ ألف عامٍ و لاقَتْ عشرين ألف محبوب ، هي واثقة
_"يارا ، لا تبدين على ما يُرام ، ما الأمر؟"
أدنى رأسَه قليلاً كي يستطيعَ النّظرَ في عينيها ، و لم يستطع ، كانَتْ تتهرّبُ منه طوالَ الوقت ، لا يدري لماذا ، تجمعُ كفّيها في حجرها ، و تلهي نفسها بهما ، بل و تضغطُ عليهما بأظافرها و كأنّها لا تشعرُ بألم.
لقَدْ لحظَ كلّ هذه التّفاصيل ، و شعرَ على إثرِها بالخطر ، شعرَ بأنّ هنالك خبراً مدويّاً على وشكِ أن ينزلَ على رأسِه بعدَ قليل ، و لئلّا يصعقه حقّ الصّاعقة ، كانَ يحاولُ تقبّلَه منذُ الآن ؛ كانَ يسمعُ في رأسه:
"أنا و أنتَ لم نولد لنكونَ معاً"
كانَ يسمعُها و كأنّها قَدْ قالتها فعلاً ، حسن خائفٌ من أن يخسرها ، كانَ خائفاً مُذ قرّرَ أن يتقرّبَ منها ، كانَتْ رؤيتها مع فرح تكفيه ، لماذا سعى إلى المزيد؟ الآن سيُحرَمُ كلّ شيء.. سيُحرَمُ كلّ شيء
طأطأ رأسَه أيضاً ، و قرّرَ أن يختصرَ عذابه هذا ، فألحّ بالطلب:
_"أخبريني يا يارا ، سأفهمُكِ"
_"في الواقع.. أخي علي عادَ من السّفر.. و أنا.. كم السّاعة؟"
رفعَتْ رأسَها و سألَتْه فجأةً في خضمِّ استرسالها ، استرسالها في التّلعثم طبعاً ، لم يكن قدِ استوعبَ الأمرَ في أوّلِ عشرِ ثوانٍ ، هو فقط استغربَ كيف أنّها تحوّلتْ للنّظرِ إليه بهذه السّرعة ، المخيفة ، ثمَّ عادَتْ تهرّبُ ناظريها بذاتِ السّرعة ، ما بالُها يارا؟ ما الذّي يحدثُ معها؟
رفعَ ساعدَه بعدَ لحظاتٍ يطّلعُ على ساعةِ يده ، ما يزالُ مستغرباً جدّاً حتّى الآن ، لكنّه لم ينبس بحرف ، كانَ قلقاً كذلك على نحوٍ ما ، يريدُها أن تحكي ما لديها بسرعة ، بسرعة
_"الواحدةُ إلّا ربع"
_"انتظرني لحظة.. سأتّصلُ بأهلي من الهاتفِ هناك.."
_"لحظة ، ها هو هاتفي"
أوقفها على عجلة ، و تناولَ هاتفَه النّقّالَ من جيبِ قميصِه الأزرق ، مدّه في ناحيتها يرجو أن تلتقطه ، أن تلمسَ يدَه و هي تأخذُه من بين أصابعه ، حتّى لو كانَتْ للمرّةِ الأخيرة ، كانَ يشفقُ على نفسه ، بيدَ أنّه غيرُ قادرٍ على أن يتصرّفَ بموجبِ هذه الشّفقة ، يفعلُ ما يمليه عليه إحساسُه و حسب ، حسن صادق ، و رقيقٌ حتّى لو لم يكن بريئاً في بعضِ الأحيانِ كما يبدو.
حدّقت يارا في هاتفه ، و فكّرَتْ لبرهة وجيزة ، ماذا سيحدثُ لو قبلَتْ دعوته؟ لا ، لن تستطيع
_"لا لا.. لدينا كاشفُ أرقام.. سيعرفون أنّني أتحدّثُ من رقمِ هاتفٍ جوّال.. سيكشفون أمري.."
_"أمركِ؟ ثمّ ليعرفوا أين المشكلة؟"
_"سأشرحُ لكَ بعد قليل.. اصبر فقط"
نهضَتْ على عجلة ، و تردّدٍ في ذاتِ الوقت ، تركَتْ حقيبتها إلى قربِه ، حرّكتها قليلاً في الخفاء ، ثمَّ مشَتْ ، توجّهت نحو هاتفٍ عامٍّ كائنٍ بعيداً منهم بقليل ، هاتفٍ خاصٍّ بالمنتزه ، يمكنُ القولُ أنّ حسن حاقدٌ عليه الآن ، و لا يدركُ الأمرَ حقَّ الإدراك.
تنهّدَ يائساً ، و أشاحَ بوجهه عنها لئلّا تخاله يراقبُها ، وقعَتْ عينُه بعدَ برهةٍ على ورقةٍ تتدلّى من حقيبتِها ، كادَتْ تقعُ و تطيرُ مع الهواء ، فالتقطَها سريعاً ، كانَ سيعيدُها دون النّظرِ إليها ، و لكن..
'إلى البنتِ الوحيدةِ التّي أحببت ، يارا'
عضَّ على شفتيه ، بشدّة ، أحسَّ بألمٍ يثقلُ أعماقَ صدرِه مع قراءةِ كلِّ كلمة ، و كأنّ العالمَ على وشكِ الانتهاءِ بعد هذه اللّحظة ، و كأنّ كلّ آماله و آلامه حشرجَتْ هنالك ، و أصبحَ على بعدِ شعرةٍ من الانهيار..
_"حانَ موعدُ إحضارِ ليلي من المدرسة ، لن أستطيعَ الذّهاب"
سمعَ صوتها و هي تتأفّف ، كانَتْ إلى قربه ، ترى الورقةَ في يدِه ، و تتركُ مسافةَ أمانٍ ما بينها و بينه ، في حالِ خرجَ انفعالُه عن الحُسبان ، و بالفعل ، كانَ يحملقُ بالورقةِ و كأنّها عدوّه الوحيد ، و لوهلة ، خُيِّلَ إليها أنّ وجهه أُعتِم ، و عيونه تقدحُ حقداً ، هل سيقتلُها الآن؟
_"هذا موضوعكِ الهامّ؟"
رفعَ رأسَه بعدَ برهةٍ إليها ، و رفعَ الرّسالةَ بيدِه يشيرُ إليها ، أحسّتْ برهبةٍ من نوعٍ آخر عندما لاقَتْ عينيه المتّقدتين ، هو يحافظُ على هدوئه بقوّةٍ إعجازيّة ، بدا لها جبّاراً ، لكنّ رهبتها لم تكن منه في هذه المرّة ، و إنّما ، أحسّت بأنّها على وشكِ خسارةِ شيءٍ مهمّ فعلاً ، لم يكن كذلك في الحسبان
_"دعني.. دعني أشرح.."
_"اشرحي"
قاطعَها بحزمٍ مهيب ، ما يزالُ هادئاً حتّى الآن ، هادئاً في الظّاهر ، فما يخفيه خلفَ هذا الهدوءِ واضحٌ تماماً ، تحاولُ يارا ألّا تراه.
جلسَتْ إلى قربِه ، رأسُها في الأرضِ و فكرُها تائهٌ مرتعب ، لم تجد سبيلاً هيّناً إلى الكلام ، كلُّ السّبلِ شائكة ، و كلُّ الكلامِ ليس له من ثقل ، كلُّ شيءٍ يهوي الآن ، حتّى علاقاتُها بأختيها قَدْ هوتْ منذُ قليل.. و ربّما بصديقةِ عمرها أيضاً..
تحمحمَ يستعجلُها ، ازدردَتْ ريقَها و هي تفكّر ، هو حتّى لم يملأ الفراغاتِ من عنده ، انتظرَ و هو غاضب ، أعطاها فرصةً و هو غاضب ، هل يحدثُ هذا في غيرِ المسلسلات؟
_"منذُ عامين.. كنتُ و هو على علاقة.. و انفصلنا.. كانَ نذلاً.. و الآن سمعَ بنا.. و عادَ يرسلُ لي.."
سكتا ، لوقتٍ قليل ، لقَدْ خمدَتْ بعضُ نيرانِه ، و اشتعلَتْ غيرُها في ذاتِ اللّحظة ، أصبحَ أغلبُ غضبِه منصبّاً على ذلك المُحِبِّ المجهول ، و بعضُه عليها ، دون سببٍ يستطيعُ تحديده ، هو فقط غاضب
_"لماذا تحتفظين بهذه؟"
_"كنتُ.. كنتُ سأرميها.."
ضغطَ على الرّسالةِ بين أصابعِ كفِّه ، ثمَّ دسّها في جيبِه و نهض ، على انفعالٍ شديد ، اسمُ ذلك النّذلِ مكتوبٌ بالكاملِ على الرّسالة ، و سوفَ يجدُه ، لقَدْ وعدَ نفسه.
فكّرَتْ يارا ، لجزءٍ من الثّانيةِ هرعَتْ من بعدِه نحو حبيبها الحقيقيِّ الذّي أضحى على شفا الرّحيلِ الحقيقيّ أيضاً ، أمسكَتْ ذراعه و شدّتها إلى خلف ، حسنٌ ، هو كذلك لم يتوقّع منها هذا
_"حسن.. لا ترحل.."
ألقى نظرةً على من حوله ، ثمَّ همهمَ لها و حلَّ يدها من على ساعده ، كثيرٌ ممّن كانَ في المنتزه أضحى يراقبُهما ، و كأنّهما مشهدٌ مجانيٌّ في دراما شارعيّة ، أزعجَه ذلك
_"ليس هنالك شيءٌ بيننا.. انتهى الأمرُ منذُ زمنٍ طويل.. اسأل فرح و ستخبرك"
هزَّ برأسِه ، ثمّ تابعَ طريقَ المغادرةِ دون وداع ، لم يتلفّظ ، لم يخبرها بشيء ، تركَها عالقةً بين الشّكوكِ و الأوهامِ و الإحساسِ بالذّنب ، لقَدْ تضاعفَ ذنبُها الآن ، أصبحَتْ تحملُ ذنبَه و ذنبَها ، ماذا فعلتِ يا يارا؟ ماذا فعلتِ بنفسكِ؟
عادَتْ إلى المقعد ، لا تشعرُ بشيء ، حملَتْ حقيبتَها و غادرتِ المنتزه ، كانَتْ ساقاها تسيران فقط ، تسيران وحدهما طوالَ الطّريق ، بين الأشجارِ و الغيومِ و البيوتِ و ربّما النّاس ، كانَتْ تلومُ نفسها ، و تفكّرُ في أنّها لم تكن لتخسرَ كلَّ هذا لو أنّها صارحَتْ علي فقط ، حتّى لو ضربها ، و لم يكن ليفعل ، لكانَ الأمرُ أهونَ بكثيرٍ ممّا حدثَ الآن.
كيف حدثَ هذا؟ كيف أوقعَتْ نفسها في هذا الشّرك؟ هل جُنَّتْ يارا؟
وصلَتْ بابَ البيتِ أخيراً ، ستستطيعُ أن تأوي إلى فراشها و تنام ، لقَدْ تعبَتْ من التّفكير ، الأمورُ ستُحَلُّ غداً ، نعم ، كلُّ شيءٍ سيكونُ على ما يُرام ، تردّدُ إحدى صديقاتِها هذا الكلام على الدّوام.
فتحتِ البابَ دون أن تعي ، و دخلَتْ أخيراً ، لاقتها فاتن في الدّاخل ، قليلاً ما تقفُ أختها هنالك في انتظارها ، حسنٌ ، فاتن لم تنتظرها على الإطلاقِ بحماسة ، إلّا لو كانَ هنالك مصيبة ، و هذا ما يبدو عليه الأمر
_"مرحباً"
_"اهربي ، برأيي"
تلفّظَتْ فاتن ببرود ، على عادتِها ، و ضمَّتْ ساعديها إلى صدرها ، لم تجزع يارا في هذه المرّة ، فهي لم تعد تشعرُ تماماً ، ما عادَ هنالك فارقٌ أيّما حدث
_"ما الأمر؟"
_"لقَدْ تركتِ ليلي لساعةٍ في المدرسة ، ذهبَ علي يقلّها"
_"ساعة!؟ عمّ تتكلّمين!؟ يا إلهي!"
صاحَتْ مصدومة ، كانَتْ قَد غفلَتْ تماماً عن الموعدِ الحقيقيِّ لانصرافِ ليلي ، و ظنَّتْ أنّه حلَّ وقتما اتّصلَتْ بفاتن هنالك في المتنزّه ، لقَدِ ارتعبَتِ البنتُ و جُنَّ علي ، هي واثقة.
خارَتْ قواها أخيراً ، و أسندَتْ جسدها إلى جدارِ الممرّ ، و فاتن طبعاً التّي لا تعرفُ شيئاً من كمّ التّراكماتِ على رأسِ أختها و صدرها و كاهلها ، استهجنت موقفها ، و صارَتْ تردّدُ في داخلها: "كم هي مُبالغة!"
_"اهدئي يا بنت ، لا يجرؤ على الاقترابِ منكِ ، فأبوكِ سيقفُ في وجهه"
_"أبي؟ أبي لم يكلّمه و هو يتجاهلُ أُمّي! لقَدْ خرّبا علينا كلّ شيء! هما السّبب!"
طُرِقَ البابُ بعدَ لحظات ، في خلالِ كانَتْ فاتن تفكّرُ جدّيّاً في أن تحاضرَ يارا حولَ عقلها و كرامتها ، لكنّها تراجعت ، ربّما سينتهي كلُّ هذا الآن.
انكبّتْ يارا على مقبضِ البابِ تشدُّه ، ظهرَت ليلي في فتحته مباشرةً ، مبتسمةً و كأنّ شيئاً لم يكن ، تجرُّ حقيبتها على الأرض ، أحسَّتْ يارا بالذّنبِ من جديد ، و ارتمت عليها تعانقُها كما لو أنّها لم ترها منذُ سنوات ، تريدُ أن تسامحها.. هي و حسن ، و الجميع
_"أنا آسفة ليلي.. آسفة آسفة.."
لم تفهمِ الصّغيرةُ الأمر ، كانَتْ محتجزةً بين ذراعي أختها ، و أختها تبكي ، يارا تبكي اليوم ، هذه أوّلُ مرّةٍ ترى فيها ليلي أختها تبكي هكذا ، شعرَتْ بالخوف.
اقتربَت فاتن منهما ، ألقَتْ نظرةً إلى الخارج ، علي لم يكن هنالك ، ما يزالُ أمام يارا وقتٌ لكي تغادرَ و تلملمَ نفسها ، ليس هنالك من داعٍ لنشوبِ النّزاعاتِ منذُ الآن
_"أين ذهبَ علي يا ليلي؟"
_"انتظرتُه ، لم يأتِ"
أجابَتْ و هي عابسة ، و أوقعَت قلبَ يارا من جديدٍ أرضاً ، أين هو الآن ما لم يكن معها؟ ماذا يفعلُ و ماذا سيفعل؟ أيّ نوعٍ من الغضبِ لديه الآن؟
_"ماذا تقولين؟ و كيف جئتِ أنتِ؟"
_"مع إيلي ، في الحافلة"
نظرتِ الشّابّتان إلى بعضهما البعض ، يارا بقلق ، و فاتن ببرودِها المُعتاد ، ربّما المصطنع ، في حينِ انسلّت ليلي بينهما مع حقيبتها ، لقدِ اشتاقَتْ إلى النّوم ، لم تنم منذُ ، لا تزالُ لا تعرف
_"سيقتلُكِ"
دلع☆