سارَ إيليا و ليلي في أروقةِ المدرسة ؛ كانَ البناءُ بأكمله غاصّاً بالصّبيةِ و البنات ، ينبعون من كلِّ مكانٍ كما وصفَ لها الصّبيُّ من قبل ، لكنّها لم تشعر بالرّوعةِ ذاتها التّي شعرَتْ بها يوم سمعتِ الكلام ، على العكس ، أحسَّتْ بثقلٍ في صدرها ، و كأنّ الهواءَ ناقصٌ لا يكفي الجميع.
كانا في الطّابقِ الأرضيِّ حيث مكاتبُ الإدارة ، انعطفَ معها بعيداً عن بوّابةِ السّاحةِ و الأدراج ، و توجّه نحو آخرِ الممرّ ، ثمَّ إلى صفِّ السّنةِ الأخيرةِ في التّحضيريّ ، حيثُ ستحضرُ و ستدرسُ من الآن و صاعداً ، هذا الصّفُّ و الأصغرُ منه لا ينبغي عليه الاصطفافُ صباحاً ، و ليلي طبعاً جديدةٌ هنا ، لذلك إيلي أخذَ على عاتقِه إيصالها قبلَ الذّهابِ إلى السّاحة ، حيث يقفُ رفاقُه مع المُعلّمةِ الجديدة؛
إيلي في الصّفِّ الثّالثِ الآن ، و هو طالبٌ مُجِدٌّ و ذكيّ ، تُحِبُّه جميعُ المُعلّماتِ تقريباً ، و يُحِبُّه رفاقُه أيضاً ، أخبرها من قبلُ كم مدحوه في الصّفّ ، و كانَتْ تشعرُ بالغيرةِ منهم ، ليلي تريدُ أن تُحِبَّه أكثر منهم جميعاً ، تظنُّ أنّ الحُبَّ جميلٌ جدّاً ، حتّى لو قدّمته لزهيرةِ أمل ، فهي ستتحوّلُ إلى جنيّةٍ و ستردُّ لها هذا الحُبّ بشكلِ أمنيات ؛ حسنٌ ، ذلك خيالُ هنا ، إحدى صديقاتِ يارا المُقرّبات.
كانَت معلّماتُ القسمِ التّحضيريّ واقفاتٍ كلٌّ عند بابَ صفّها ، تنتظرن الطّلّاب ، إحداهنّ تابعَتْ إيلي مُذِ انعطفَ حتّى بلغ قريباً منها ، و وجهها محمّلٌ بابتسامةٍ دافئةٍ رائقة ، تعرفُه ، و يعرفُها جيّداً.
لحظتها ليلي ، كانَتِ امرأةً سمراء ذاتَ شعرٍ أسودَ ملمومٍ إلى خلف بلمقط ، ترتدي تنّورةً طويلةً و سترةً قصيرةً مع قميصٍ أبيض ، ذكّرتها بوالدةِ إحدى الشّخصيّاتِ في واحدٍ من برامجها المُفضّلة ، لكنّها لم تتكلّم ، ظلَّتْ متمسّكةً بإيلي ذي الوجهِ المُشرقِ حتّى وصلَ هنالك ، إلى عندها بالضّبط ، عند آخر صفٍّ في الممرّ
_"مرحباً مُعلّمتي"
أشرقَ وجهُ المُعلّمةِ أكثر ، و دنتْ منه و هي تتأمّلُه ؛ هذا الصّبيُّ الجميلُ قَدْ كبرَ فعلاً ، الطّفلُ الذّي اعتنتْ به مُذْ كانَ رضيعاً ، يقفُ أمامها الآن بقوّة ، بجرأة ، و باحترام ، لقَدْ مرَّ الوقتُ بسرعةٍ هائلة ، تفكّرُ المعلّمة
_"أهلاً حبيبي"
_"هذه ليلي ، في صفّكِ مُعلّمتي"
شدَّ ذراعَ ليلي المتمسّكةَ به نحو الأمام ، و عرضَها على المُعلّمة ؛ رفعَتْ ليلي عينيها دون رأسها إلى وجه المُعلّمةِ الدّائريّ الصّافي ، استرقَتْ نظرةً إليها لترى إن كانَتْ سعيدةً بها أم منزعجة.
قرّبتِ المعلّمةُ كفّها من وجهِ ليلي ، ببطءٍ ما سمحَ للصّغيرةِ الخائفةِ بأن تراجعَتْ ، ابتسمَتْ لأجلها ، ابتسامةً خاصّةً لليلي ، و مسحَتْ على وجنتها ، لم يسبق و أن مسحَ أحدٌ على وجنتها هكذا ، لمسةً حنونةً أشعرتها بالأمان ، و أنستها ببساطةٍ رغبتها في الهرب ؛ هذه المعلّمةُ أجملُ من والدتها ، قالَتْ ليلي في نفسها
_"أهلاً بكِ طفلتي ، أنا مُعلّمتُكِ الجديدة ، أُدعَى نداء"
_"المعلّمة نداء يا ليلي"
_"هل ليلي قريبتُكَ حبيبي؟ تشبهان بعضكما"
هزّ إيلي برأسِه نافياً ، كانَ على وشكِ أن يستأنفَ إجابته لولا رنّ جرسُ الاصطفاف ، سمعته المُعلّمةُ أيضاً ، لا يجبُ أن يتأخّرَ إيلي في أوّلِ يوم ، من سيلتزمُ إذاً لو تأخّرَ هو؟
_"يجبُ أن أذهبَ يا مُعلّمتي"
_"اذهب عزيزي ، اعتنِ بنفسكَ جيّداً"
ابتسمَ بحياءٍ و أومأ لها ، ثمَّ ناولَها يدَ ليلي ، التّي كانَتْ تنقّلُ بصرها ببراءةٍ بين الاثنين ، تراجعَ إلى خلفَ ببطءٍ لئلّا يستديرَ أمام المعلّمة ، بضعةَ خطوات ، ثمَّ ركضَ في الاتّجاهِ الآخر ، إيلي رائع ، مثلُ علي ، فكّرَتْ ليلي ، و دون أن تفهمَ ما فعل بعد
_"هيّا طفلتي ، ادخلي و تعرّفي إلى رفاقك"
ولجَتْ ليلي إلى الصّفّ ، و هوَتْ خيالاتُها الطّفوليّةُ عنه أمام العتبة ، كانَتْ تخالُه كبيراً ، ورديّاً و أبيض ، و فيه طاولاتٌ مستديرةٌ و ألعاب ، لكنَّه كانَ أصغر ، مملوءاً بالأطفالِ و الأغراض ، و الطّاولاتُ فيه مستطيلةٌ و صغيرة ، و قصيرةٌ أيضاً ، خابَ أملُها كثيراً.
بحثَتْ عن مقعدٍ شاغرٍ في الأرجاء ، كانَ المقعدُ الثّاني عند النّافذةِ شاغراً ، فيه بنتٌ قصيرةُ الشّعر ، تجلسُ وحيدةً و تحدّقُ في كتابٍ أمامها.
وقفَتْ ليلي أمام المقعد ، انتظرَتْ قليلاً دون كلامٍ حتّى نظرَتْ إليها البنت ، لم ترغبِ البنتُ في أن تتكلّم ، بالنّسبةِ لليلي ، لذلك أقامَتْ حقيبتها من على الكرسيّ الآخر ، و أشارَتْ لها بالجلوس
_"شكراً.."
ابتسمَتِ البنت ، ثمَّ عادَتْ تحدّقُ في الكتابِ من جديد ، خافَتْ ليلي أن تظنَّها مملّة ، لذلك لم تتكلّم ، وضعت حقيبتها على الأرضِ و جلسَتْ.
مرَّ الوقتُ هكذا ، الجميعُ يتحدّثُ و ليلي و البنتُ ساكتتان ، لا تدري لماذا ، و لم ترغب في تركها و البحثِ عن أحدٍ آخرَ تبادلُه الحديث ، لا تريدُ أن تبدو أمام البنتِ مثل فاتن ، شوماء
_"يبدو أنّ زينة أحبّتكِ يا ليلي ، هذا جيّد"
علّقتِ المُعلّمةُ من عند الباب ، و أومأتْ لها البنتُ إلى قربها ، دون أن تتكلّم ، هذه زينة إذاً ، صديقةُ ليلي الأولى في المدرسة اسمُها زينة.
دخلتِ المُعلّمةُ من ثمّ ، و أغلقتِ الباب ، سألَتِ الطُّلّابَ أن يعرّفوا بأسمائهم واحداً تلو الآخر ، بدأتِ السّلسلةُ من جهةِ الطّاولاتِ المعاكسةِ لجهةِ ليلي ، علقَ في بالِ ليلي عدّةُ أسماء نستها بعدَ برهة ، و ظلّ اسمُ زينة عالقاً في ذهنها ، إلى أن جاءَ دورها هي ، لم تتوقّع على أيّةِ حال ، و أحسّت بشيءٍ ما ، إحساسٍ شديدٍ غريبٍ و مخيفٍ قليلاً ، جعلها تنطقُ اسمها بصوتٍ خافتٍ جدّاً ، كادَتْ أن تبكي لولا أن المعلّمةَ كرّرَتْ اسمها ، و شكرتها ، ليلي تشكرُها المعلّمةُ و هي تتصرّفُ هكذا.. هذا جميل!
جلسَتْ بارتياح ، و نظرَتْ نحو زينة ، وقفتِ البنتُ بقوّة ، صحيحٌ أنّها أغمضَتْ عينيها و لا تعرفُ ليلي لماذا ، لكنّها بدَتْ قويّة ، مثل دورايمون ، هل دورايمون قويّ؟
_"زي.. زي.. زينة"
ابتسمَتْ لها المعلّمة ، و شكرتها أيضاً ، لم تستغرب ليلي شيئاً حتّى جلستِ البنتُ و تنفّستِ الصّعداء ، يبدو أنّ الكلامَ صعبٌ جدّاً ، هو كذلك حتّى على الثّرثارةِ ليلي
_"أنتِ رائعة"
همسَتْ ليلي لزينة ، و هزَّتِ الأخيرةُ برأسها نافية ، دون أن تنظرَ إليها ، ظلّت تنظرُ إلى كتابِ الرّسومِ لئلّا تنظرَ إلى غيره ؛ زينة ليسَتْ رائعة ، زينة ليسَتْ كالأطفالِ الآخرين ، زينة مختلفة..
_____
زينة بنتٌ رائعة ، لا أزالُ مصرّةً على رأيي بعدَ كلِّ هذا الوقت ، لم يختلف رأيي فيها على الإطلاقِ حتّى بعدما شاركتُها المقعدَ سبعَ سنواتٍ أُخريات ، لم نتشاجر فيها أبداً و لم نتصالح ، و لم نزر بعضنا البعضَ في يومٍ من الأيّامِ أبداً.
زينة بنتُ المعلّمةِ نداء ، تشبهها في كثيرٍ من الأمور ، جميلةٌ و هادئةٌ و ودودةٌ كمثلها ، لديها ذاتُ العيونِ و ذاتُ الوجهِ الدّائريّ المحبوب ، صحيح ، هي و إيليا على قرابةٍ بعيدة ، المعلّمةُ من عائلةِ والدةِ إيليا ، و صديقةٌ قريبةٌ لها.
كانَتْ حزينة ، سمعتُ أنّ في أسرتها مشكلاتٍ كثيرة ؛ حسنٌ ، لم أكن أصلُ إلى أيّةِ تفاصيلَ عن زينة و المعلّمةِ حتّى لو رغبت ، ففي الإبتدائيّةِ لم أكن أنتبه ، و في الإعداديّةِ بعدما افترقنا ، لم يكن أمامي سبيلٌ إلّا إيليا ، و قَدْ كانَ الأخيرُ يجيبُني باختصارٍ إذا ما سألتُه عن أخبارهما ، كانَ يقولُ أنّ كلّ واحدةٍ منهما قمرٌ شاحب ، حزينةٌ و جميلة ، و إذا ما اقتربتُ منهما أكثر سأرى الشّحوب ، كنتُ أرى النّورَ و حسب ، أخبرتُه بهذا ، و كانَ يبتسم ، و يربّتُ على رأسي؛
ربّما إيليا كذلك كانَ قمراً شاحباً ، و ربّما أنا كذلك ، ربّما كلّ واحدٍ منّا في الحقيقةِ قمرٌ شاحب ، ربّما..
دلع☆