عندَ السّاعةِ السّادسةِ من يومِ الاثنين ، اليومِ التّالي لوصولِ زهرةِ إيليا إلى شبّاكِ ليلي ، و في ساعةِ مغادرةِ علي إلى دوامه المسائيّ في مكتبه الجديد ، هذا موعدُ لقاءِ ما بعد الجفاء بين إيليا و ليلي.
أُبلِغَ الموعدُ و أُعِدَّ في اليومِ السّابقِ عبرَ مجموعةٍ من المراسلين ، مجموعةٍ صغيرةٍ من أطفالِ الحيِّ لم يفهم أحدُهم اللّغزَ الذّي يتحدّث العاشقان عنه في الرّسائل ، حديقةٌ و زنبق ، و لكنّهم جميعاً قَدْ فهموا الغرضَ منها ، و منذُ وقتٍ طويل ، لا يمكنُ لاثنين في حالهما استغباءُ طفلٍ متحمّس ، هذا مستحيل.
كانَ إيليا في المكتبة ، يطالعُ كتاباً يُفترَضُ به إعدادُ دراسةٍ عنه ، و ينتظر ، تبقّى ربعُ ساعةٍ على الموعد ، و هو جالسٌ يلملمُ أفكارَه من جديد ، لقَدْ قضى اليومين الأخيرين في مراجعةِ ما فعلَ في رأسه و مع تيم أيضاً ، لا يزالُ يرى أنّه على حقّ ، و لكن في غيرته و رغبته في التّميّزِ مع ليلي ، لا في شكّه فيها و لا انسياقه وراءَ كلامٍ غبيٍّ تلفّظَتْ به بنتٌ بالكادِ يذكرُ اسمها؛
عقله في الفترةِ الأخيرةِ مفصولٌ عن العالم ، يشعرُ بأنّه يغوصُ في بحارٍ من العتمة ، يحاولُ أن ينسابَ دون رؤيةٍ مع التّدفّقِ المتّجه نحو شعلةٍ ما ، و كلّما انسابَ كلّما أدركَ أنّه لم يعد يميّزُ ما بين التّدفّقات ، يصلُ إلى منتصفِ الطّريق فيدركُ كونه مغيّباً عمّا حوله ، منظراً الفرج
_"مرحباً"
رفعَ رأسَه عن الكتابِ إلى الضّيفِ القادم ، و هبطَ صدرُه إلى أسفلِ جزءٍ فيه ، أصبحَ التّنفّسُ ثقيلاً ، و الفكرُ ضحلاً مستسلماً ، علي ، هذا الضّيفُ علي..
وقفَ إيليا مباشرةً ، أوقعَ الكتابَ بغيرِ قصدِه أرضاً ، و لم يفكّر في التقاطِه ، وقفَ يعاينُ ضيفه الطّويلَ شامخَ الهيئة ، لقدِ اختلفَ مُذْ قابله وجهاً لوجهٍ لآخرِ مرّة ، استحالَ رجلاً ضخماً أنيقاً ، أكثر ممّا كانَ من قبل ، لا يستطيعُ تحديدَ ما اختلفَ فيه تماماً ، فهو غيرُ قادرٍ على دراسةِ عينيه من وراءِ نظّاراته غامقةِ العدسات ، لا يستطيعُ معرفةَ ما يجوبُ في خاطره.. ماذا يريدُ علي منه؟
_"أ.. أهلاً.."
دخلَ بخطا ثابتة ، ألقى نظراتٍ مزدرئةً على محتوياتِ المكتبة ، ليس لأنّه لا يُحِبُّ الكتب ، و إنّما ليجعلَ إيليا يستشعرُ خطراً من حركاته ، عليه بذلك ، فقَدْ فهمَ من مناقشةِ ليلي مع فاتن في اليومِ السّابقِ أنّهما ما يزالان على تواصل ، هو يشكُّ في شيء ، لكنّه لا يملكُ أيّ دليلٍ على ما في خاطره ، لذلك يكتفي بالتّهديد ، التّهديدِ السّاكنِ اللّطيف
_"ألستَ إيليا؟"
_"بلى.. أنا إيليا"
_"أنا علي ، علي جاركم"
_"أهلاً بك ، تفضّل.."
أشارَ له نحو كرسيٍّ إلى قربه ، و غضَّ عينيه عنه ريثما جلس؛
شرعَ إيليا يأمرُ نفسه بأن يتماسك ، لم تعجبه فكرةُ ضعفِه أمام هالةِ علي العظيمة ، لم يرقه أنّه يقفُ أمامه كما وقفَ من قبلُ طفلاً ، ضعيفاً هيّناً لا قدرةَ له على الرّدّ ، لقَدْ وعدَ نفسه في ذلك الوقتِ بأن يعودَ أقوى ، بألّا يسمحَ له بقيادةِ الموقفِ حيث شاء ، لكنّ استعادةَ هذه الإرادةِ لاحقةٌ لأوانها ، فقَدِ استلمَ علي زمام الأمور ، و تمّ ما شاء
_"أخبرني أبي مؤخّراً أنّكَ ابنُ جرجس ، لم أكن أعلم"
_"تعرفُ أبي؟"
_"صدّق أو لا تصدّق ، عددتُه صديقاً لي ، رغمَ أنّه كانَ يكبرُني بستِّ سنوات"
رفعَ علي نظّاراتِه إلى شعره ، و ردّه بواسطتها عن جبهته ، كشفَ عن عينيه القويّتين في مواجهةِ إيليا قليلِ الحيلة ، الأخيرُ كانَ مصعوقاً تماماً ، فهذه أوّلُ مرّةٍ يسمعُ فيها عن أبيه على هذا النّحو ، الجميعُ يحكي له عن جيرةٍ و سلام ، لم يحدث و حكى أحدٌ عن صداقةٍ أو معرفةٍ وطيدة ، و اليوم من يتكلّم؟ علي؟
_"كانَ رجلاً عنيداً و قويّاً ، متشبّثاً بأفكاره حتّى لو عارضت كلّ شيءٍ في الأرض ، كانَ شيوعيّاً ماركسيّاً أيضاً"
_"شيوعيّاً؟ لم يخبرني أحدٌ بذلك"
أظهرَ علي ابتسامةً هادئة ، أجالَ من بعدها عينيه يتذكّرُ أيّام جرجس و أيّام مراهقته إلى قربه ، كانَ علي في الخامسة عشر ، و كانَ جرجس عشرينيّاً جامعيّاً ، خالَه في ذلك الوقتِ أعظمَ رجالِ الأرض ، فقد علّمه كثيراً من الأمور ، كما علّمه كيف يخرجُ منها إلى أفكاره و معتقداته الخاصّة ، لم يكن يفرضُ شيئاً و لا يخشى شيئاً ، لا يزالُ يراه عظيماً رغم كلّ ما حدث
_"جيلُ هذه الأيّامِ يرى الشّيوعيّةَ تهمة ، كانَ أبوكَ يطالبُ بأن يُغلَبَ التّيّارَ الثّقافيّ القادمَ من الثّمانينات ، لكنّ رجالَ الدّين غلبوه و غلبوا الجميع على ما يبدو"
_"كانَ ضدّ الأديان؟"
_"كان ضدّ إعطاءِ رجالِ الدّين السّلطةَ على النّاس ، و مع أن تكونَ سائرُ العلومِ بذاتِ الأهميّة"
_"أي ضدّ التّديّن"
_"لا ، أبوكَ كانَ مسيحيّاً رغمَ أنّه أسلمَ في المحكمةِ ليتزوّج ، و ظلّ مسيحيّاً يحضرُ القدّاسَ و يحتفلُ بالأعياد ، و لو أنّ أهله قاطعوه منذ ذلك الحين"
فكّرَ إيليا لبعضٍ من الوقت ، كيف لهذا المتحلّي بفكرٍ كذا أن يظلّ خانقاً لأخته الصّغرى؟ خائفاً عليها من كلّ شيء؟ و أدركَ في لحظةٍ من اللّحظاتِ أنّ تخيّلاته عن الشّيوعيّةِ بحدّ ذاتها خاطئة ، أو عن الشّيوعيين أنفسهم ، فقد كانوا أناساً لكلٍّ منهم عقليّة ، و اجتمعوا على شيءٍ محدّدٍ في هذه العقليّة ، هذه القصّة
_"يقولون أنّ الآباء يأكلون الحصرم و الأبناءُ يضرسون ، أنتَ ضحيّةُ ظنِّ أبيكَ أنّه قويٌّ كفايةً ليغلبَ المجتمع ، حتّى الحكومةُ اعتقلته عدّة مرّاتٍ و لم يتب"
_"هل كانَ وحيداً أيضاً؟"
_"الجميعُ وحيدٌ يا إيليا ، لا أحدَ يغفو ليلاً و هو معتقدٌ بغيرِ ذلك"
طأطأ إيليا رأسه ، و حاولَ النّظرَ بثباتٍ في وجهِ علي ، غريمِه في باحةٍ من باحاتِ الذّاكرة ، و عندما تمكّنَ من ذلك أدرك ، كانَتْ تلك أوّلَ مرّةٍ يركّزُ فيها في ملامحه ، يبدو متعباً ، ناضجاً ، و يحملُ ليلي في نورِ عينيه..
_"هل كانَ.. صالحاً؟"
_"من أيّةِ ناحية؟"
_"من ناحيتك"
_"كانَ عظيماً"
_"شكراً لكَ علي.. من كلّ قلبي.."
زادَ علي في وسعِ ابتسامته ، و ربّتَ برفقٍ على كتفِ الشّابِّ اليافع ، ثمّ نهضَ دون أن يردفَ على الحديث ، توجّهَ نحو أحدِ الرّفوفِ في المكتبة ، و فكّرَ في أن يبتاعَ كتابين لطيفين واحدٌ لصغيرته و آخر لابنِ أخته ، كتابين صغيرين يناسبانهما ، سيختارُ دفترَ تلوينٍ لعلي و قصّةً قصيرةً لليلي ، و لكن ماذا سيختار؟
_"هل لي بطلبٍ؟"
_"تفضّل"
_"أريدُ كتابين ، واحداً للأطفال و قصّةً مناسبةً لبنتٍ في الثّانويّة"
_"فوراً"
نهضَ إيليا و أسرعَ البحثَ في جهةِ الأطفالِ من المكتبةِ لإتمامِ الجزءِ الأوّلِ من الطّلب ، عثرَ على عدّةِ كتيّباتٍ صغيرةٍ عرضها على علي الذّي ظلّ واقفاً عند طاولةِ الجلوس ، أعجبته ألوانُ الأغلفةِ أوّلاً ، لكنّه يجبُ أن يعرفَ ما سيشدُّ اهتمامَ علي الصّغيرِ من بينها ، ابتاعَ في النّهايةِ روايةً و دفتراً ، ثمَّ و هو في طريقِه للخروج ، اصطدمَ بآخر من يجبُ أن يأتي الآن.
نظرَ في وجهها ، تلاقتِ الأعين و تجمّدَ الهواء ، كانَتِ العودةُ عن هذا الخطأ خياراً متأخّراً ، لاحقاً لأوانه ، لقَدْ ثبتَ شكُّ علي ، و تخلخلَ ثباتُ ليلي أمام هذه المصادفةِ غيرِ اللّطيفة..
_"ماذا تفعلين هنا ليلي؟"
_"جئ.. أنا.."
أغمضتْ عينيها يائسةً من إيجادِ كلامٍ مناسب ، و فهمَ هو كلّ شيء ، دفعها أمامه برفقٍ لكي تتوجّه إلى البيت.
هذه المرّةُ الثّانيةُ التّي يصدفها فيها في المكتبة ، و هي الأخيرةُ على الأكيد
____
و كانَتْ تلك آخرَ زيارةٍ لي للمكتبةِ يا كتابي العزيز ، و آخرُ مرّةٍ أرتّبُ فيها لقاءً مع إيليا ، أظنّ ذلك كانَ في ختامِ تشرين ، قبلَ ستّةِ أشهرَ تقريباً.
أذكرُ أنّني لم أعد أجرؤ على مغادرةِ البيتِ من بعدِ ذلك الموقف ، أخرجُ مع زين إلى المدرسةِ و أعودُ معه ، و كانَ علي يتجاهلُني ليس و كأنّني موجودة ، لم يسألني عن شيءٍ على الإطلاق ، عدتُ معه إلى المنزلِ بسكون ، و ظلّ السّكونُ مخيّماً علينا فترة ، إلى أن قرّرتُ أن أكسره بنفسي ، لا انتظر ، ما يزالُ الحديثُ عن هذا مبكّراً ، سأحكي لكَ ختامَ قصّتي مع إيليا قريباً يا كتابي ، اصبر قليلاً بعد..
دلع☆