الأوّلُ من بعد الخمسين

الأوّلُ من بعد الخمسين

76 0

عندَ السّاعةِ السّادسةِ من يومِ الاثنين ، اليومِ التّالي لوصولِ زهرةِ إيليا إلى شبّاكِ ليلي ، و في ساعةِ مغادرةِ علي إلى دوامه المسائيّ في مكتبه الجديد ، هذا موعدُ لقاءِ ما بعد الجفاء بين إيليا و ليلي.

أُبلِغَ الموعدُ و أُعِدَّ في اليومِ السّابقِ عبرَ مجموعةٍ من المراسلين ، مجموعةٍ صغيرةٍ من أطفالِ الحيِّ لم يفهم أحدُهم اللّغزَ الذّي يتحدّث العاشقان عنه في الرّسائل ، حديقةٌ و زنبق ، و لكنّهم جميعاً قَدْ فهموا الغرضَ منها ، و منذُ وقتٍ طويل ، لا يمكنُ لاثنين في حالهما استغباءُ طفلٍ متحمّس ، هذا مستحيل.

كانَ إيليا في المكتبة ، يطالعُ كتاباً يُفترَضُ به إعدادُ دراسةٍ عنه ، و ينتظر ، تبقّى ربعُ ساعةٍ على الموعد ، و هو جالسٌ يلملمُ أفكارَه من جديد ، لقَدْ قضى اليومين الأخيرين في مراجعةِ ما فعلَ في رأسه و مع تيم أيضاً ، لا يزالُ يرى أنّه على حقّ ، و لكن في غيرته و رغبته في التّميّزِ مع ليلي ، لا في شكّه فيها و لا انسياقه وراءَ كلامٍ غبيٍّ تلفّظَتْ به بنتٌ بالكادِ يذكرُ اسمها؛

عقله في الفترةِ الأخيرةِ مفصولٌ عن العالم ، يشعرُ بأنّه يغوصُ في بحارٍ من العتمة ، يحاولُ أن ينسابَ دون رؤيةٍ مع التّدفّقِ المتّجه نحو شعلةٍ ما ، و كلّما انسابَ كلّما أدركَ أنّه لم يعد يميّزُ ما بين التّدفّقات ، يصلُ إلى منتصفِ الطّريق فيدركُ كونه مغيّباً عمّا حوله ، منظراً الفرج

_"مرحباً"

رفعَ رأسَه عن الكتابِ إلى الضّيفِ القادم ، و هبطَ صدرُه إلى أسفلِ جزءٍ فيه ، أصبحَ التّنفّسُ ثقيلاً ، و الفكرُ ضحلاً مستسلماً ، علي ، هذا الضّيفُ علي..

وقفَ إيليا مباشرةً ، أوقعَ الكتابَ بغيرِ قصدِه أرضاً ، و لم يفكّر في التقاطِه ، وقفَ يعاينُ ضيفه الطّويلَ شامخَ الهيئة ، لقدِ اختلفَ مُذْ قابله وجهاً لوجهٍ لآخرِ مرّة ، استحالَ رجلاً ضخماً أنيقاً ، أكثر ممّا كانَ من قبل ، لا يستطيعُ تحديدَ ما اختلفَ فيه تماماً ، فهو غيرُ قادرٍ على دراسةِ عينيه من وراءِ نظّاراته غامقةِ العدسات ، لا يستطيعُ معرفةَ ما يجوبُ في خاطره.. ماذا يريدُ علي منه؟

_"أ.. أهلاً.."

دخلَ بخطا ثابتة ، ألقى نظراتٍ مزدرئةً على محتوياتِ المكتبة ، ليس لأنّه لا يُحِبُّ الكتب ، و إنّما ليجعلَ إيليا يستشعرُ خطراً من حركاته ، عليه بذلك ، فقَدْ فهمَ من مناقشةِ ليلي مع فاتن في اليومِ السّابقِ أنّهما ما يزالان على تواصل ، هو يشكُّ في شيء ، لكنّه لا يملكُ أيّ دليلٍ على ما في خاطره ، لذلك يكتفي بالتّهديد ، التّهديدِ السّاكنِ اللّطيف

_"ألستَ إيليا؟"

_"بلى.. أنا إيليا"

_"أنا علي ، علي جاركم"

_"أهلاً بك ، تفضّل.."

أشارَ له نحو كرسيٍّ إلى قربه ، و غضَّ عينيه عنه ريثما جلس؛

شرعَ إيليا يأمرُ نفسه بأن يتماسك ، لم تعجبه فكرةُ ضعفِه أمام هالةِ علي العظيمة ، لم يرقه أنّه يقفُ أمامه كما وقفَ من قبلُ طفلاً ، ضعيفاً هيّناً لا قدرةَ له على الرّدّ ، لقَدْ وعدَ نفسه في ذلك الوقتِ بأن يعودَ أقوى ، بألّا يسمحَ له بقيادةِ الموقفِ حيث شاء ، لكنّ استعادةَ هذه الإرادةِ لاحقةٌ لأوانها ، فقَدِ استلمَ علي زمام الأمور ، و تمّ ما شاء

_"أخبرني أبي مؤخّراً أنّكَ ابنُ جرجس ، لم أكن أعلم"

_"تعرفُ أبي؟"

_"صدّق أو لا تصدّق ، عددتُه صديقاً لي ، رغمَ أنّه كانَ يكبرُني بستِّ سنوات"

رفعَ علي نظّاراتِه إلى شعره ، و ردّه بواسطتها عن جبهته ، كشفَ عن عينيه القويّتين في مواجهةِ إيليا قليلِ الحيلة ، الأخيرُ كانَ مصعوقاً تماماً ، فهذه أوّلُ مرّةٍ يسمعُ فيها عن أبيه على هذا النّحو ، الجميعُ يحكي له عن جيرةٍ و سلام ، لم يحدث و حكى أحدٌ عن صداقةٍ أو معرفةٍ وطيدة ، و اليوم من يتكلّم؟ علي؟

_"كانَ رجلاً عنيداً و قويّاً ، متشبّثاً بأفكاره حتّى لو عارضت كلّ شيءٍ في الأرض ، كانَ شيوعيّاً ماركسيّاً أيضاً"

_"شيوعيّاً؟ لم يخبرني أحدٌ بذلك"

أظهرَ علي ابتسامةً هادئة ، أجالَ من بعدها عينيه يتذكّرُ أيّام جرجس و أيّام مراهقته إلى قربه ، كانَ علي في الخامسة عشر ، و كانَ جرجس عشرينيّاً جامعيّاً ، خالَه في ذلك الوقتِ أعظمَ رجالِ الأرض ، فقد علّمه كثيراً من الأمور ، كما علّمه كيف يخرجُ منها إلى أفكاره و معتقداته الخاصّة ، لم يكن يفرضُ شيئاً و لا يخشى شيئاً ، لا يزالُ يراه عظيماً رغم كلّ ما حدث

_"جيلُ هذه الأيّامِ يرى الشّيوعيّةَ تهمة ، كانَ أبوكَ يطالبُ بأن يُغلَبَ التّيّارَ الثّقافيّ القادمَ من الثّمانينات ، لكنّ رجالَ الدّين غلبوه و غلبوا الجميع على ما يبدو"

_"كانَ ضدّ الأديان؟"

_"كان ضدّ إعطاءِ رجالِ الدّين السّلطةَ على النّاس ، و مع أن تكونَ سائرُ العلومِ بذاتِ الأهميّة"

_"أي ضدّ التّديّن"

_"لا ، أبوكَ كانَ مسيحيّاً رغمَ أنّه أسلمَ في المحكمةِ ليتزوّج ، و ظلّ مسيحيّاً يحضرُ القدّاسَ و يحتفلُ بالأعياد ، و لو أنّ أهله قاطعوه منذ ذلك الحين"

فكّرَ إيليا لبعضٍ من الوقت ، كيف لهذا المتحلّي بفكرٍ كذا أن يظلّ خانقاً لأخته الصّغرى؟ خائفاً عليها من كلّ شيء؟ و أدركَ في لحظةٍ من اللّحظاتِ أنّ تخيّلاته عن الشّيوعيّةِ بحدّ ذاتها خاطئة ، أو عن الشّيوعيين أنفسهم ، فقد كانوا أناساً لكلٍّ منهم عقليّة ، و اجتمعوا على شيءٍ محدّدٍ في هذه العقليّة ، هذه القصّة

_"يقولون أنّ الآباء يأكلون الحصرم و الأبناءُ يضرسون ، أنتَ ضحيّةُ ظنِّ أبيكَ أنّه قويٌّ كفايةً ليغلبَ المجتمع ، حتّى الحكومةُ اعتقلته عدّة مرّاتٍ و لم يتب"

_"هل كانَ وحيداً أيضاً؟"

_"الجميعُ وحيدٌ يا إيليا ، لا أحدَ يغفو ليلاً و هو معتقدٌ بغيرِ ذلك"

طأطأ إيليا رأسه ، و حاولَ النّظرَ بثباتٍ في وجهِ علي ، غريمِه في باحةٍ من باحاتِ الذّاكرة ، و عندما تمكّنَ من ذلك أدرك ، كانَتْ تلك أوّلَ مرّةٍ يركّزُ فيها في ملامحه ، يبدو متعباً ، ناضجاً ، و يحملُ ليلي في نورِ عينيه..

_"هل كانَ.. صالحاً؟"

_"من أيّةِ ناحية؟"

_"من ناحيتك"

_"كانَ عظيماً"

_"شكراً لكَ علي.. من كلّ قلبي.."

زادَ علي في وسعِ ابتسامته ، و ربّتَ برفقٍ على كتفِ الشّابِّ اليافع ، ثمّ نهضَ دون أن يردفَ على الحديث ، توجّهَ نحو أحدِ الرّفوفِ في المكتبة ، و فكّرَ في أن يبتاعَ كتابين لطيفين واحدٌ لصغيرته و آخر لابنِ أخته ، كتابين صغيرين يناسبانهما ، سيختارُ دفترَ تلوينٍ لعلي و قصّةً قصيرةً لليلي ، و لكن ماذا سيختار؟

_"هل لي بطلبٍ؟"

_"تفضّل"

_"أريدُ كتابين ، واحداً للأطفال و قصّةً مناسبةً لبنتٍ في الثّانويّة"

_"فوراً"

نهضَ إيليا و أسرعَ البحثَ في جهةِ الأطفالِ من المكتبةِ لإتمامِ الجزءِ الأوّلِ من الطّلب ، عثرَ على عدّةِ كتيّباتٍ صغيرةٍ عرضها على علي الذّي ظلّ واقفاً عند طاولةِ الجلوس ، أعجبته ألوانُ الأغلفةِ أوّلاً ، لكنّه يجبُ أن يعرفَ ما سيشدُّ اهتمامَ علي الصّغيرِ من بينها ، ابتاعَ في النّهايةِ روايةً و دفتراً ، ثمَّ و هو في طريقِه للخروج ، اصطدمَ بآخر من يجبُ أن يأتي الآن.

نظرَ في وجهها ، تلاقتِ الأعين و تجمّدَ الهواء ، كانَتِ العودةُ عن هذا الخطأ خياراً متأخّراً ، لاحقاً لأوانه ، لقَدْ ثبتَ شكُّ علي ، و تخلخلَ ثباتُ ليلي أمام هذه المصادفةِ غيرِ اللّطيفة..

_"ماذا تفعلين هنا ليلي؟"

_"جئ.. أنا.."

أغمضتْ عينيها يائسةً من إيجادِ كلامٍ مناسب ، و فهمَ هو كلّ شيء ، دفعها أمامه برفقٍ لكي تتوجّه إلى البيت.

هذه المرّةُ الثّانيةُ التّي يصدفها فيها في المكتبة ، و هي الأخيرةُ على الأكيد

____

و كانَتْ تلك آخرَ زيارةٍ لي للمكتبةِ يا كتابي العزيز ، و آخرُ مرّةٍ أرتّبُ فيها لقاءً مع إيليا ، أظنّ ذلك كانَ في ختامِ تشرين ، قبلَ ستّةِ أشهرَ تقريباً.

أذكرُ أنّني لم أعد أجرؤ على مغادرةِ البيتِ من بعدِ ذلك الموقف ، أخرجُ مع زين إلى المدرسةِ و أعودُ معه ، و كانَ علي يتجاهلُني ليس و كأنّني موجودة ، لم يسألني عن شيءٍ على الإطلاق ، عدتُ معه إلى المنزلِ بسكون ، و ظلّ السّكونُ مخيّماً علينا فترة ، إلى أن قرّرتُ أن أكسره بنفسي ، لا انتظر ، ما يزالُ الحديثُ عن هذا مبكّراً ، سأحكي لكَ ختامَ قصّتي مع إيليا قريباً يا كتابي ، اصبر قليلاً بعد..

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة