_"ليلي! توقّفي عن التّذمّرِ و اذهبي إلى الغرفة!"
_"و لكن! أريدُ أن أخرجَ في نزهة!"
_"ليلي!"
.
.
.
تجلسُ ليلي الصّغيرةُ منذُ ، حسنٌ هي لا تحسنُ قراءةَ السّاعةِ بعد ، لا تعرفُ كم كانتِ السّاعةُ عندما دخلَتْ ، و لا تعرفُ كم هي الآن ، لكنّ إحساسَها يقولُ أنّها تجلسُ منذُ ساعةٍ لوحدها ، لا أحدَ يريدُ الجلوسَ معها.
ليلي وحيدة.
استدارَتْ كثيراً فيما حولها ، ليلي تحفظُ هذه الغرفةَ بحذافيرها ، تحفظُ نمطَ التّنقيطِ في ورقِ الجدار ، و مكانَ سريرها و سريرِ يارا شقيقتها ، و مكانَ الخزانةِ و أحياناً ما فيها ، تحفظُ كذلك صورَ النّجومِ التّي تعلّقُها يارا على جهتها من الجدار ، فوقَ طاولتها الدّراسيّة ، تضعُ صوراً لنجومٍ من البشرِ و للأجرامِ السّماويّة ، يمكنُ للطّفلةِ أن تتذكّرَها جميعها بعد ساعاتٍ من مفارقتِها ، و لا يمكنُ ليارا أن تتذكّرَ شيئاً من خصوصيّاتِ ليلي ، التّي ما زالَتْ تقتصرُ على برنامجٍ كرتونيٍّ يُعرَضُ على التّلفازِ في وقتِها المخصّص ، و بضعةِ شخصيّاتٍ من التّي تُحِبُّها هي ؛ ليلي تُحِبُّ يارا كثيراً ، و تشتاقُ إليها دائماً ، لكنّ يارا كثيراً ما تغيبُ في أثناءِ النّهار ، و لا تعودُ حتّى تنامَ ليلي ، ليتَ العالمَ يتركُ يارا لها ، تفكّرُ الصّغيرة.
مدّدَتْ أطرافَها الضّئيلةَ على سريرِها قليلِ الارتفاع ، و دفعَتْ شيئاً بغيرِ قصدها ، لكنّها لم تعد النّظر إليه ؛ كانَ دفترَ رسمٍ مهجورٍ أعطتها هو شقيقتُها الكُبرى فاتن ، و ألواناً خشبيّةٌ تناثرَتْ ما بين الأغطيةِ و الأرض ، ليلي لا تجيدُ الرّسمَ مثلما تفعلُ شقيقتاها ، لكنّها تجيدُ أن تلوّنَ ما ترسمان ، ربّما لا تفعل ، في الحقيقة ، ليلي لا تستمتعُ عندما ترسم ، تريدُ فقط أن تخرجَ في نزهة ، ما الكثيرُ في ذلك؟
حاولَتْ أن تنام ، كثيراً ، لكنّ ضجّةَ اللّعبِ في الخارجِ كانَتْ تستفزُّها ؛ نافذةُ الغرفةِ في وسطها ، بين سريرها و سرير يارا ، عاليةٌ على الصّغيرةِ بالكادِ ترى منها ، و تطلُّ على ساحةٍ خضراءَ فارغة ، تحيطُ بالبناءِ و الأبنيةِ المجاورة ، يلعبُ فيها الصّبيةُ في غالبِ الأحايين.
لم تسمح لها أُمُّها باللّعبِ خارجاً يوماً ، و لو سمعَ شقيقُها الأكبرُ علي بالأمر سيخاصمُها و هو في فرنسا ، و لن يحدّثها عبرَ الهاتفِ كما يفعلُ في كلِّ صباح ، و لن يحضرَ لها هدايا بعدَ اليومِ أبداً ، تخبرُها أُمّها بهذا الكلامِ كلّما حاولَتِ الفرارَ من البيت.
الضّجّةُ تتصاعد ، و الضّحكاتُ أيضاً ، الجميعُ يلعبُ و يستمتع ، و على ليلي أن تظلّ في الغرفة لا لسبب ، و لكن لأنّ عائلتها غيرُ متفرّغةٍ للاطمئنانِ عليها كلَّ حين.
تنفّست بغضب ، ثمّ نهضَتْ ، التقطَتْ وسادتها الورديّةَ على عجلة ، و قفزت من فوق السّرير ، وضعتها أمام النّافذة ، و مطّتْ رأسها من خلفها ، لم تبلغ رؤيةَ شيء ، فجاءَتْ بوسادةِ يارا أيضاً و هي تزفرُ بغضب ، لا شيءَ ينجحُ معها!
تمسّكَتْ بحافّةِ النّافذة ، و استطاعَتْ مدّ رأسها في هذه المرّة ، لمحَتْ ثلاثةَ أطفالٍ بعيدين يلعبون بالكرة ، و طفلاً رابعاً يجلسُ قريباً من بنائهم ، يجلسُ على العشب ، و يراقبُهم ، ركّزت قليلاً ، و إذ بها ترى في حجرِه شيئاً أبيضَ كبيراً ، يدُه عليها شيءٌ ما ، ما هذا يا تُرى؟
فتحتِ النّافذةَ بتروٍّ شديد ، لم تستطع أن تعدمَ صوتها تماماً ، فالنّافذةُ ثقيلةٌ على يديها ، لكنَّها لم تلفت انتباه أحدٍ في البيت ، تتمنّى ذلك.
تسلّقتِ النّافذةَ بعدما فتحتها ، النّافذةُ خشبيّةٌ قاعدتُها عريضةٌ من الطّوب ، لم يضع أبوها فيها شبكاً حديديّاً ، لذلك تقفلُها والدتُها من الدّاخلِ في كلّ ليلة ، و تحذّرُ يارا فيما يخصُّها ، و يارا تفتحُها طبعاً عندما يحرُّ الجوّ في اللّيل ، لم تعتد الشّابّةُ أن تنفّذَ الأوامرَ في الخفاء ، لذلك هي قدوةُ الصّغيرة ، تظنُّها قويّةً جدّاً ، بالإضافةِ إلى أنّها جميلةٌ و أنيقة ، و تدرسُ في الجامعة ، أكبرُ و أهمُّ مكانٍ في العالمِ بعد فرنسا ، حيث علي.
اعتدلتِ الطّفلةُ ذاتُ الحجمِ الصّغيرِ في قلبِ النّافذة ، و بدأتْ تخطّطُ للقفزِ فوق العشب ، كانَ الطّفلُ الجالسُ جانباً قَدْ لحظَها ، و لحظته ، فكّرتْ في سؤالِه المساعدة ، لكنّ يده قَد احتجزَتها ساحرةٌ ما في ذلك الشّيءِ الأبيض ، لن يستطيعَ مساعدتها
_"يا بنت! لا تقفزي! ستقعين!"
نادى عليها من حيثُ هو ، و عندما لم تستجب له كما ينبغي ، قامَ من مكانِه ، نفضَ سرواله القصيرَ بيدِه الحُرّة ، نفضَه بصعوبة ، ثمَّ مشى نحو نافذةِ البنت ، خمسَ خطوات ؛ هذا الفتى كبير ، فكّرت ليلي
_"ماذا تفعلين؟"
_"أريدُ أن ألعب!"
_"ستكسرين يدكِ ، انظري ما حلّ بي"
حرّكَ يده المحتجزةَ قليلاً يعرضُها عليها ، نظرَتْ إليها قليلاً ، خطرَ لها أنّ السّاحرةَ التّي احتجزَتْ يده ستفعلُ معها ذاتَ الشّيء ، بدأت ساقاها ترتجفان ، و راحَتْ تتمسّكُ بحاجبِ النّافذةِ جيّداً لئلّا تقع ، أخافَها الطّفل ، لقَدْ فعل
_"اجلسي فقط ، لن يحدثَ شيء"
نزلَتْ في قلبِ النّافذة ، رويداً رويداً ، و تابعها الطّفلُ حتّى بلغَتْ أن جلسَتْ بأمانٍ فوق الطّوب ، مدّت ساقيها الصّغيرتين نحو الخارج ، و دعَتِ الصّبيّ بالإيماءِ كي يجلسَ بجانبها ، صحيحٌ أنَّه يفوقُها طولاً ، لكنّه غيرُ قادرٍ على التّسلّقِ بيدٍ واحدة ، و النّافذةُ عاليةٌ عليه قليلاً ، رفضَ كذلك بالإيماء
_"ما اسمُكِ؟"
_"ليلي.."
_"أنا إيليا"
تبسّمَ الاثنان لبعضهما بلطف ؛ أعجبَها اسمُه كثيراً ، لم تسمع كمثله من قبل ، كانَ لفظاً جديداً على عقلها ، حفظتْه فوراً ، لن تخطئ فيه كما تخطئ بكلمةِ تذمّر ، أو متذمّرة ، ستعرفُ كيف تلفظُه أمام يارا ، عسى أن تسمعَها لمرّةٍ واحدة ، مرّةٍ واحدةٍ فقط
_"كم عمرُكِ؟"
سألَها من جديد ، كانَ في بالها أن تُسمِعَه إجابةً ما ، لكنَّها تجهلُها تقريباً ، كما أنّها ، و بأسى ، لا تريدُ أن يحسبَها صغيرةً كما تفعلُ فاتن و يارا ، لن يلعبَ معها في هذه الحال
_"عمري؟.. أنا.. أنا كبيرة.."
_"فهمت ، أنا عمري ثمانية"
_"و أنا"
كذبَتْ ، لكنّها تظنُّ أنّه من الأفضلِ أن تفعل ، من الأفضلِ أن تكونَ في الثّامنة ، مثله ، قَدْ يحبّونها كثيراً لو كانَتْ أكبر ، و قَدْ يأخذونها في نزهاتٍ يوميّاً ، و قَدْ تذهبُ إلى عندِ علي ، إلى فرنسا الجميلة.
عدّلَتْ من جلستها ، و أخذَتْ تنظرُ مع إيليا إلى الأطفالِ و هم يتراكضون في الأرجاء ، كلاهما غيرُ مسموحٍ له باللّعب ، و كلاهما يرغبُ في ذلك ، كثيراً..
_"إذاً ليلي ، لماذا تجلسين هنا؟"
_"لأنّني مللت ، أُمّي لا تحبُّ عندما أملّ"
_"لا تملّي أمامها إذاً"
_"لكن.."
سكتَتْ لكيلا تملَّ أمامه أيضاً ، هي دائماً ما تتذمّر ، برغمِ أنّها لا تعرفُ ما معنى هذه الكلمة ، و لم تستخدمها في يومٍ مع أحد ، سمعَتْ أُمّها و فاتن تلفظانها فقط ، تنعتانها بالمتذمّرة ، ليلي المتذمّرة
_"إيلي!"
صدحَ صوتُ امرأةٍ في الأرجاء ، جفلَ الطّفلُ على إثره ، و أخذَ يتلفّتُ حوله بانفعالٍ يحاولُ البحثَ عن مصدره ، ربّما هذه والدتُه ، و ربّما هو مثلُ ليلي ، ربّما
_"عليّ أن أرحل.. أراكِ لاحقاً ليلي"
دلع☆