_"أنتِ من فعلتها! لا يوجدُ غيرُكِ يكرهني و يغارُ منّي في الفصل!"
زفرَتْ ليلي بحنق ، وضعَتْ أغراضَها فوقَ الطّاولةِ و تلفّتت هنا و هناك بحثاً عن العبقريِّ زين ليحلَّ المُشكلة ، و عندما لم تجده عادَتْ و زفرَتْ ، هذه ريم ، ما تزالُ تتّهمُها منذُ أيّامٍ بتخريبِ سترتها بالعلكة ، الفعلةُ ذاتها التّي أقدمَ عليها صديقُها المغوارُ بغيةَ إنقاذها ممّا حدث ، و كلُّ ما فعله كانَ أن جعل هذه المعتوهةَ تلتصقُ بها أكثر ، تلاحقها كلّما افترقَتْ عنه ، و تظلُّ تتكلّمُ في وجودِ شهود ، تريدُها أن تعترفَ بتخريبِ السّترةِ على الرّغمِ من أنّها لم تقربها و هي على أتمِّ العلم ، و لكنّها لا تقنع ، ماذا تريد؟ أن تكونَ ليلي الفاعلةُ فقط؟ هذا كلُّ ما تريد؟
_"للمرّةِ الألف ، لم أفعل ذلك"
_"حقّاً!؟ بالنّظرِ إلى ملابسكِ فأنتِ الوحيدةُ التّي قد تفعلها"
زفرَتْ من جديد ، لكنّها في هذه المرّةِ و بغيرِ قصدٍ قَدْ ألقت بضعةَ نظراتٍ حولها في الفصل ، كانَ الطّلّابُ ينظرون إليهما ، يشاهدون المشكلةَ و يحمّلونها ضغطاً مضاعفاً ، منهم من يشاهدون فقط لدافعِ الفضول ، و منهم قلّةٌ يشزرونها من أعلى رأسها إلى أخمصِ قدميها ، لربّما يصدّقون ما تقول ، ربّما..
هذه الوقحةُ تخرّبُ كلّ شيء!
_"ماذا تريدين منّي!؟ اتركيني و شأني!"
_"أتركُكِ و شأنكِ بعدما خرّبتِ سترتي!؟"
_"لم أفعل ذلك!"
_"من سيفعلها غيرُكِ!؟ أنتِ الحقيرةُ الوحيدةُ في الصّفّ!"
_"اسمعي يا هذه! سأقصُّ لسانكِ إن تابعتِ الكلام! قولي كلمةً واحدةً بعد!"
صاحتْ ليلي فيها ، بقوّةٍ لم تعهدها ريم من قبل ، ثمّ حملَتْ أغراضها و غادرَتِ الصّفّ ، دفعتِ الحيزبون لكي تمرّ ، و لم تقل تلك شيئاً ، نالتِ الصدّمةُ منها الكثير.
في حين كانَ الغيظُ يأكلُ من ليلي ما يأكل ، كانتْ مقلتاها تحترُّ و وجهها يشعُّ غضباً و ألماً ، لم تجبها بالمفروض ، لم تضربها
_"ليلي! يا معتوهة!"
ظلَّ زين ينادي عليها مُذْ رآها و حتّى بلغَتْ الدّرجاتِ إلى الطّوابقِ السّفليّة ، ركضَ مُذْ أنّها لم تجب ، ركضَ طوالَ الممرِّ بأقصى سرعته ، سبقَ سيرها المتسارعَ الأهوج ، و قطعَ طريقها بجسدِه ، ثمّ و أخيراً ، وقفَ أمامها يلهثُ و يلتقطُ أنفاسه ، لقَدْ توقّفتْ ، هذا جيّد؛
كانَتْ تلك ساعةَ الانصراف ، و صفّهما ينتظرُ بعضَ الوقتِ حتّى تنصرفَ الصّفوفُ الأقربُ إلى بوّابةِ المدرسة ، بالإضافةِ إلى أنّها كانَتْ تنتظرُ حضرته لتخرجَ برفقته ، لهذا يجدُ زين أنّ هنالك مصيبة ، طبعاً هنالك
_"أين.. أين تذهبين يا غبيّة!؟"
_"أين كنتَ أنت!؟"
_"كنتُ أرى لارا و أحمد ، قلتُ لكِ يا سمكة"
كانَتْ ستحوّلُ غضبها إليه لولا أنّها لم تجد سبباً لذلك ، ليته غضبَ و صرخَ في وجهها على الأقلّ ، كانَتْ ستتماهى وراءَ المزاجيّة ، و لكن أين المهرب؟
نعم لقَدْ أخبرها أنّه سيذهبُ للقاءِ صديقيه في الصّفِّ الثّالث ، ماذا ستفعلُ الآن؟ كيف ستبعدُه ريثما بكتْ قليلاً؟
ابتعدَتْ من دربه ، توجّهتْ إلى أقربِ نافذةٍ مفتوحةٍ على الخارج ، و أسندَتْ وجهها إلى الزّجاج ، كانَتْ ستدّعي أنّها تشاهدُ الطّلّابَ و هم ينصرفون ، لكنّ دموعها خانتها ، أنينها خانها ، نحيبُها خانها ، لقَدْ لحظَ زين كلّ شيء.
اقتربَ سريعاً منها ، و تصرّفَ على سجيّتِه اللّحوحةِ اللّصيقة ، سحبَ سترتها في ناحيته بقصدِ أن يبعدَ وجهها عن الزّجاج ، و كادَ يوقعها بحركاته الهوجاء ، كالعادة
_"هل تبكين؟ بربّكِ؟"
_"توقّف زين"
_"بطنُكِ يؤلمُكِ؟"
_"زين"
_"إيليا؟"
سكنَ الهواءُ من بعدِ سؤالِه هذا ، لا هي أرادَتْ أن تجيب ، أو أدركَتْ كيف تجيب ، و لا هو أرادَ الضّغطَ عليها فسماعَ شيءٍ جديدٍ عن مشاعرِها الكثيفةِ تجاه ذلك الشّابِّ المُزعج ، لا يريدُ أن تقولَ له أنّها ما تزالُ تُحِبُّه و لا تستطيعُ العيشَ من دونه ، هو لم يعد ذا مقدرةٍ على احتمالِ هذا النّوعِ من الكلام ، فهو يخشى عليها منه و من مشاعرها تجاهه أوّلاً ، و ثانياً ، كلّما مرَّ الوقتُ و ليلي أمامه بعيدةٌ عن إيليا ، كلّما زادَتْ لديه جديّةُ الأحاسيسِ و العواطف ، و أصبحَ يرى _رغماً عنه_ فرصةً أكبرَ بالبقاءِ إلى قربها ، فرصةً أكبر في أن يحلَّ محلَّ حبيبها غيرِ المُهتمّ..
ماذا سيفعل؟
_"زين.."
_"نعم"
_"هل.. هل أنا حقّاً قبيحةٌ و حقيرةٌ و حسودة؟"
_"من ال.."
عضَّ على لسانه فوراً لئلّا يكملَ الشّتيمة ، و بالفعل ، استطاعَ أن قمعَها و أخفى أثرها خلفَ السّعالِ حتّى ولّتْ ، ثمّ أشاحَ بوجهه يحاولُ لملمةَ نفسه؛
'ماذا تفعلُ زين!؟ هذه بنت!'
وبّخَ نفسه سرّاً ، و حمدَ ربّه أنّه لم يلفظ حرفاً ممّا كانَ في خاطره ، هو يحسبُ أنّ صورته نظيفةٌ جدّاً في خيالِ ليلي ، و ليست لديه فكرةٌ عن أنّها تعرفُ عنه كلّ شيء ، و تتعلّمُ منه أحياناً ، مسكينٌ زين
_"من الخنزيرُ الذّي قالَ ذلك؟"
_"ليس مهمّاً.. هل أنا كذلك؟"
_"لا تكوني غبيّة ، هم يقولون لكِ هذا لأنّكِ تتأثّرين بسهولة ، ليس لأنّكِ هكذا"
_"لماذا يفعلون هذا معي؟ ماذا فعلتُ أنا؟"
_"هم هكذا ، أعني الكلبُ كلبٌ و الخنزيرُ خنزيرٌ و هم هكذا"
ابتسمتْ ، و ابتسمَ هو أيضاً و هو يشاهدها تمسحُ وجنتيها المبلّلتين بالدّمع ، ثمّ زمّ شفتيه بهدوءٍ شديد و هو يفكّرُ في خطوته التّالية
_"ربّما.. معكَ حقّ زين.. هم هكذا"
_"نعم ، و أنا أهوج"
حدّقتْ فيه لوهلةٍ تنتظرُ شرحاً ، قبل أن انتفضَ و سارَ بخطا واسعةٍ نحو الصّفّ ، خطا منفعلةٍ أبانَتْ كم بلغَ غباؤه حاليّاً ، زين معروفٌ في مثلِ هذه الحالات ، سيقدمُ على فعلةٍ أقلُّ عواقبها رميه في الإدارة.
ركضتْ خلفه ، وجدته واقفاً في مركزِ الصّفّ ، هو يعرفُ بالضّبطِ من يكونُ الجميعُ الذّي تتحدّثُ عنه ، و يبدو أنّ لديه شيئاً ما..
_"يا شباب! سمع لو سمحتم! تلك البنتُ هنالك تبحثُ عن الاهتمام ، أعطوها قليلاً منه قبل أن ترمي نفسها من النّافذة ، حرام مسكينة"
أمسكَتْ ليلي زنده بكلتا يديها و حاولَتْ شدّه إلى خلف ، بيدَ أنّه ظلَّ ثابتاً ، لم يتحرّك لا نظرُه و لا جسدُه ، كانَتْ تشعرُ بصلابته في داخلها ، لماذا هو محتدٌّ إلى هذا الحدّ؟
تلفّتت ريم حولها بغير كلام ، إلى الطّلّابِ الذّين يشاهدونها ، ثمّ رفعت نظرها إلى زين
_"دافع عن الطّفلةِ في وقتٍ لاحق ، أنا مشغولة"
_"أنا لا أدافعُ عنها ، ليست في حاجةٍ لذلك"
_"أنت تدافعُ عنها لأنّكَ تُحِبُّها زين ، لكنّ سترتي.."
_"أنا من خرّبتُها و تعرفين هذا جيّداً ، كما تعرفين أنّكِ قذرة"
_"أنتما! أنا هنا!"
حاولَتْ ليلي تداركَ الأمرِ إذ وصلَ إلى هذا الحدّ ، كانا يتحدّثان عنها و كأنّها غير موجودة ، رغبت في الصّراخِ أيضاً ، بيد أنّ قدومَ الموجّهِ أوقفَها
_"ماذا تفعلون حتّى الآن!؟ انصراف!"
___
وقفَ زين في أحدِ المنعطفاتِ القريبةِ من المدرسة ، و تناولَ علبةَ السّجائرِ من جيبِ حقيبته ، غير مكترثٍ بتعابيرِ ليلي الممتعضة ، طالما أخبرته بأن يتوقّفَ عن ذلك ، و هدّدته أيضاً ، و كانَ بالفعلِ يتوقّفُ لفترةٍ ثمّ يعودُ ما إن يتشاجر مع أبيه أو جدّه أو عمّه؛
لقَدْ بدأ التّدخين منذُ عامٍ تقريباً ، هو و لارا صديقته ، و على إثرِ مجموعةٍ من أصدقائه الآخرين ، أحمد الوحيدُ الذّي نجا من هذه المكيدة ، فعلاً لقَدْ كانَتْ مكيدةً لم يعرف أحدهم كيف يتخلّصُ منها
_"كنتُ أريدُ أن أشكرك ، تراجعت ، لم تعد تستحقّ"
_"لو أنّ لسانكِ مع النّاسِ هكذا لما اضطررتِ لشكري"
استندَتْ إلى الجدارِ حيث كانَ مستنداً ، و راحَتْ تفكّرُ من جديدٍ في الأمرِ برمّته ، هي فعلاً لا تعرفُ إلّا أن تحاربه هو و إخوتها ، لم تعرف كيف تردُّ على إيليا و هو يشكُّ فيها ، و لا على ريم التّي تسخرُ منها منذُ أعوام ، و لا على أحدٍ في العالم كانَ يجبُ أن تردّ عليه ، لماذا هي هكذا؟
مرّ بعضُ الوقتِ و هنا على ذاتِ الحال ، ضجران ، واقفان إلى جانبِ بعضهما البعض في المنعطفِ البارد ، هو يدخّنُ و يشتمُ نفسه لأنّه يفعل ، و هي تفكّرُ و تشتمُ نفسها لأنّها تفعل ، كلاهما ضائع ، في رواقٍ أزرقَ كئيب ، لا يعرفان سبباً لوجودهما فيه ، و لا يدَ لهما في ذلك.. لقَدْ وُلِدا هناك ، لم يكن منعطفاً ، ذلك الأزرقُ الذّي يتشاركان الغرقَ فيه ، كانَ موطنهما
_"لقَدْ أرسلَ لي ، إيليا"
مالَ برأسه نحوها ، و وجهه أقربُ في تعبيره إلى الانزعاجِ منه إلى الضّجر؛ قالَ أنّه غيرُ مهتمّ ، و أخذ يرمي بالكلامِ الغبيّ هنا و هناك بدلاً من أن يصلح ، فلماذا يرسلُ لها الآن!؟
التقطتْ ليلي الورقةَ من جيبها ، و ناولتها للشّابِّ ، كانَتْ مقطوعةَ المُقدّمة ، و لكنّ فيها ما جعلَ زين يخافُ الكلام.. لقَدْ فهمَ كلّ شيء.. كلّ شيء..
"حديقةُ الزّنبقِ بائرة ، و الأجدرُ بزارعي الزّنبقِ الأبيض إنقاذُه منها ، انتشالُه منها و زرعُه حيث سينمو و يتفتّح ، الحديقةُ بارَتْ و قسى ترابُها ، لم تعدِ الأسمدةُ و لا الماءُ قادرين على إنعاشها..
لو أنّ الوقتَ غيرُ وقت.. و لو أنّ الظّروفَ غيرُ ظروف ، لربّما عادتِ الزّهراتُ إلى موطنها ، و لكن ، من في إمكانه تغييرُ القدر؟
أنا أعتذرُ يا ليلي ، أعتذرُ لكلّ شيءٍ سبقَ و أقدمتُ عليه في حقّكِ ، أعتذرُ لأنّني لم أقف معكِ بُحِبٍّ و مودّة ، أعتذرُ لأنّني سمحتُ لحياتي أنا بالتّأثيرِ عليكِ ، أعتذرُ لأنّني شككتُ بدلاً من أن أغار ، و تخفّيتُ بدلاً من أن أفخر ، و لأنّني دخلتُ بينكِ و بين أخيكِ
أعتذرُ يا ليلي ، سامحيني ، و لو على غلطةٍ واحدة..
سامحيني أرجوكِ
الفتى الذّي ما عرفَ إلّا حُبَّكِ ، و خسره بيديه
إيليا"
دلع☆