ما يزالُ يومُ الانتظارِ يزيدُ في طولِه ، المقتُ يعتمُ على رؤيةِ إيليا ، يسحبُ ألوانها الزّاهيةَ و يبقي على بهتٍ مُؤسفٍ يغطّي كلَّ شيء ، هو يأسفُ لنفسه ، يأسفُ لأنّه عديمُ الحيلة ، كلّ شيءٍ حاولَ فعله لأجلِ نفسه باءَ بالفشل ، كلّ قيامةٍ أقدمَ عليها انتهَتْ به واقعاً على رأسه ، يشعرُ بأنّه وحيدٌ جدّاً في هذا العالمِ الكبير ، لا عائلةَ له و لا مُؤنساً يستطيعُ سماعه الآن ، وحيدٌ جدّاً.
عادَ إلى البيتِ في تمامِ السّابعة ، و توجّهَ مباشرةً إلى غرفته ، لم يخلع حذاءه و لم يلقِ السّلامَ على أحد ، كانَ ريّان و والدتُه في البيت ، و طفلُها إلى حضنها ، لم ينظر كثيراً ، و ليس يريدُ أن يفعل.
أغلقَ البابَ بخفّة ، و جلسَ فوقَ سريرِه المفروشِ بغطاءٍ باردٍ لم يختره ، كانَ يُحِبُّ وضعَه في وسطِ الغرفة ، لكنّ والدته غيّرتْ ذلك مُذْ نظّفتها لآخرِ مرّة ، وضعتْه في الزّاوية ، و احتُجِزَتْ حريّةُ إيلي في نومِه حتّى.
راقبَ الخزانةَ الجديدةَ التّي ابتاعتها له عوضاً عن القديمة ، خزانةً خشبيّةً جامدةً لا يشعرُ أنّها ملكه ، فلا يضعُ ملابسَه إلّا على الكراسي و الطّاولاتِ و السّرير ، لقَدْ أُخِذَتْ خزانتُه القماشيّةُ المزيّنةُ بصورةٍ كرتونيّةٍ كبيرةٍ إلى غرفةِ أخيه الأصغر ، كانَ يُحِبُّ تلك ، و لو أنّها صغيرةُ الحجمِ و لا تصلحُ إلّا للأطفالِ الأصغرِ سنّاً ، كانَتْ تشبهه ، تشعرُه بالأُلفةِ في مكانٍ يُفترَضُ أن يكونَ مكانه ، و لكن لا بأس ، لا مشكلة..
_"إيليا"
_"هنا"
ردَّ تلقائيّاً ، و اعتدلَ في جلستِه ريثما دلفَتْ أمُّه إلى الغرفة ، لم ينظر إليها ، كانَ يعقدُ ساعديه في حجره و يهرّبُ ناظريه تارةً إلى الأرضِ و تارةً إلى النّافذة ، ليس يريدُ رؤيتها ، لقَدْ قضى قدراً كافياً من الوقتِ وحيداً حتّى يغضبَ من جديد ، وحيداً ساكتاً أمامَ هولِ أفكارِه و ذكرياته ، ليس يرغبُ في رؤيةِ أحد
_"ما الأمرُ حبيبي؟ لا تبدو على ما يُرام"
_"أنا بخير ، مجرّدُ صداع"
ابتلعَتْ جوفها؛
كانَتْ قادرةً على رؤيةِ المسافةِ ما بينها و بين ابنها الحبيبِ و هي تنمو و لا تُردَع ، لقَدْ كانَ إيليا رفيقَ حياتها ، الولدَ المهذّبَ المتعطّشَ للمعرفة ، كثيرَ الضّحكِ و الضّجّة ، ها قَدْ شبَّ بعيداً و هو أمامها ، شبَّ على نحوٍ مختلف ، غريب ، أضحى هادئاً جدّاً ، لا يعودُ إلى البيتِ و لا يُناقَشُ في شيء ، ما عادَتْ ترى ابتسامته إلّا فيما ندر ، و ما عادَ يجالسُها و يحكي لها قصصَ الأطفالِ في الحيّ ، و لا يشاركُها آخرَ ما قرأ ، لقدْ تغيّر ، ربّما قبل أن شبّ ، بيدَ أنّها كانَتْ تخشى أن تلاحظ.
جلسَتْ إلى جواره بعيدَ لحظات ، و مسحَتْ على شعرِه رغبةً في التّقرّب ، لم يمانع ، ليس لأنّه لا يفعلُ فعلاً ، و إنّما لأنّه وجدَ الممانعةَ من قلّةِ الأدب
_"أنا هنا إلى قربِكَ يا إيليا ، احكِ لي"
_"لا شيءَ أحكيه لكِ أُمّي"
لا فائدةَ من ذلك ، بل و ربّما سيتسبّبُ في مزيدٍ من المشكلاتِ بدلاً من حلّها ، عقلُه يخبرُه بذلك على الدّوام.
مسحَتْ على وجهه من ثمَّ ، حاولَتْ توجيهَ عينيه السّاكنتين نحوها ، و عندما لم تستطع اقتربَتْ أكثر ، و طبعَتْ على وجنته قبلةً زالَ أثرُها في غمضةِ عين ، تشعرُ أنّها كسرتْ ما بينها و بينه و لم تعد قادرةً على إصلاحه ، تناجي الرّبَّ أن يصلحه..
_"إيليا ، هنالك من يطلبُك"
نادى ريّان عليه من الصّالة ، فاكفهرّ وجهه ، هو يكرهُ اسمَه عندما يلفظُه ، لا يعودُ اسمَه ، بل يصبحُ اسمَ طفلٍ دخيلٍ من غيرِ ديانة ، و وضيعٍ أيضاً.
نهضَ على عجلة ، تركَ والدتَه تتقفّى أثره بعينيها و تزدادُ همومها همّاً ، و توجّهَ نحو بابِ البيت ، وجدَ ولداً ضئيلَ الحجمِ واقفاً مع ريّان ، و الأخيرُ يضحكُ من شكله ، و كأنّ شكلَه شكلُ بشرٍ طبيعيين ، صبراً يا ربّ
_"أنت إيليا؟"
نظرَ نحو ريّان يحاولُ أن يبعدَه ، و عندما لم يفهم ثقيلُ الدّمِ الرّسائل ، أو فهمها و لم يستجب ، زفرَ إيليا ، و توجّهَ نحو الطّفل بغيرِ صبر ، ربّتَ على كتفه برفقٍ و أشارَ له كي يخرجَ قليلاً ، و بالفعل ، أخرجَه معه إلى مدخلِ البناء ، ثمَّ دنا منه ، و سأله:
_"ما الأمر؟"
_"ليلي تريدك"
_"ليلي؟ أين هي؟"
_"في الخالج"
فهمَ إيليا ما يقصدُ بعد ثانيتين ، هذا العصفورُ الصّغيرُ لا يتقنُ اللّفظَ بعد؛
لم يعِ بذلك ، لكنّه ابتسم ، لانَ وجهه و بلغَ حدَّ الرّقّةِ و الاستلطاف ، أوّلاً لأنّها هنا و حاولَتْ قدرَ جهدها أن تتواصلَ معه ، و على الرّغمِ من أنّ وصولها متأخّرٌ جدّاً ، و ثانياً لأنّ هذا الطّفلَ يذكّرُه بها عندما كانَتْ صغيرة ، لا تحفظُ اللّفظَ إلّا بعدَ مدّةٍ طويلة ، و تحفظُ ما تريد فحسب.
أخرجَ من جيبِه قطعاً نقديّة ، و ناولها للطّفلِ و هو يبتسمُ له ، سُعِدَ الطّفلُ كثيراً بها ، خطفها من يده و خرجَ بها ركضاً إلى الشّارعِ و هو يصيحُ تعبيراً عن شكره ، سيشتري من آلاتِ البيعِ الآن ، استجابته للفتاةِ الغريبةِ كانَ أفضلَ شيءٍ قَدْ يفعله في يومِه بطوله ، حتّى لو حذّرَه أهلُه من ذلك.
خرجَ إيليا من بعدِ الطّفلِ بقليل ، ألقى نظرةً على الشّارع ، وجدَ البنتَ واقفةً إلى ناصيةِ الطّريق ، تلبسُ سترةً واسعةً و تربطُ شعرها بعشوائيّة ، كانَتْ تبدو مرهقة ، و ربّما قلقة
_"ليلي"
استدارَتْ سريعاً في ناحيته ، و استطاعَتْ عندما رأته أن ابتسمت ، ابتسامةً مهتزّةً مضطربة ، تريدُ أن تعتذرَ لنقضها وعدها ، و لا تعرفُ كيف تبدأ ، هي لم تدرك أنّ عليها الاقترابَ قبلَ كلِّ شيء
_"مر.. مرحباً.."
توجّهَ نحوها بخطواتٍ واسعة ، مُبطّأة ، لم تكُ ابتسامتُه قَدِ اندثرتْ بعد ، لقَدْ بدا وجهُه باسماً بغيرِ أن يحرّكَ فاه ، كانَ مبتسماً ، كانَ مرتاحاً في داخلِه لرؤيتها من بعدِ ما يئسَ من ذلك.
كانَ داخلُها محترّاً في ذلك الوقت ، في استطاعته تذويبُ ثلجِ الجبالِ إذا ما وطئتْ إلى قربه ، يكادُ نبضُ قلبها يُسمَعُ في الأثير ، و تنفُّسُها اضطربَ و تغيّر ، لم تعد تعرفُ ما تفعل ، هي سعيدةٌ جدّاً بوجوده ، تشعرُ أنّه.. مختلفٌ اليوم..
_"انتظرتَ طوالَ الوقتِ في المكتبة.. أليس كذلك؟"
سألتْه بنغمةٍ مهمومة ، أخفضَتْ رأسَها و نظرَتْ إليه من أسفل ، ليس راغباً في رؤيتها على هذه الحال ، لا في المعاتبةِ و لا في التّفكيرِ فيما حدثَ و سيحدث ، راغبٌ في أخذِ الأمرِ على ما هو ، ببساطة ، , يُحِبّ لو أنّ النّاسَ يتعاملون جميعاً على هذا النّحو
_"كنتُ سأجلسُ هناك في كلِّ الأحوال"
_"أنا آسفة.. جدّاً جدّاً.. لقَدْ.."
_"لا تعتذري ليلي ، لستُ منزعجاً ، سأنتظرُكِ عمراً بطولِه لو احتاجَ الأمر"
رفعَتْ رأسها ، استطاعَ رؤيةَ عينيها تلمعان لأجلِه ها هنا ، لمعاناً حديثاً مغايراً لما تصدرانه وقتَ الحماسةِ و حتّى وقتَ الفرح ، كانَ فريداً تماماً ، كملامحها ، كمثلها ، ليلي اليومَ مختلفة.
ازدردَ ريقَه ، اجتاحَتْ لُبَّه حرارةٌ مُحبّبة ، حرارةُ فرحٍ و راحةٍ و.. شيءٍ آخر ، وصلَتْ إلى رأسِه بسرعةِ البرق ، و جعلته يعضُّ على شفتيه خيفةَ أن يبانَ المخفيّ ، هو يُحِبُّها..
ألقى نظرةً على بنائهم ، ثمَّ دفعها أمامه عبرَ الحديقة ، أرادَ أن يأخذَها إلى مكانٍ بعيد ، ليس فيه ذكرىً مؤلمةٌ واحدة ، إلى السّاحةِ التّي ستصبحُ حديقةَ زنبقٍ في القريبِ العاجل.
سارا معاً بهدوءٍ شديدٍ حتّى نهايةِ الشّارع ، إلى حيثُ المكتبة ، و حيث الشّارعُ العريضُ الفاصلُ ما بينهما و بين حديقةِ الزّنبقِ و منزلِ ليلي ، كانَ قلبُ إيليا مطمئنّاً للمرورِ فيه ، ذلك لأنّ علي شقيقُها في فرنسا ، على بعدِ أميال و حواجز ، هو لا يُحِبّه على الإطلاق ، لقَدْ حدثَ و هدّدَه بأنّه سيضربُه من قبل ، كانَ إيليا طفلاً في الابتدائيّة و كانَ علي شابّاً عملاقاً ، لم يستطع إلّا أن يبتعد ، كانَ الموقفُ مخيفاً و مريباً جدّاً ، لكنّه لم يبلغ به أحداً حتّى ليلي ، حفظَ الأمرَ في داخله و على ثقله.
لو حدثَ و استطاعَ أن يُحِبّها كما يتمنّى ، بغضِّ النّظرِ عن الاختلافِ العظيمِ بينهما ، سيأخذُها من هنا و يرحل ، سيرحلُ عن المنطقةِ و المدينةِ كلّها ، علي و ريّان سببان مناسبان جدّاً لكرهِ المدينةِ بالنّسبةِ إليه ، بل البلادِ أيضاً.
قطعَ الشّابّان الشّارعَ العريضَ وصولاً إلى الرّصيفِ الواسعِ أمام السّاحة ، ثمّ لمسَ إيليا كتفَ ليلي ، أوقفَ المسيرَ ها هنا لسببٍ من الأسباب ، في الواقعِ لقَدْ ظلّ يفكّرُ فيه طوالَ الطّريق ، بل و ربّما طوالَ النّهار ، يتمعّنُ في أمرٍ واحد ، لقَدْ قرّرَ أن يبوحَ بما لديه ، لن يخسرَ أكثرَ ممّا خسر ، و في حالِ ربح ، سيستعيدُ كلّ شيء ، كلَّ شيء
_"ليلي"
_"نعم"
_"أنا أُحِبُّكِ"
قُطِعَ نفسُ ليلي في تلك اللّحظة ، و احمرّ وجهها حتّى أضحى يضحكُ منه ، كانَتْ تلك اللّحظةُ بالذّات ، و دوناً عن كلّ احتمالٍ آخر لها ، عمراً بطوله.. عمراً جديداً
_"و.. و أنا.."
دلع☆