السّادس من بعد الثّلاثين

السّادس من بعد الثّلاثين

68 0

ما يزالُ يومُ الانتظارِ يزيدُ في طولِه ، المقتُ يعتمُ على رؤيةِ إيليا ، يسحبُ ألوانها الزّاهيةَ و يبقي على بهتٍ مُؤسفٍ يغطّي كلَّ شيء ، هو يأسفُ لنفسه ، يأسفُ لأنّه عديمُ الحيلة ، كلّ شيءٍ حاولَ فعله لأجلِ نفسه باءَ بالفشل ، كلّ قيامةٍ أقدمَ عليها انتهَتْ به واقعاً على رأسه ، يشعرُ بأنّه وحيدٌ جدّاً في هذا العالمِ الكبير ، لا عائلةَ له و لا مُؤنساً يستطيعُ سماعه الآن ، وحيدٌ جدّاً.

2

عادَ إلى البيتِ في تمامِ السّابعة ، و توجّهَ مباشرةً إلى غرفته ، لم يخلع حذاءه و لم يلقِ السّلامَ على أحد ، كانَ ريّان و والدتُه في البيت ، و طفلُها  إلى حضنها ، لم ينظر كثيراً ، و ليس يريدُ أن يفعل.

أغلقَ البابَ بخفّة ، و جلسَ فوقَ سريرِه المفروشِ بغطاءٍ باردٍ لم يختره ، كانَ يُحِبُّ وضعَه في وسطِ الغرفة ، لكنّ والدته غيّرتْ ذلك مُذْ نظّفتها لآخرِ مرّة ، وضعتْه في الزّاوية ، و احتُجِزَتْ حريّةُ إيلي في نومِه حتّى.

راقبَ الخزانةَ الجديدةَ التّي ابتاعتها له عوضاً عن القديمة ، خزانةً خشبيّةً جامدةً لا يشعرُ أنّها ملكه ، فلا يضعُ ملابسَه إلّا على الكراسي و الطّاولاتِ و السّرير ، لقَدْ أُخِذَتْ خزانتُه القماشيّةُ المزيّنةُ بصورةٍ كرتونيّةٍ كبيرةٍ إلى غرفةِ أخيه الأصغر ، كانَ يُحِبُّ تلك ، و لو أنّها صغيرةُ الحجمِ و لا تصلحُ إلّا للأطفالِ الأصغرِ سنّاً ، كانَتْ تشبهه ، تشعرُه بالأُلفةِ في مكانٍ يُفترَضُ أن يكونَ مكانه ، و لكن لا بأس ، لا مشكلة..

_"إيليا"

_"هنا"

ردَّ تلقائيّاً ، و اعتدلَ في جلستِه ريثما دلفَتْ أمُّه إلى الغرفة ، لم ينظر إليها ، كانَ يعقدُ ساعديه في حجره و يهرّبُ ناظريه تارةً إلى الأرضِ و تارةً إلى النّافذة ، ليس يريدُ رؤيتها ، لقَدْ قضى قدراً كافياً من الوقتِ وحيداً حتّى يغضبَ من جديد ، وحيداً ساكتاً أمامَ هولِ أفكارِه و ذكرياته ، ليس يرغبُ في رؤيةِ أحد

_"ما الأمرُ حبيبي؟ لا تبدو على ما يُرام"

_"أنا بخير ، مجرّدُ صداع"

ابتلعَتْ جوفها؛

كانَتْ قادرةً على رؤيةِ المسافةِ ما بينها و بين ابنها الحبيبِ و هي تنمو و لا تُردَع ، لقَدْ كانَ إيليا رفيقَ حياتها ، الولدَ المهذّبَ المتعطّشَ للمعرفة ، كثيرَ الضّحكِ و الضّجّة ، ها قَدْ شبَّ بعيداً و هو أمامها ، شبَّ على نحوٍ مختلف ، غريب ، أضحى هادئاً جدّاً ، لا يعودُ إلى البيتِ و لا يُناقَشُ في شيء ، ما عادَتْ ترى ابتسامته إلّا فيما ندر ، و ما عادَ يجالسُها و يحكي لها قصصَ الأطفالِ في الحيّ ، و لا يشاركُها آخرَ ما قرأ ، لقدْ تغيّر ، ربّما قبل أن شبّ ، بيدَ أنّها كانَتْ تخشى أن تلاحظ.

جلسَتْ إلى جواره بعيدَ لحظات ، و مسحَتْ على شعرِه رغبةً في التّقرّب ، لم يمانع ، ليس لأنّه لا يفعلُ فعلاً ، و إنّما لأنّه وجدَ الممانعةَ من قلّةِ الأدب

_"أنا هنا إلى قربِكَ يا إيليا ، احكِ لي"

_"لا شيءَ أحكيه لكِ أُمّي"

لا فائدةَ من ذلك ، بل و ربّما سيتسبّبُ في مزيدٍ من المشكلاتِ بدلاً من حلّها ، عقلُه يخبرُه بذلك على الدّوام.

مسحَتْ على وجهه من ثمَّ ، حاولَتْ توجيهَ عينيه السّاكنتين نحوها ، و عندما لم تستطع اقتربَتْ أكثر ، و طبعَتْ على وجنته قبلةً زالَ أثرُها في غمضةِ عين ، تشعرُ أنّها كسرتْ ما بينها و بينه و لم تعد قادرةً على إصلاحه ، تناجي الرّبَّ أن يصلحه..

_"إيليا ، هنالك من يطلبُك"

نادى ريّان عليه من الصّالة ، فاكفهرّ وجهه ، هو يكرهُ اسمَه عندما يلفظُه ، لا يعودُ اسمَه ، بل يصبحُ اسمَ طفلٍ دخيلٍ من غيرِ ديانة ، و وضيعٍ أيضاً.

نهضَ على عجلة ، تركَ والدتَه تتقفّى أثره بعينيها و تزدادُ همومها همّاً ، و توجّهَ نحو بابِ البيت ، وجدَ ولداً ضئيلَ الحجمِ واقفاً مع ريّان ، و الأخيرُ يضحكُ من شكله ، و كأنّ شكلَه شكلُ بشرٍ طبيعيين ، صبراً يا ربّ

_"أنت إيليا؟"

نظرَ نحو ريّان يحاولُ أن يبعدَه ، و عندما لم يفهم ثقيلُ الدّمِ الرّسائل ، أو فهمها و لم يستجب ، زفرَ إيليا ، و توجّهَ نحو الطّفل بغيرِ صبر ، ربّتَ على كتفه برفقٍ و أشارَ له كي يخرجَ قليلاً ، و بالفعل ، أخرجَه معه إلى مدخلِ البناء ، ثمَّ دنا منه ، و سأله:

_"ما الأمر؟"

_"ليلي تريدك"

_"ليلي؟ أين هي؟"

_"في الخالج"

فهمَ إيليا ما يقصدُ بعد ثانيتين ، هذا العصفورُ الصّغيرُ لا يتقنُ اللّفظَ بعد؛

لم يعِ بذلك ، لكنّه ابتسم ، لانَ وجهه و بلغَ حدَّ الرّقّةِ و الاستلطاف ، أوّلاً لأنّها هنا و حاولَتْ قدرَ جهدها أن تتواصلَ معه ، و على الرّغمِ من أنّ وصولها متأخّرٌ جدّاً ، و ثانياً لأنّ هذا الطّفلَ يذكّرُه بها عندما كانَتْ صغيرة ، لا تحفظُ اللّفظَ إلّا بعدَ مدّةٍ طويلة ، و تحفظُ ما تريد فحسب.

أخرجَ من جيبِه قطعاً نقديّة ، و ناولها للطّفلِ و هو يبتسمُ له ، سُعِدَ الطّفلُ كثيراً بها ، خطفها من يده و خرجَ بها ركضاً إلى الشّارعِ و هو يصيحُ تعبيراً عن شكره ، سيشتري من آلاتِ البيعِ الآن ، استجابته للفتاةِ الغريبةِ كانَ أفضلَ شيءٍ قَدْ يفعله في يومِه بطوله ، حتّى لو حذّرَه أهلُه من ذلك.

خرجَ إيليا من بعدِ الطّفلِ بقليل ، ألقى نظرةً على الشّارع ، وجدَ البنتَ واقفةً إلى ناصيةِ الطّريق ، تلبسُ سترةً واسعةً و تربطُ شعرها بعشوائيّة ، كانَتْ تبدو مرهقة ، و ربّما قلقة

_"ليلي"

استدارَتْ سريعاً في ناحيته ، و استطاعَتْ عندما رأته أن ابتسمت ، ابتسامةً مهتزّةً مضطربة ، تريدُ أن تعتذرَ لنقضها وعدها ، و لا تعرفُ كيف تبدأ ، هي لم تدرك أنّ عليها الاقترابَ قبلَ كلِّ شيء

_"مر.. مرحباً.."

توجّهَ نحوها بخطواتٍ واسعة ، مُبطّأة ، لم تكُ ابتسامتُه قَدِ اندثرتْ بعد ، لقَدْ بدا وجهُه باسماً بغيرِ أن يحرّكَ فاه ، كانَ مبتسماً ، كانَ مرتاحاً في داخلِه لرؤيتها من بعدِ ما يئسَ من ذلك.

كانَ داخلُها محترّاً في ذلك الوقت ، في استطاعته تذويبُ ثلجِ الجبالِ إذا ما وطئتْ إلى قربه ، يكادُ نبضُ قلبها يُسمَعُ في الأثير ، و تنفُّسُها اضطربَ و تغيّر ، لم تعد تعرفُ ما تفعل ، هي سعيدةٌ جدّاً بوجوده ، تشعرُ أنّه.. مختلفٌ اليوم..

_"انتظرتَ طوالَ الوقتِ في المكتبة.. أليس كذلك؟"

سألتْه بنغمةٍ مهمومة ، أخفضَتْ رأسَها و نظرَتْ إليه من أسفل ، ليس راغباً في رؤيتها على هذه الحال ، لا في المعاتبةِ و لا في التّفكيرِ فيما حدثَ و سيحدث ، راغبٌ في أخذِ الأمرِ على ما هو ، ببساطة ، , يُحِبّ لو أنّ النّاسَ يتعاملون جميعاً على هذا النّحو

_"كنتُ سأجلسُ هناك في كلِّ الأحوال"

_"أنا آسفة.. جدّاً جدّاً.. لقَدْ.."

_"لا تعتذري ليلي ، لستُ منزعجاً ، سأنتظرُكِ عمراً بطولِه لو احتاجَ الأمر"

1

رفعَتْ رأسها ، استطاعَ رؤيةَ عينيها تلمعان لأجلِه ها هنا ، لمعاناً حديثاً مغايراً لما تصدرانه وقتَ الحماسةِ و حتّى وقتَ الفرح ، كانَ فريداً تماماً ، كملامحها ، كمثلها ، ليلي اليومَ مختلفة.

ازدردَ ريقَه ، اجتاحَتْ لُبَّه حرارةٌ مُحبّبة ، حرارةُ فرحٍ و راحةٍ و.. شيءٍ آخر ، وصلَتْ إلى رأسِه بسرعةِ البرق ، و جعلته يعضُّ على شفتيه خيفةَ أن يبانَ المخفيّ ، هو يُحِبُّها..

ألقى نظرةً على بنائهم ، ثمَّ دفعها أمامه عبرَ الحديقة ، أرادَ أن يأخذَها إلى مكانٍ بعيد ، ليس فيه ذكرىً مؤلمةٌ واحدة ، إلى السّاحةِ التّي ستصبحُ حديقةَ زنبقٍ في القريبِ العاجل.

سارا معاً بهدوءٍ شديدٍ حتّى نهايةِ الشّارع ، إلى حيثُ المكتبة ، و حيث الشّارعُ العريضُ الفاصلُ ما بينهما و بين حديقةِ الزّنبقِ و منزلِ ليلي ، كانَ قلبُ إيليا مطمئنّاً للمرورِ فيه ، ذلك لأنّ علي شقيقُها في فرنسا ، على بعدِ أميال و حواجز ، هو لا يُحِبّه على الإطلاق ، لقَدْ حدثَ و هدّدَه بأنّه سيضربُه من قبل ، كانَ إيليا طفلاً في الابتدائيّة و كانَ علي شابّاً عملاقاً ، لم يستطع إلّا أن يبتعد ، كانَ الموقفُ مخيفاً و مريباً جدّاً ، لكنّه لم يبلغ به أحداً حتّى ليلي ، حفظَ الأمرَ في داخله و على ثقله.

لو حدثَ و استطاعَ أن يُحِبّها كما يتمنّى ، بغضِّ النّظرِ عن الاختلافِ العظيمِ بينهما ، سيأخذُها من هنا و يرحل ، سيرحلُ عن المنطقةِ و المدينةِ كلّها ، علي و ريّان سببان مناسبان جدّاً لكرهِ المدينةِ بالنّسبةِ إليه ، بل البلادِ أيضاً.

1

قطعَ الشّابّان الشّارعَ العريضَ وصولاً إلى الرّصيفِ الواسعِ أمام السّاحة ، ثمّ لمسَ إيليا كتفَ ليلي ، أوقفَ المسيرَ ها هنا لسببٍ من الأسباب ، في الواقعِ لقَدْ ظلّ يفكّرُ فيه طوالَ الطّريق ، بل و ربّما طوالَ النّهار ، يتمعّنُ في أمرٍ واحد ، لقَدْ قرّرَ أن يبوحَ بما لديه ، لن يخسرَ أكثرَ ممّا خسر ، و في حالِ ربح ، سيستعيدُ كلّ شيء ، كلَّ شيء

_"ليلي"

_"نعم"

_"أنا أُحِبُّكِ"

قُطِعَ نفسُ ليلي في تلك اللّحظة ، و احمرّ وجهها حتّى أضحى يضحكُ منه ، كانَتْ تلك اللّحظةُ بالذّات ، و دوناً عن كلّ احتمالٍ آخر لها ، عمراً بطوله.. عمراً جديداً

_"و.. و أنا.."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة