اليومُ أضحى على أعتابِ المساء ، الظّلمةُ بدأتْ تخلطُ ألوانها الغامقةَ مع ألوانِ النّورِ الغارقِ في جهةِ الغروب ، و صوتُ العصافيرِ بدأ يسكنُ و يستقرّ ، كلُّ شيءٍ بدأ يفعل ، عدا الآلامِ و المخاوف ، بدأتْ تستفيق؛
كانَتْ ليلي تراقبُ السّاعةَ في غرفةِ المعيشةِ بدمٍ يكادُ يغلي لشدّةِ التّوتّر ، لقدِ اتّفقَتْ مع إيلي على اللّقاءِ في النّافذةِ عند السّاعةِ التّاسعةِ ، ما إن تنامَ فاتن ، و الأخيرةُ جالسةٌ أنام التّلفازِ تقلّمُ أظافرها بدمٍ بارد ، كالسّحليّة.
ليلي لا تخافُها ، و لا تخافُ أبويها و لا حتّى عليّاً ، لكنّها تشعرُ بالضّيقِ بسببِهم ، لقَدْ ضاقَتْ ذرعاً بالتّوبيخِ و اللّومِ و العتبِ الفارغ ، و بماذا و لماذا و من و كيف ، ضاقَتْ ذرعاً بالأسئلةِ و التّقاريرِ المُفصّلةِ التّي يجبُ تقديمُها كلّ يوم ، تشتهي أن تشعرَ ببعضِ المساحة ، مساحةِ حريّةٍ و لو كانَتْ بسيطة ، و تخافُ أُمّها و أخاها قليلاً لا تستطيعُ أن تنكر.
و على أيّةِ حال ، هذه التّصرّفاتُ كانَتْ تقدمُ عليها يارا أمامها منذُ نعومةِ أظفارها ، كانَتْ تراها كيف تطيعهم بالكلامِ و ما إن يغادروا تفعل ما تريد ، يارا كانَتْ قدوتها قبلما منعتها عن الحديثِ مع إيليا ، من بعدِ ذلك ، أصبحَتْ مثلها كمثلهم ، غبيضة ، لا لا ، هي تعرفُ أنّها بغيضةٌ الآن
_"ليلي ، استيقظي غداً في وقتٍ مبكّر ، أريدُ أن أنظّفَ البيت و ستساعدينني"
"اللّعنةُ عليكِ!"
لا ، لا تستطيعُ قولَ ذلك الآن و إلّا مطّتْ في المشكلةِ و غيّبتها عن موعدِها مع إيليا الأوّلِ منذُ وقتٍ طويل ، ستنتقمُ منها و من عطلتها البغيضةِ في وقتٍ آخر؛
قالَ ستساعدينني ، و منذُ متى تعملُ حتّى تساعدها؟ هي فقط تجلسُ كالحيزبونِ في الزّاويةِ و تلقي بالأوامرِ هنا و هناك ، حتّى والدتُها لا تقدرُ على تغييرِ هذه الصّفةِ البغيضةِ فيها ، التّحكّمِ في كلِّ شيءٍ و كلِّ أحد ، حتّى علي تريدُ السّيطرةَ عليه ، و لكن هيهات.
ابتلعَتْ ليلي جوفها ، و ابتلعَتْ كثيراً من حنقها برفقته ، يجبُ أن تعرفَ ما تفعل ، تريدُ السّهرَ مع إيلي في آخرِ لحظاتِ عيدِ ميلادها ، تريدُ جعله حلواً قابلاً للاستذكارِ حتّى بعدَ أعوامٍ أُخرى ، تريدُ جعلَه عيداً ، و من غيرُه في استطاعته فعلُ ذلك؟
_"حسناً ، ألن تنامي؟"
_"سأتابعُ برنامجاً اليوم ، نامي أنتِ إن أردتِ"
_"تصبحين على خير"
نهضَتْ متوتّرة ، تحسبُ في رأسها ألف حسابٍ و حساب ، ستُضطرُّ لخفضِ صوتِها و عملِ دوريّاتٍ متلاحقةٍ على بابِ غرفتها إلى أن تنامَ فاتن و تقفلَ عليها بابَ غرفتها ، و لكن لا بأس ، ستفعلُ كلّ ما يمكن ، لم تعتد المثاليّةَ في الظّروفِ حتّى تتذمّرَ اليوم.
سارَتْ في اتّجاهِ غرفتها ، تنظرُ إلى خلفَ مع كلِّ خطوةٍ و صدرُها يستقبلُ بعضَ الوساوس ، تحسبُ أنّ خطوةَ أختها المختلفةَ اليومَ ما هي إلّا بدايةُ خطّةٍ لتكشفَها و تمسكَ بها متلبّسةً بالجرمِ المشهود ، و وجهُ فاتن الباردُ دليلٌ على ذلك ، و لكن ، و لأنّ ليلي أقوى بكثيرٍ من يارا ، ستقومُ بهذه الخطوةِ الآن كيفما كانَ الوضع ، و ستتعاملُ مع العواقبِ لاحقاً؛
تتمنّى ذلك.
دلفَتْ إلى غرفتها و أوصدتِ الباب ، ثمَّ ركضَتْ نحو النّافذةِ تطّلعُ على السّاحة ، فتحتها بتأنٍّ شديد ، و مدّتْ رأسها إلى الخارج ، كانَ الشّابُّ جالساً هنالك ، فوق العشب ، يحدّقُ في النّافذةِ صبرُه طويلٌ و شوقُه يرهقُه ، يترقّبُ أن تطلَّ ليلي أخيراً ، و عندما فعلَتْ و انتهى انتظارُه ، اضطربَ و ارتبكَ و كادَ يختنق ، هل يجبُ أن يشعرَ هكذا؟
_"إيليا!"
ميّزته أخيراً في العتمةِ و نادت عليه تحتفي ، و بعدَ دقائقَ كانَتْ في النّافذة ، و ركضَ هو يساعدُها على الوقوفِ فالقفزِ إلى الخارج ، مدّ ساعديه في ناحيتها و تمسّكتْ بهما ، ثمَّ نزلتْ بهدوءٍ تستندُ عليه ، نزلَتْ على العشبِ حافية ، تحتَ ضوءِ القمرِ المكتمل ، كانَ منظرُ الثّلاثةِ معاً ، إيليا و ليلي و القمر ، مُبهجاً ، كأفلامِ ديزني القديمة ، لقَدْ شعرا بالأُلفةِ من جديد ، بالحنينِ إلى أيّامهما السّابقة ، و ربّما إلى نفسيهما السّابقة ، طفلان حُرّان ، لا يفكّران في الفعلِ قبلما يقدمان عليه ، و حتّى في أثنائه ، لا يفكّران لا في العواقبِ و لا في مقاييسِ الصّحِّ و الخطأ ، يفعلان ما يشعران به ، يشعران باللّحظة
_"صباحُ الخير!"
ابتسمَ باستظراف ، الوقتُ لم يقترب بعدُ من الصّباحِ حتّى ، و لم يتوقّع أن يسمعَ شيئاً كهذا ، هذه ليلي
_"صباحُ الخيرِ ليلي"
ارتمى من جديدٍ فوق العشب ، جلسَ ظهرُه إلى جدارِ البيت ، و جلسَتْ هي إلى جواره ، تاركةً مسافةً كبيرةً بين مجلسهما ، لأنّه عيب؛
كانَتْ تنتظرُ نومَ فاتن لتحضرَ حلويّاتٍ خبّأتها في المطبخِ لأجلِ هذه اللّيلة ، كانَتْ يارا تفعلُ ذلك طوالَ الوقت ، تشتري الحلويّاتِ و تخبّأها في النّهارِ لتأكلها ليلاً ، لئلّا تسمعَ محاضراتِ الكُبرى عن السّكّرِ و الرّشاقةِ و ضرورةِ المظهرِ اللّائق ، ثمّ تشاهدها و هي تأكلُها في المطبخِ ليسَ و كأنّها قالَتْ شيئاً ، فاتن و فمُها أحياناً يكونُ كلٌّ منهما في قطبٍ من أقطابِ الكوكب ، لا يسمعُ أحدهما أخبارَ الآخرِ إلّا فيما ندر.
تنهّدَتْ ، بغيرِ قصد ، و رفعَتْ رأسها نحو السّماء ، كانَتِ الشّرفاتُ تغطّي ما فوق رأسها ، و إلى الأمام ، تظهرُ السّماءُ الواسعة ، صافيةً من الغيوم ، و مرصّعةً بماساتٍ هائلةِ العدد ، ماساتٍ حقيقيّة ، معروضةٍ بحريّة ، ماساتٍ حُرّة ، لا ثمنَ لها ، و ليس في الإمكانِ حصدها أو الحصولُ على أيّها ، ليس في الإمكانِ لمسُها أو حتّى عدُّها ، رائعة ، أليس كذلك ليلي؟
_"إيلي ، النّجومُ جميلةٌ جدّاً"
_"تُحِبّين النّجوم؟"
_"نعم ، و أنت تُحِبُّ الغيوم"
أطلقَ ضحكةً خافتةً ساحرة ، و مالَ برأسه نحوها ، لم تكن تنظرُ إليه ، كانَتْ تنظرُ إلى النّجوم ، بيدَ أنّ الشّابَّ كانَ قادراً على أن يبصرَ بريقَ عينيها بسهولة ، ربّما بغيرِ النّظرِ مباشرةً إليهما ، أحسَّ لوهلةٍ و كأنّ عينيها قطعةٌ من السّماءِ في الأعلى ، خالَهما القطعةَ النّاقصةَ التّي قضى وقته يبحثُ عنها ، و ذلك البريقُ نجوم ، نعم نجوم..
_"ما زلتِ تذكرين؟"
_"طبعاً!"
ضحكَ من جديدٍ بذاتِ الرّوح ، لقَدْ تبدّدَ كثيرٌ من ضيقه مع الوقت ، و عادَ كلاهما يعتادُ طباعَ الآخرِ و كأنَّ سنواتِ الفراقِ لم تكُ شيئاً ، تلك الأُلفة ، لا يستطيعُ الاثنان فهمها و لا تحليلها ، هما مرتاحان فقط ، و لم يدركا بعدُ هذا التّحوّل
_"أتعرفين؟ لم أسمع صوتكِ لوقتٍ طويل ، دعينا نثرثر معاً"
_"رائع! احكِ لي عن الثّانويّة!"
أدارَتْ جسدها بحيثُ تقابلُ مجلسه ، كانَتْ على قدرٍ عجيبٍ من الحماسِ لتسمعَ عن الثّانويّة ، و كان _على النّقيضِ منها_ خامداً في هذا الخصوص؛
إيليا يكرهُ الثّانويّة ، دروسٌ و واجباتٌ و دوامها طويلٌ إلى حدٍّ مقرف ، حسنتُها الوحيدةُ هي مجموعةُ أصدقائه ، و لكن ، كيف سيخبرُها بهذا الكمِّ الهائلِ من المقتِ دفعةً واحدة؟
_"انسي الأمرَ بربّكِ ، تكلّمي أنتِ"
أسندَ رأسه إلى الجدار ، و تركَ وجهَ البنتِ متفاجئاً إلى حدٍّ ما ، خائباً في بعضه ، لقَدْ توضّحتِ الصّورةُ أمامها بغير أن يتكلّم ، و أشعلت جذوةَ القلقِ في أعماقها ، هو حزينٌ فعلاً ، لكنّه غيرُ راغبٍ في الحديثِ عن ذلك
_"كيف كانَ يومُ ميلادكِ؟ من هنّأكِ؟"
_"علي و أنتَ و حسن زوجُ يارا"
_"و يارا؟"
_"يارا تنسى دائماً ، و فاتن لا تقولُ شيئاً حتّى لو تذكّرت"
همهمَ لها؛ والدتُه نسيت عيدَ ميلادِه في العامين الماضيين ، و في العامِ الحاليّ هنّأته على عجلةٍ و غادرتْ إلى عملها ، هو لا يلومها على أيّةِ حال ، فبعدَ ولادةِ طفلها الصّغيرِ لم تعد متفرّغةً لأحد ، وقتُها باتَ مكرّساً ما بين العملِ و بينه و سيظلُّ كذلك حتّى بعدما بلغَ العامين عمراً ، هو يتساءلُ فحسب كيف يلتزمُ بملاحظةِ التّفاصيلِ الصّغيرةِ في خضمِّ مرورِ الأحداثِ الكبيرةِ الأُخرى ، أصبحَ يراها كبيرةً كمثلِ غيرها ، و يكتمُها في صدرِه ، فلا تؤذي غيره..
_"إيلي"
_"نعم"
_"لا تحزن ، أنتَ رائع"
_"ليلي ألا تكبرين؟"
خاطبها متململاً ، في الظّاهر ، فقَدْ كانَ يشعرُ بحرارةٍ بسيطةٍ مُحبّبةٍ في صدره ، و كأنّ قلبه قَدْ عادَ إلى ذلك الوقت ، إلى وقتِ كانَ يعرفُ ما هي السّعادةُ و كانَ يذوقُها ببساطةٍ أينما ارتحل ، على الرّغمِ من كمِّ الهمومِ و المشكلاتِ الهائل ، عادَ إلى وقتِ كانَ دورايمون البطلَ الصّغير ، و كانَتْ هذه البنتُ الصّغيرةُ إلى قربه على الدّوام ، حتّى لو رفضتِ المدينةُ بأكملها هذا القرب؛
ماذا حدث؟ كيف انقلبتِ الأمورُ هكذا؟ و لماذا فعلت؟
_"لن أكبر ، أنا سعيدةٌ هكذا"
_"و أنا سعيدٌ بذلك"
سكتتْ لوهلة ، و ظلّتْ تحدّقُ في رأسِه المسندِ إلى الجدار ، تتأمّلُ وجهه الجامدَ المُثقلَ بجراحٍ خياليّة ، و تحدّقُ و في عينيه المغمضتين ، السّاترتين لهمٍّ بدا لها عظيماً ، لا تحتملُ رؤيته على هذه الحال ، لا تحتملُ مشاهدته و الوقوفَ جانباً مكتوفةَ الأيدي ، هي تعرفُ أن لا قدرةَ لها على فعلِ شيء ، و لكن..
_"ماذا أفعلُ حتّى أهوّنَ عليك؟"
فتحَ عينيه على عجل و توجّهَ إليها بهما ، و هنا ، و عند هذا اللّقاءِ الغريب ، فاجأها مظهرهما حتّى تراجعت في قوّتها قليلاً ، لقَدْ تغيّرَ إيلي ، قليلاً ، لا تحسنُ وصفَ الأمر ، و لكنّه لم يعد كما كان ، لا تشعرُ أنّها تعرفُه كما كانَتْ في السّابق
_"لماذا تقولين هذا؟"
_"لا شيء.."
_"أنا بخيرٍ ليلي ، اهتمّي بنفسكِ و.."
سكتَ عند هذا الحدّ ، لم يكن قادراً على أن يطلبَ منها طلباً كهذا ، بل و بدت له الجملةُ في غيرِ مكانها ، لم يركّبها على النّحوِ الصّحيح ، و حمّلها غصّةً جديدة..
_"أعتذر.. أنا أتدخّل.."
_"اهتمّي بنفسكِ و سأكونُ بخير ، أعدكِ"
قاطعها بسرعة ، كانَ أيّ شيءٍ سيضعه في هذا الفراغِ أفضل من تركِه على حاله ، و هكذا ، عادَ الحديثُ إلى مجراه الأليف ، و استمرَّ تسامرهما أمام النّجومِ لساعاتٍ أُخرى ، كانتِ اللّيلةُ هادئةً و رقيقة ، لن ينساها أحدهما في القريب ، لم ينسَ حتّى الآن ، ما يزالُ يرى ظلَّ الآخر إلى قربه كلّما شعرَ بالوحدة..
ظلّاً منيراً دافئاً ، أغلى من أيّ حضورٍ آخر
دلع☆