الخامس من بعد الثّلاثين

الخامس من بعد الثّلاثين

72 0

السّاعةُ الخامسةُ إلّا ربع؛

ليلي لا تزالُ في المحلّ ، في مطبخِ المحلِّ بالأحرى ، تُعِدُّ الشّاي طوعاً لوالدِها و الضّيفِ اللّاجئ إليه ، زين؛

تعرّفتْ إليه لمجرّدِ سماعِ صوته و ما عرفَ بأنّها هنا بعد ، ظلَّتْ تسترقُ السّمعَ طوالَ الوقتِ إلى أحاديثِهما الغريبةِ عن أصله و عن السّلوكِ السّليمِ و كيف يستطيعُ أن يهذّبَ أحداً دون الوقوعِ في مشكلة ، حتّى تأخّرت على إيليا و لحظَتْ ذلك ، كانَتْ تتمنّى لو استطاعَتْ رؤيته اليوم أيضاً ، العجيبُ في الأمرِ أنّها لو جلسَتْ معه طوالَ النّهارِ لا تكلّ ، و ما إن يمضي ، و يختفي ظلُّه من مرآها ، تشعرُ بحنينٍ رهيبٍ يسيطرُ على صدرها و ينتشرُ بغير أن تعي إلى رأسها ، يطلُّ عليها الصّباحُ و فكرُها لا يتركه ، ليلي تُحِبُّه ، لقدِ اكتشفَتْ ذلك مُذ شاهدَت فيلماً رومنسيّاً لوحدها في نهايةِ الأسبوعِ الماضي ، لقَدْ ذكروا كلّ شعورٍ خابرته مع إيلي ، و سمّوه باسمِ الحُبّ ، هي تُحِبُّه و ذلك يُدعَى حُبّاً ، و لكن ما تفعلُ إزاءَ ذلك الحُبّ؟

لا يمكنُها فعلُ شيء ، هي حتّى لم تخبر أحداً بأنّها عادَتْ تلتقي به ، لم تخبر سوى زين ، و بشكلٍ سطحيٍّ جدّاً ، أخبرته فقط أنّها عادَتْ ترى صديقَ طفولتها و أنّه أهداها قلادةً فضيّة ، أصبحَ على إثرِ ذلك يتصرّفُ على نحوٍ غريب ، لو أنّها أخبرته بسهراتها معه عند النّافذة ماذا كانَ ليفعل؟

زين غريب ، تجدُه ساعياً إلى أن يمتلكَ أصدقاءه أحياناً ، لا يُحِبُّ أن يقتربَ النّاسُ منهم إلّا لو سمحَ بذلك و أشرفَ عليه ، و هي واحدةٌ من أصدقائه ، لا يجبُ أن يكونَ لها أصدقاء أقربُ منه ، سيخرجُ عن شخصيّته فوراً إن شكَّ في حدوثِ ذلك ، تماماً كما حدثَ في اليومِ السّابق.

جهزَ الشّاي منذ وقت ، و صبّته في فنجانين لأبيها و للبغيضِ معه ، فتحَتْ بابَ المطبخِ ما إن هدأتِ المناقشات ، و أوصلتِ الفنجانين إلى الطّاولة ، لم تقل مرحباً ، فاجأت والدها بالشّاي ، فهو لم يطلب شيئاً منها و لم يكلّمها منذ وصولِ زين ، أبوها يعرفُ كم تخافُ من الدّم ، لذلك لم يشأ أن يحرجها ، تركها حيث ارتاحت.

و حسناً ، لم يكن والدها المتفاجئ الوحيد ، لقَدْ فوجئ أحدٌ آخر ، بل و صُعِق ، شُدِهَ فاهُ و تجمّدَ وجهه

_"شكراً لكِ حبيبتي ، هذا زين ، حفيدُ الجدِّ فؤاد"

ألقتْ نظرةً باردةً على وجهِ زين جعلته يلملمُ نفسه سريعاً ، حاولَ كذلك دسَّ ساقِه تحتَ كرسيّه لئلّا تلمح القماشَ الطّبّيّ الملتفّ حولها ، و لكنّه تأخّر ، فقَد عرفتْ بكلّ شيءٍ و ما من داعٍ للاختباء.

هي لا تعرفُ من يقصدُ أبوها بالجدِّ فؤاد ، فهي لا تعرفُ أحداً في الحيِّ سوى إيليا و تيم و بعضِ الأطفال و بعضِ صديقاتِ يارا أيضاً ، و جارهم نعم ، فقط

_"عليكَ العافية"

_"شكراً"

أجابَ بغيرِ أن يعي ، ثمّ و بغتةً ، حطّ نظرُه على السّلسلةِ الفضيّة ، ما تزالُ تضعها و لا تنسى ذلك على الإطلاق ، نسيَتْ واجبَ الرّياضيّاتِ في المدرسةِ اليوم و لم تنسها ، يبدو أنّها لا تنزعُها ، كم هو حانق ، نسي ألمه لأجلِ هذا الحنق

_"و هذه ليلي أميرةُ أبيها الأصغر"

_"نعرفُ بعضنا أبي ، هو في صفّي"

قطعتِ السّبيلَ أمام أيّة فكرةٍ يمكنُ أن يأتي بها فمُ زين الأخرق ، و فعلاً ، لقَدْ أطبقتْ عليه تماماً ، لم يعرف ما يقول ، هو ليس جيّداً حقّاً في التّواصُلِ مع الكبار ، بخاصّةٍ الذّين يحترمهم ، لقَد أضحى يحترمُ أبوها جدّاً و يأمنُ له ، قبل أن يعرفَ أنّه أبوها

_"في نفس الصّفّ؟ جيّدٌ جدّاً ، ابقيا قليلاً إذاً ريثما أحضرُ لنا الغداء و أعود"

_"لا عمّي.. عليّ العودةُ إلى البيت.. لا تكلّف نفسكَ بي.."

_"اسكت يا ولد ، سأعودُ حالاً انتبها إلى المتجر"

خرجَ بسرعةٍ بعدما ربطَ لسانَ زين في فمه ، و ربطَ يدي ليلي ، كانَتْ ترغبُ في الذّهابِ إلى المكتبةِ و ملاقاةِ إيليا حيث هو ، لكنّه لم يترك لها خياراً على الإطلاق ، لا يمكنُها استئذانُه حتّى ، ماذا ستقول؟ سأذهبُ للقاءِ الولدِ الذّي قالَ علي منذُ سنواتٍ أنّه سيتسبّبُ بمشكلةٍ في البيتِ كلّه لو رأيته حتّى؟ هذا لا يمكن.

أحضرتْ ليلي كرسيّها من وراءِ الطّاولةِ و جلسَتْ أمام زين ، كانَتْ تستمعُ إلى قصّته المضحكةِ مع الرّجلِ في الخارج ، كانَ يضايقُ فتاةً ، و كانَ ضعفَ حجمِ زين ، و بدلاً من أن يدفعَ عنها الذّكيُّ البلاءَ زادَ الوضعَ سوءاً ، لقَدْ أخافها عندما دُفِعَ أرضاً ، و راحتْ تصرخُ حتّى لمّتِ النّاسَ و فكّوه ، هو لم يقل ذلك بشكلٍ مباشر و لكنّه كانَ واضحاً.

كم تودُّ أن تضايقَه بها ، هي لم تنتقم لشعرها بعد ، و لم تنتقم منه لأنّه تركَ المقعدَ لتلك الغبيّةِ لتزعجها ، و هي تحبكُ الخطط الآن ، ستريه

_"أنتِ أختُ علي إذاً؟"

سألها فجأة ، لم يكن الأمرُ عارضاً و سريعاً بالنّسبةِ له كما بدا ، لقَدْ كانَ يتجهّزُ و يتهيّأ لطرحه منذُ مدّة ، قبل أن غادرَ أبوها ، لقَدْ تفاجأ اليومَ بكثيرٍ من الأمور ، كثيرٍ كثير.

علي كانَ قدوته في صغره ، كانَ يبدو له قويّاً و واثقاً و لا شابّاً في استطاعته أن يقفَ في وجهه ، و كانَ لطيفاً جدّاً أيضاً ، و كانَتْ بنتُ عمّته الأُخرى.. هو غيرُ مهتمٍّ بهذه السّيرةِ الآن ، كانَ قَدْ غفلَ عنه طوال سنوات ، مُذ أن زارَهم مع موسى لآخر مرّة

_"تعرفُه؟"

_"صديقُ ابنِ عمّتي ، لم أكن سآتي إلى هنا لو لم أعرف أنّ المكانَ لوالده"

_"لماذا؟ لأنّه مثلك؟"

قطبَ حاجبيه و لم يجب ، هو لم يجد إجابةً في الواقع ، و لم يعرف ما كانَتْ تقصدُ بكلمة مثلك ، يعرفُ أنّه يألفُ من مثله أكثرَ من غيرهم ، لا يعرفُ لماذا و لا كيف ، هو فقط يشعرُ بالانتماءِ إلى أشخاصٍ معيّنين ، لا يشعرُ أنّه منبوذٌ و وحيدٌ بينهم كما يشعرُ في المدرسةِ و في أيّةِ دائرةٍ اجتماعيّةٍ أُخرى ، يُحِبُّهم أكثر هذا صحيح ، و لكنّ ذلك لم يكن سببَ قدومه الوحيد.

على أيّةِ حال ، لدى زين أفكارٌ أُخرى الآن.

رفعَ عينيه إليها ببطء ، بغيرِ أن يرفعَ وجهه ، نظرَ إلى السّلسلةِ ثمَّ إلى وجهها المتبارد ، حملقَ فيه ، لقَدْ بدا غاضباً أيضاً

_"لو عرفتُ أنّه والدُكِ أيضاً لما جئت"

_"يا إلهي! انظروا إلى المسكينِ كم أعذّبُه!"

_"اسمعي! لو لم تتوقّفي سأخبرُه أنّكِ تقبلين الهدايا من الشّبّان و تخرجين معهم!"

_"من قالَ أنّني أفعلُ هذا يا معتوه!؟"

_"أنا سأقول!"

سكتَتْ عند هذا الحدّ ، ازدردتْ ريقها لكثرةِ الحنقِ و الغيظ ، لم يعد هنالك ما يمكنُ فعلُه أمام هذا الظّلمِ الكبير ، كلُّ السّبلِ إلى إيليا تُغلقُ ساعةَ تجدُها ، و لأجلِ أسباب تافهةٍ و غبيّة ، عليها أن تراعي خوف علي و مشاعرَ يارا و الآن زين ، و لكن من يراعي مشاعرها هي؟

_"أقسمُ لو فعلتَ لن أنظرَ في وجهكَ بعد اليوم يا زين.. لو كنتُ أهمُّك!"

_"طبعاً تُهِمّينني!"

_"إذاً لا تفعل ، لا توقعني في المشاكل"

_"حسناً حسناً! لن أخبرَ أحداً في كلِّ الأحوال! غبيّة"

أشاحَ بوجهه من جديد ، و ابتلعَ جوفه ، أضحى متعباً لثقلِ هذا الجوف ، هو لا يعرف ، هو يشعرُ بشيءٍ ما ، شيءٍ غريبٍ لم يشعر به من قبل..

أيمكنُ لهذا.. أن يدعى حُبّاً؟

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة