السّاعةُ الخامسةُ إلّا ربع؛
ليلي لا تزالُ في المحلّ ، في مطبخِ المحلِّ بالأحرى ، تُعِدُّ الشّاي طوعاً لوالدِها و الضّيفِ اللّاجئ إليه ، زين؛
تعرّفتْ إليه لمجرّدِ سماعِ صوته و ما عرفَ بأنّها هنا بعد ، ظلَّتْ تسترقُ السّمعَ طوالَ الوقتِ إلى أحاديثِهما الغريبةِ عن أصله و عن السّلوكِ السّليمِ و كيف يستطيعُ أن يهذّبَ أحداً دون الوقوعِ في مشكلة ، حتّى تأخّرت على إيليا و لحظَتْ ذلك ، كانَتْ تتمنّى لو استطاعَتْ رؤيته اليوم أيضاً ، العجيبُ في الأمرِ أنّها لو جلسَتْ معه طوالَ النّهارِ لا تكلّ ، و ما إن يمضي ، و يختفي ظلُّه من مرآها ، تشعرُ بحنينٍ رهيبٍ يسيطرُ على صدرها و ينتشرُ بغير أن تعي إلى رأسها ، يطلُّ عليها الصّباحُ و فكرُها لا يتركه ، ليلي تُحِبُّه ، لقدِ اكتشفَتْ ذلك مُذ شاهدَت فيلماً رومنسيّاً لوحدها في نهايةِ الأسبوعِ الماضي ، لقَدْ ذكروا كلّ شعورٍ خابرته مع إيلي ، و سمّوه باسمِ الحُبّ ، هي تُحِبُّه و ذلك يُدعَى حُبّاً ، و لكن ما تفعلُ إزاءَ ذلك الحُبّ؟
لا يمكنُها فعلُ شيء ، هي حتّى لم تخبر أحداً بأنّها عادَتْ تلتقي به ، لم تخبر سوى زين ، و بشكلٍ سطحيٍّ جدّاً ، أخبرته فقط أنّها عادَتْ ترى صديقَ طفولتها و أنّه أهداها قلادةً فضيّة ، أصبحَ على إثرِ ذلك يتصرّفُ على نحوٍ غريب ، لو أنّها أخبرته بسهراتها معه عند النّافذة ماذا كانَ ليفعل؟
زين غريب ، تجدُه ساعياً إلى أن يمتلكَ أصدقاءه أحياناً ، لا يُحِبُّ أن يقتربَ النّاسُ منهم إلّا لو سمحَ بذلك و أشرفَ عليه ، و هي واحدةٌ من أصدقائه ، لا يجبُ أن يكونَ لها أصدقاء أقربُ منه ، سيخرجُ عن شخصيّته فوراً إن شكَّ في حدوثِ ذلك ، تماماً كما حدثَ في اليومِ السّابق.
جهزَ الشّاي منذ وقت ، و صبّته في فنجانين لأبيها و للبغيضِ معه ، فتحَتْ بابَ المطبخِ ما إن هدأتِ المناقشات ، و أوصلتِ الفنجانين إلى الطّاولة ، لم تقل مرحباً ، فاجأت والدها بالشّاي ، فهو لم يطلب شيئاً منها و لم يكلّمها منذ وصولِ زين ، أبوها يعرفُ كم تخافُ من الدّم ، لذلك لم يشأ أن يحرجها ، تركها حيث ارتاحت.
و حسناً ، لم يكن والدها المتفاجئ الوحيد ، لقَدْ فوجئ أحدٌ آخر ، بل و صُعِق ، شُدِهَ فاهُ و تجمّدَ وجهه
_"شكراً لكِ حبيبتي ، هذا زين ، حفيدُ الجدِّ فؤاد"
ألقتْ نظرةً باردةً على وجهِ زين جعلته يلملمُ نفسه سريعاً ، حاولَ كذلك دسَّ ساقِه تحتَ كرسيّه لئلّا تلمح القماشَ الطّبّيّ الملتفّ حولها ، و لكنّه تأخّر ، فقَد عرفتْ بكلّ شيءٍ و ما من داعٍ للاختباء.
هي لا تعرفُ من يقصدُ أبوها بالجدِّ فؤاد ، فهي لا تعرفُ أحداً في الحيِّ سوى إيليا و تيم و بعضِ الأطفال و بعضِ صديقاتِ يارا أيضاً ، و جارهم نعم ، فقط
_"عليكَ العافية"
_"شكراً"
أجابَ بغيرِ أن يعي ، ثمّ و بغتةً ، حطّ نظرُه على السّلسلةِ الفضيّة ، ما تزالُ تضعها و لا تنسى ذلك على الإطلاق ، نسيَتْ واجبَ الرّياضيّاتِ في المدرسةِ اليوم و لم تنسها ، يبدو أنّها لا تنزعُها ، كم هو حانق ، نسي ألمه لأجلِ هذا الحنق
_"و هذه ليلي أميرةُ أبيها الأصغر"
_"نعرفُ بعضنا أبي ، هو في صفّي"
قطعتِ السّبيلَ أمام أيّة فكرةٍ يمكنُ أن يأتي بها فمُ زين الأخرق ، و فعلاً ، لقَدْ أطبقتْ عليه تماماً ، لم يعرف ما يقول ، هو ليس جيّداً حقّاً في التّواصُلِ مع الكبار ، بخاصّةٍ الذّين يحترمهم ، لقَد أضحى يحترمُ أبوها جدّاً و يأمنُ له ، قبل أن يعرفَ أنّه أبوها
_"في نفس الصّفّ؟ جيّدٌ جدّاً ، ابقيا قليلاً إذاً ريثما أحضرُ لنا الغداء و أعود"
_"لا عمّي.. عليّ العودةُ إلى البيت.. لا تكلّف نفسكَ بي.."
_"اسكت يا ولد ، سأعودُ حالاً انتبها إلى المتجر"
خرجَ بسرعةٍ بعدما ربطَ لسانَ زين في فمه ، و ربطَ يدي ليلي ، كانَتْ ترغبُ في الذّهابِ إلى المكتبةِ و ملاقاةِ إيليا حيث هو ، لكنّه لم يترك لها خياراً على الإطلاق ، لا يمكنُها استئذانُه حتّى ، ماذا ستقول؟ سأذهبُ للقاءِ الولدِ الذّي قالَ علي منذُ سنواتٍ أنّه سيتسبّبُ بمشكلةٍ في البيتِ كلّه لو رأيته حتّى؟ هذا لا يمكن.
أحضرتْ ليلي كرسيّها من وراءِ الطّاولةِ و جلسَتْ أمام زين ، كانَتْ تستمعُ إلى قصّته المضحكةِ مع الرّجلِ في الخارج ، كانَ يضايقُ فتاةً ، و كانَ ضعفَ حجمِ زين ، و بدلاً من أن يدفعَ عنها الذّكيُّ البلاءَ زادَ الوضعَ سوءاً ، لقَدْ أخافها عندما دُفِعَ أرضاً ، و راحتْ تصرخُ حتّى لمّتِ النّاسَ و فكّوه ، هو لم يقل ذلك بشكلٍ مباشر و لكنّه كانَ واضحاً.
كم تودُّ أن تضايقَه بها ، هي لم تنتقم لشعرها بعد ، و لم تنتقم منه لأنّه تركَ المقعدَ لتلك الغبيّةِ لتزعجها ، و هي تحبكُ الخطط الآن ، ستريه
_"أنتِ أختُ علي إذاً؟"
سألها فجأة ، لم يكن الأمرُ عارضاً و سريعاً بالنّسبةِ له كما بدا ، لقَدْ كانَ يتجهّزُ و يتهيّأ لطرحه منذُ مدّة ، قبل أن غادرَ أبوها ، لقَدْ تفاجأ اليومَ بكثيرٍ من الأمور ، كثيرٍ كثير.
علي كانَ قدوته في صغره ، كانَ يبدو له قويّاً و واثقاً و لا شابّاً في استطاعته أن يقفَ في وجهه ، و كانَ لطيفاً جدّاً أيضاً ، و كانَتْ بنتُ عمّته الأُخرى.. هو غيرُ مهتمٍّ بهذه السّيرةِ الآن ، كانَ قَدْ غفلَ عنه طوال سنوات ، مُذ أن زارَهم مع موسى لآخر مرّة
_"تعرفُه؟"
_"صديقُ ابنِ عمّتي ، لم أكن سآتي إلى هنا لو لم أعرف أنّ المكانَ لوالده"
_"لماذا؟ لأنّه مثلك؟"
قطبَ حاجبيه و لم يجب ، هو لم يجد إجابةً في الواقع ، و لم يعرف ما كانَتْ تقصدُ بكلمة مثلك ، يعرفُ أنّه يألفُ من مثله أكثرَ من غيرهم ، لا يعرفُ لماذا و لا كيف ، هو فقط يشعرُ بالانتماءِ إلى أشخاصٍ معيّنين ، لا يشعرُ أنّه منبوذٌ و وحيدٌ بينهم كما يشعرُ في المدرسةِ و في أيّةِ دائرةٍ اجتماعيّةٍ أُخرى ، يُحِبُّهم أكثر هذا صحيح ، و لكنّ ذلك لم يكن سببَ قدومه الوحيد.
على أيّةِ حال ، لدى زين أفكارٌ أُخرى الآن.
رفعَ عينيه إليها ببطء ، بغيرِ أن يرفعَ وجهه ، نظرَ إلى السّلسلةِ ثمَّ إلى وجهها المتبارد ، حملقَ فيه ، لقَدْ بدا غاضباً أيضاً
_"لو عرفتُ أنّه والدُكِ أيضاً لما جئت"
_"يا إلهي! انظروا إلى المسكينِ كم أعذّبُه!"
_"اسمعي! لو لم تتوقّفي سأخبرُه أنّكِ تقبلين الهدايا من الشّبّان و تخرجين معهم!"
_"من قالَ أنّني أفعلُ هذا يا معتوه!؟"
_"أنا سأقول!"
سكتَتْ عند هذا الحدّ ، ازدردتْ ريقها لكثرةِ الحنقِ و الغيظ ، لم يعد هنالك ما يمكنُ فعلُه أمام هذا الظّلمِ الكبير ، كلُّ السّبلِ إلى إيليا تُغلقُ ساعةَ تجدُها ، و لأجلِ أسباب تافهةٍ و غبيّة ، عليها أن تراعي خوف علي و مشاعرَ يارا و الآن زين ، و لكن من يراعي مشاعرها هي؟
_"أقسمُ لو فعلتَ لن أنظرَ في وجهكَ بعد اليوم يا زين.. لو كنتُ أهمُّك!"
_"طبعاً تُهِمّينني!"
_"إذاً لا تفعل ، لا توقعني في المشاكل"
_"حسناً حسناً! لن أخبرَ أحداً في كلِّ الأحوال! غبيّة"
أشاحَ بوجهه من جديد ، و ابتلعَ جوفه ، أضحى متعباً لثقلِ هذا الجوف ، هو لا يعرف ، هو يشعرُ بشيءٍ ما ، شيءٍ غريبٍ لم يشعر به من قبل..
أيمكنُ لهذا.. أن يدعى حُبّاً؟
دلع☆