أسدلَ اللّيلُ ستائرَ عتمته ، و اشتعلَ المكانُ بوحشةٍ مخيفة ، إلّا عند ليلي و إيليا ، كانَتِ الأضواءُ الكهربائيّةُ في الشّارعِ بحلاوةِ النّجوم ، و الظّلمةُ و السّكينةُ رفيقين ناعمين ، يحميانهما من غدرِ الظّروف؛
إيلي يخشى أن يصادفهما ريّان فيخرّبَ عليه كلّ شيءٍ كما طالما فعل ، أو أن يراهما أحدٌ من أهلِها و يفتعلَ مشكلة؛
إذا علمَ علي أنّها خارجَ البيتِ حتّى هذا الوقتِ سيُجَنُّ جنونُه ، و لو علمَ أنّها تتمشّى في الشّارعِ مع إيليا ، سيصلُ الأمرُ إلى أبعدَ من الجنون ، هي تعرفُ ذلك جيّداً ، و لا تأبهُ به كثيراً ، هي سعيدة ، سعيدةٌ و لا تريدُ أن تعكّرَ مزاجها بأيِّ فكرةٍ أُخرى ، لو كانَ علي سيقتلُها فيما بعد ، لا بأس ، فليفعل ، و لكن بعدَ أن تقضي وقتها مع إيلي.
جلسَ الاثنان على الصّخور كما في طفولتهما ، الصّخورُ أضحَتْ ضئيلةً على ساقيهما ، لكنّها غيرُ مزعجةٍ على الإطلاق ، بل مُبهجة ، كالفراشاتِ و عبقِ زهرِ اللّيمونِ في صباحاتِ الرّبيع ، و كريحِ التّرابِ في يومٍ مُمطرٍ من أيّامِ الخريف ، و كصوتِ الكنائسِ و الآذانِ الصّادرين معاً في عصرِ يومٍ صيفيٍّ مشمس ، مشاهدُ روتينيّة ، باعثةٌ على حنينٍ رهيبٍ لا يعرفُ المصابُ به إلى أين يصبّ ، يغدقُ الرّوحَ كما لو كانَ شيئاً من سحر ، ثمّ يتركُها عزلاء ، لا تعرفُ إلى أين تأوي.
تنفّسَ إيلي بعمق ، ثمَّ نظرَ إلى ليلي ، لمسَ شعرها بحذر ، مسحَ عليه بهدوءٍ شديد ، و عندما وجدَها لا تمانعُ ذلك ، بعثره كما كانَ يفعلُ في طفولته ، بشغف.
كانَت قَدْ علّقَتْ زهرةً في إحدى خصلاتِه فيما سبق ، زهرةَ ياسمينٍ أبيضَ قطفتها من حديقةِ بيتٍ عربيٍّ و هي مع إيلي في الطّريق ، البيتِ المسوّدِ المزروعةِ حديقته بالوردِ و الياسمين و النّارنج ، الحيِّ حتّى هذا الوقتِ من العامِ رغمَ وفاةِ أهل الدّار.
نزعَ إيلي الزّهرة ، و أخذَ يقلّبُها بين راحتيه الدّافئتين ، برفقٍ شديد ، حذراً من أن يفسدَ نضرتها أو يقطّعَ أوراقها
_"قرأتُ شيئاً ما منذُ فترة"
_"ما هو؟"
_"أنّ كلَّ زهرةٍ تزهرُ في أوانِها ، أضيفُ إليها أنّها لا تدركُه ، أي لا تعرفُ متى ستزهر"
نظرَ نحو ليلي في النّهاية ، و أظهرَ ابتسامةً دافئةً رقيقة ، لديه رغبةٌ في توكيدِ فكرته ، مع زنبقته الصّغيرة ، التّي ما تزالُ برعماً أخضرَ و لم تنضج بعد ، أمامها طريقٌ طويل ، و يسعدُه أن يتابعَ معها هذا الطّريقَ حتّى نهايته ، يتمنّى
_"كلُّ زهرةٍ تزهرُ في أوانِها ، و لا تدركُه"
_"و تذبلُ أيضاً"
زادَ في وسعِ ابتسامته قليلاً ، ثمَّ عادَ ينظرُ إلى الزّهرةِ الغافيةِ بينَ كفّيه؛ صحيح ، الزّهرةُ تذبلُ أو تتحوّلُ إلى ثمرة ، لا شيءَ يظلُّ على حاله ، سوى شيءٍ واحد
_"لكنّ عطرها لا ينفق ، ذكراها لا تنقضي ، تظلُّ كلُّ زهرةٍ جديدةٍ تجدّدُ ذكراها ، ليس و كأنّ هنالك زهراً غيرها في العالم"
أعادَ الزّهرةَ إلى مكانها ، علّقها في شعرَ الصّغيرةِ الشّاردةِ و رتّبه؛
فيمَ تفكّرُ ليلي؟ و لماذا تبدو بهذه الظّرافةِ و هي شاردة؟
_"قلتَ أنّني زنبقة"
_"أنتِ الزّنبق ، كلُّ الزّنبق ، الزّنبقُ و مهما ذبلتْ أزهاره و تبدّلت عليه الأزمان ، و حتّى لو انقرض ، سيظلُّ محفوراً في القلوب"
تحمحمَ بعد برهة ، وجدَ أنّه استرسلَ في التّعبيرِ كثيراً على الملأ ، و لم يسمع من ليلي حرفاً ، فأشاحَ بوجهه و سكت ، و راحَ يراجعُ مقاله حرفاً حرفاً و الحرارةُ تجتاحُ رأسه ، فيمَ أخطأ؟
نهضَتْ ليلي بغتةً ، و انتفضَ على إثرها مأخوذاً بما حدث ، لم يستطع أن يحلّلَ ما تفكّرُ فيه و لا بأيّةِ طريقة ، و على إثرِ جهله هذا ، توتّر قليلاً
_"ما الأمر؟"
_"أريدُ أن أكتبَ ما قلت! تعال سأقفزُ من النّافذة!"
بدأت طريقها نحو البيتِ قبلما وعى بما كانَتْ تقول ، جرَتْ على عجلتها المعتادةِ منذُ الصّغر ، وقفَ قليلاً يراقبُ شكلها في هذه العتمة ، ثمَّ مشى وراءها بهدوء ، يرغبُ في رؤيةِ شكلها عندما ترى أنّ النّافذةَ مقفلةٌ و لا يمكنُ لها أن تدخلَ إلى البيت ، ليلي متسرّعةٌ و مستعجلة ، و عندما تنزعجُ تزمُّ فمها و تلملمه ، تبدو كالأطفالِ مهما كبرت.
وصلَتْ قبله ، أدخلَتْ أصابعها الصّغيرةَ في الفراغِ الضّئيلِ ما بين دفّتي النّافذةِ الخشبيّتين ، ثمَّ فتحتها ببراعةِ لصّةٍ صغيرةٍ في لحظةِ وصولِه ، لقَدْ تفاجأ هو بدلاً منها الآن
_"كيف فتحتها؟"
_"نافذتي تُفتَحُ من الخارجِ ما لم أقفلها"
_"تمزحين ، يجبُ أن تكلّمي أبويكِ في هذا الشّأن ، هذا ليس آمناً"
تلك لم تكن أوّلَ مرّةٍ تُحذَّرُ فيها من قصّةِ النّافذة ، فيارا ، بعدَ أن تزوّجتْ طبعاً ، أصبحَتْ تحدّثُها في الأمرِ كلّما زارَتِ الغرفةَ و تحاولُ تخويفها من اللّصوصِ و المجرمين و مصّاصي الدّماء ، تقصُّ عليها أحداثاً غبيّةً و تعيدُ قصّها ، رجلٌ دخلَ فوجدَ فتاةً نائمة ، فقصّ شحمةَ أذنيها ليبيعها ، و من هذه الأمور ، كانَتْ تخافُ أحياناً و أحياناً تضحك ، لكنّها لم تعر انتباهاً ، لقَدْ عاشَتْ مع يارا في هذه الظّروفِ طوالَ عمرها و لم يحدث شيء ، لماذا ستغيّرُ الآن؟ ما الغرضُ من ذلك؟
أومأتْ لإيلي بسرعةٍ و استدارَتْ بهمّةِ القفزِ إلى النّافذة ، فلمسَ ذراعها يستوقفُها ، نظرَتْ في وجهه ، هذا ليس قلقَ يارا ، هذه الجديّةُ مختلفةٌ تماماً..
_"أنا جادّ ، كلّمي أبويكِ"
_"لو كلّمتهما سيضعان شبكةً حديديّة ، لن نستطيعَ أن نسهرَ معاً"
_"هذا أفضل ، المهمُّ أن تكوني بأمان ، سنجدُ حلّاً للأمورِ الأُخرى لاحقاً"
___
و لم أكلّم أحداً ، لم أحتج ، علي لم يترك لي مجالاً لكي أكلّمَ أحداً ، تكلّمَ حضرتُه و قرّرَ و وضعَ شبكةً حديديّةً في ذاتِ الشّهر ، بل و انزعجَ من أبي لأنّه لم ينتبه إلى النّافذةِ من قبل؛
و لم أعد أسهرُ مع حُبّي الوحيدِ من بعدِ ذلك ، فالسّيّدُ عادَ إلى البلادِ و لم أعد أستطيعُ التّنفّسَ بغيرِ إذن.
صحيحٌ أنّني أنزعجُ منه و أتذمّرُ في وجهه كثيراً ، و لكن ، و تشهدُ دفاتري و يشهدُ قلبي الصّغيرُ بأنّ عليّاً في مكانِ أبي و أُمّي ، علي أهلي كلُّهم ، حبيبُ القلبِ و أغلى النّاس ، أنا فقط أُحِبّ إزعاجه عندما يتصرّفُ معي كطفلة ، و سيظلُّ يتصرّفُ معي كطفلة ، و أُحِبّ ذلك و لا أعترف؛
أنا متناقضة ، و علي متناقضٌ أكثرَ أحياناً.
على أيّةِ حال؛
كنتُ أجلسُ في قلبِ النّافذةِ كالعادة ، و الفجرُ ضيفي العزيزُ يقابلُني من خلفِ الشّبكةِ الحديديّة ، كانَ دفتري الصّغيرُ القديمُ في حجري ، الدّفترُ الذّي كتبَ لي فيه إيليا في ذلك اليوم ، هو رائعٌ في الكتابة ، و ها هو يدرسُ الآدابَ في جامعةٍ بعيدةٍ الآن كما دائماً كانَ يتمنّى ، كما قدِ انتقلَ للسّكنِ مع تيم أيضاً و تخلّصَ من ضغوطِ البيت ، لم يحدّثني عن مشكلاته أبداً ، لا تخبره يا كتابي الصّغير ، لقَدْ عرفتُ وحدي مع أنّه لا يُحِبُّ أن يبوحَ بشيء ، أنا سعيدةٌ لأجله الآن ، و منزعجةٌ منه كذلك.
لقدِ اشتقتُ إليه كثيراً.. ليته يشعرُ بي.. و لمرّةٍ واحدةٍ فقط..
"الزّنبقُ نقيّ ، أبيضُ خالدٌ و حسن ، الزّنبقُ كلُّ زهرة ، سيظلُّ عطرُه حاضراً و لو انتهتْ بقيّةُ الكائنات ، سيظلُّ بين كلماتي ، في قلبي ، في صلاتي عندما أذكرُه؛
أتعرفُ يا أيّها الزّنبق أنّكَ تخطرُ في بالي عندما أصلّي؟ أشعرُ أنّ اللّٰه ينعمُ عليّ بذكراك ، و كأنّه يجمعُنا في رحمته من جديدٍ حتّى لو افترقنا
لا أظنُّنا سنفترقُ أبداً ، فأنتَ ستراني عند الصّخورِ و تحتَ ضوءِ القمرِ و في كلّ مكانٍ لقيتني فيه ، و أنا سأشعرُ بكَ في داخلي ، سأحملُكَ في قلبي يا زنبقي
لا تنساني.."
بلّلتِ الدفترَ دمعةٌ شاردة ، قرأتُ كلماته عدّةَ مرّات ، و بكيتُ أكثرَ فأكثر..
لم أنسك.. و لن أنساكَ في حياتي يا إيلي.. حتّى لو نسيتني أنت..
دلع☆