الخمسون

الخمسون

69 0

تشرينُ الثّاني على أبوابِ الرّحيل ، و كانونُ يتجهّزُ للولادةِ في قلوبٍ أنهكها البردُ قبل زيارته ، كانَتْ ليلي تراقبُ المطرَ في قلبِ نافذةِ غرفتها ، تنقّلُ ناظريها على السّاحةِ و ما فيها من زهراتٍ متفرّقةٍ زرعها إيلي على مدى السّنواتِ السّابقة ، تنظرُ إلى الصّخرةِ فترى خياله جالساً هناك ، مبتسماً كأيّامِ الطّفولةِ المُشرقة ، ثمّ إلى العشبِ فتراه مستلقياً فوقه ، يداعبُ الفراشاتِ برمشاته السّريعة ، و يغفو عنده الوقتُ بوداعةِ طفلٍ صغير ، و أخيراً تنظرُ إلى غيومِ تشرين ، الغيومِ التّي تجتمعُ و تتكدّسُ فجأةً في السّماءِ و تقلبُ الأجواء ، هي تلقي عليها شيئاً من الذّنبِ إذ تستعيدُ ذكرياتها ، تنبشُ فيها عن مكمنِ الخطأ و لا تجده ، أين أخطأتْ ليلي؟ ما الذّي تغيّرَ حتّى أصبحَ إيليا فظّاً و شديداً فيما يخصُّ زين؟ أليس ما قلبَ أحواله كتشرين؟ بغيرِ أن يسبقَ أيّ فعلٍ بإنذار؟

_"ليلي ، تعالي حبيبتي ، الغداءُ جاهز"

حبيبتُها؟

استدارَتْ ليلي نحو البابِ المتروكِ ببطء ، ذلك صوتُ فاتن ألم يكن؟ كيف بحقِّ اللّٰه كانَتْ نبرتُه لطيفةً إذاً؟

ثمّ أقالَتْ 'حبيبتي'؟

ما كلُّ هذه العشوائيّةِ في لحظةٍ واحدة؟

خرجَتْ على عجلة ، و توجّهتْ نحو المطبخِ حيث كانَ والداها و علي أيضاً ، الجميعُ يجلسُ حولَ طاولةِ الطّعام ، يتركون لها كرسيّاً إلى جانبِ علي ، لن تستطيعَ التّهرّبَ من الطّعامِ اليوم ، هذا مستحيل.

جلسَتْ مطأطئةً رأسها ، و أخذتْ توجّهُ بضعةَ نظراتٍ تائهةٍ إلى أبيها ، الذّي كانَ يعبسُ أمامها ممازحاً ، لقَدْ أخبروه بالمشكلةِ على ما يبدو ، ضاعَ الحلُّ يا ليلي

_"أعددتُ لكِ دجاجاً مقليّاً ، أعلمُ كم تحبّينه"

_"شكراً يا فاتن.. لكنّني.."

_"لا أريدُ سماعَ حرف ، لن تنهضي قبل أن تنهي طعامكِ يا ليلي"

قاطعها علي ، بانتِ العصبيّةُ في لهجته ببساطةٍ ، على الرّغمِ من أنّه حاولَ أن يخفيها ، و على الرّغمِ من أنّ أباه نصحه بألّا يتّبعَ هذا الأسلوبَ و إلّا لن يقنعها بشيء ، و لكن هذا علي ، كيف سيغيّرُ من عاداته؟

تنهّدَتْ ليلي ، ثمّ مالَتْ قليلاً و أسندَتْ رأسها إلى ذراعه ، بما أنّها لن تصلَ إلى كتفه بسهولة

_"علي"

_"لا تحاولي!"

_"أنا أُحِبّك"

سكنَتِ الأصواتُ في المطبخِ لوهلة ، ثمّ عادَتْ ضحكةُ أبيها إلى العلن ، و ضحكةُ علي الذّي استحالَ رقيقاً فجأة ، كشمسِ تشرين ، ضمّها إليه و قبّلَ رأسها ، لن تقنعه بغضِّ النّظرِ عن أنّها لطيفةٌ جدّاً اليوم ، لن تقنعه بأن يعدلَ عن اهتمامه بها.

كانَتْ والدتُها تراقبُ كلّ شيءٍ بصمت ، لم تعبس و لم تبتسم ، و لم تظهر أيّ تعبيرٍ مهما بسط ، ليلي اعتادَتْ على ألّا تهتمّ برأيها تجاه أيّ شيء ، اعتادَتْ على تجاهلِ حضورها ، اعتادَتْ على سلبيّتها الغريبةِ و على تجاوزِ أمرها ، لم تعد تكلّمها إلّا إذا أرادَتْ تأنيبها ، و عادةً ما تأخذُ فاتن هذا الدّور ، لا يُهِمّ ، لم يعدِ الأمرُ مهمّاً.

أمُّها تمرُّ بأزمةِ.. نسيت ما قالَتْ فرح ليارا منذُ فترة ، لكنّها فهمتْ أنّها أزمة ، لن تستطيعَ فعلَ شيءٍ تجاهها ، هي آسفة ، بينها و بين نفسها ، فقط.

جلسَتْ فاتن إلى الطّاولةِ أخيراً ، و شرعتْ توزّعُ المناديلَ القماشيّةَ على الجميع ، بما أنّ أحداً غيرها لا يهتمّ بها ، و تنهّدت ، لديها ما تقول

_"بما أنّ الجميعَ هنا ، لديّ خبر"

حدّقَ الجميعُ فيها ، و لم تنظر إلى أحد ، كانَتْ تحدّقُ في صحنِها الممتلئ ، و تتنهّدُ بين كلّ فينةٍ و أُخرى كأنّ الخبرَ أثقلُ من أن يحمله لسانُها ، صحيح ، الخبرُ ثقيل ، و لربّما استقبالُ العائلةِ له أكثرُ ثقلاً بكثير

_"هنالك من تقدّمَ للزّواجِ بي"

تناقصَ الاحتدادُ في الجوّ ، بخاصّةٍ من جهةِ والدتها ، كانَتْ دائماً تقولُ لها أنّها ستموتُ وحيدةً ما لم تجد من يظلُّ معها ، و كانَتْ تردُّ ببساطةٍ بجوابٍ واحد:

"أُمّي أنتِ آخرُ من ينصحني بهذا الأمر ، فأنتِ لستِ أفضلَ حالاً من أيّ امرأةٍ عزباء"

و كانَ الأمرُ يمرُّ و يمرّ ، إلى أن وصلَتْ فاتن إلى الثّلاثينات ، و لم تعد تستطيعُ زيارةَ صديقاتها المتزوّجاتِ كما كانَتْ تفعلُ من قبل ، أصبحَتْ وحيدةً فعلاً ، تصدّقُ ما قيلَ لها ، و أصبحَتْ تنتظرُ أيّةَ فرصةٍ للتّخلّصِ من هذا الكابوس ، حتّى لو كان..

_"حقّاً؟ و من هو؟"

_"لن تحبّوه ، لكنّه يعجبني"

1

_"أجيبي فاتن"

خاطبها علي بحزمه المُعتادِ و المعروفِ عنه ، وجدَ أبوه أنّه لن يفيد ، فلمسَ ذراعه من تحتِ الطّاولةِ كي يسكته ، فاتن ليسَتْ كليلي ، لن يستطيعَ قيادتها حيث يريدُ لا بالتّخويفِ و لا بالاستمالة ، لن يستطيعَ إجبارها على فعلِ شيء ، لا يستطيعُ إلّا أن يقنعها ، هذا ما يحاولُ أبوها فعله

_"أخبرينا يا فاتن ، لن يقفَ أحدٌ في وجهِ مصلحتكِ"

_"هو جديٌّ تجاه الأمر ، و يريدُ الزّواج بي و أنا موافقة"

_"و من هو؟"

ازدردَتْ ريقها ، كانَتْ تتحفّظُ على التّوتّرِ خلفَ أقنعتها الكثيرةِ المُلوّنة ، طوال حياتها كانَتْ تخفي كلّ جزءٍ مهتزٍّ في داخلها عن كلّ العيون ، و اليومَ لم يختلف شيء ، سوى أنّ الأمرَ أكبرُ بكثير ، بكثير..

_"ريّان ، ريّان اليوسف"

1

سكنَ الهواءُ من جديد ، و لم تتخلّله لا ضحكةٌ و لا صوتُ ابتسامة ، كلُّ شيءٍ سكنَ سكونَ الصّدمةِ ، سكوناً بشعاً ، زادَ الثّقلَ على قلبِ فاتن ، كانتِ العيونُ جامدة ، و لم تجرؤ على النّظرِ فيها ، لو أنّها تحرّكت ، لو أنّهم صرخوا في وجهها ، كلُّ شيءٍ كانَ ليكونَ أفضل.. و لكن..

نهضَ علي بعد برهة ، و توجّهَ ساكتاً إلى غرفةِ الجلوس ، لم ينبس بحرف ، و لم يذق من صحنه شيئاً بعد ، ذهبَ يجلسُ أمام التّلفاز ، لا صوتَ و لا حركة.

نظرتْ إلى أبيها ، وجدتْ وجهه مسنداً إلى راحةِ كفّه ، و كوعُه إلى الطّاولة ، وجهه كانَ مظلماً كما تُرسَمُ الخيبةُ في مسلسلاتِ الكرتون ، أو في لوحاتِ المحترفين ، لم يرد قولَ شيء ، لا هو و لا علي ، كلاهما سمعها و هي تقولُ أنّها موافقة ، و علامَ؟ علامَ؟ على من كانَ يخرجُ ليتسلّى بهمِّ أختها؟ على من كادَ يدمّرُ زوجَ أختها و أختها نفسها في يومٍ من الأيّام؟ كيف ستخبرهما؟ كيف ستسطيعُ أن تنظرَ في عيونهما و هي تحملُ هذا الخبر؟

تنهّدتْ بأسىً ، و نظرَتْ إلى الباقيتين ، أمّها كانَتْ بلا أيّةِ تعابير ، كالعادة ، أمّا ليلي فكانَتْ تحدّقُ فيها ، يبدو أنّ الصّغيرةَ لم تفهم بعد

_"ريّان خالُ إيليا؟ نفسه؟"

_"من إيليا؟"

_"إيليا ، الولدُ الذّي منعتموني من اللّعبِ معه بسببِ خاله"

نظرَ الأبُ في وجهِ بنته الصُّغرى ، و أدركَ أنّ حجمَ المشكلةِ قَدْ تضاعفَ أكثرَ ممّا كانَ عليه من قبل ، هذا العروسُ الجديدُ قَدْ تسبّبَ بأذيّةِ بنتيه ، و لن يسمحَ له بالاقترابِ من الثّالثةِ مهما كلّفَ الأمر ، لكنّه سيسكتُ و سيستمعُ إلى المحادثة ، قليلاً بعد

_"نعم.. لكنّه أصبحَ.. أفضل.."

_"غيرُ صحيح! لقَد تركَ إيليا بيته بسببه! هو سيّءٌ جدّاً!"

_"نهايةُ الأمرِ فاتن ، إن وافقتِ على كلِّ هذا فأنتِ لستِ أختنا"

لم يره أحد ، سُمِعَ صوتُه من خلفِ الباب ، و أنهى بهذه الجملةِ كلّ الأحاديثِ و كلّ الاحتمالات ، علي سيقسو ، سيقسو أكثرَ بكثيرٍ ممّا فعلَ في حياته كلّها ، لكنّه لن ينهي الأمرَ هنا كما قال ، لا يمكنُه.

تركَتْ فاتن المطبخ ، و كذلك فعلَتْ ليلي ، توجّهتِ الاثنتان كلٌّ إلى غرفتها ، و علي ظلّ واقفاً في الممرّ ، مسنداً ظهره إلى الجدار ، يبحثُ عن شيءٍ يسندُه ، و لا يجد.

دخلَتْ ليلي و أقفلتِ الباب ، أرادَتْ أن تجلسَ لوحدها ، ربّما أن تبكي ، أن تفعلَ أيّ شيء ، لكنّها لم تكن تشعرُ بأيّ شيء ، و لا بأيّ شيء.

توجّهَتْ نحو النّافذةِ من جديد ، تريدُ أن تجلسَ و تلومَ تشرين على ما حدث ، لكنّ الأمورَ قَدْ تبدّلتِ الآن ، وجدتْ زنبقةً معلّقةً بقضبانِ الحديدِ الخارجيّة ، هذا إيليا ، إيليا يتقرّب..

صعدَتْ في قلبِ النّافذة ، و أخذتْ تبحثُ في السّاحةِ في الخارج بعينيها المتلهّفتين ، لقدِ اشتاقَتْ إليه ، اشتاقَتْ كثيراً ، لكنّه ليس هنا ، ليس هنا اليوم ، زهراته هنا فقط ، في أيّامِ تشرين..

_"إيلي!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة