تشرينُ الثّاني على أبوابِ الرّحيل ، و كانونُ يتجهّزُ للولادةِ في قلوبٍ أنهكها البردُ قبل زيارته ، كانَتْ ليلي تراقبُ المطرَ في قلبِ نافذةِ غرفتها ، تنقّلُ ناظريها على السّاحةِ و ما فيها من زهراتٍ متفرّقةٍ زرعها إيلي على مدى السّنواتِ السّابقة ، تنظرُ إلى الصّخرةِ فترى خياله جالساً هناك ، مبتسماً كأيّامِ الطّفولةِ المُشرقة ، ثمّ إلى العشبِ فتراه مستلقياً فوقه ، يداعبُ الفراشاتِ برمشاته السّريعة ، و يغفو عنده الوقتُ بوداعةِ طفلٍ صغير ، و أخيراً تنظرُ إلى غيومِ تشرين ، الغيومِ التّي تجتمعُ و تتكدّسُ فجأةً في السّماءِ و تقلبُ الأجواء ، هي تلقي عليها شيئاً من الذّنبِ إذ تستعيدُ ذكرياتها ، تنبشُ فيها عن مكمنِ الخطأ و لا تجده ، أين أخطأتْ ليلي؟ ما الذّي تغيّرَ حتّى أصبحَ إيليا فظّاً و شديداً فيما يخصُّ زين؟ أليس ما قلبَ أحواله كتشرين؟ بغيرِ أن يسبقَ أيّ فعلٍ بإنذار؟
_"ليلي ، تعالي حبيبتي ، الغداءُ جاهز"
حبيبتُها؟
استدارَتْ ليلي نحو البابِ المتروكِ ببطء ، ذلك صوتُ فاتن ألم يكن؟ كيف بحقِّ اللّٰه كانَتْ نبرتُه لطيفةً إذاً؟
ثمّ أقالَتْ 'حبيبتي'؟
ما كلُّ هذه العشوائيّةِ في لحظةٍ واحدة؟
خرجَتْ على عجلة ، و توجّهتْ نحو المطبخِ حيث كانَ والداها و علي أيضاً ، الجميعُ يجلسُ حولَ طاولةِ الطّعام ، يتركون لها كرسيّاً إلى جانبِ علي ، لن تستطيعَ التّهرّبَ من الطّعامِ اليوم ، هذا مستحيل.
جلسَتْ مطأطئةً رأسها ، و أخذتْ توجّهُ بضعةَ نظراتٍ تائهةٍ إلى أبيها ، الذّي كانَ يعبسُ أمامها ممازحاً ، لقَدْ أخبروه بالمشكلةِ على ما يبدو ، ضاعَ الحلُّ يا ليلي
_"أعددتُ لكِ دجاجاً مقليّاً ، أعلمُ كم تحبّينه"
_"شكراً يا فاتن.. لكنّني.."
_"لا أريدُ سماعَ حرف ، لن تنهضي قبل أن تنهي طعامكِ يا ليلي"
قاطعها علي ، بانتِ العصبيّةُ في لهجته ببساطةٍ ، على الرّغمِ من أنّه حاولَ أن يخفيها ، و على الرّغمِ من أنّ أباه نصحه بألّا يتّبعَ هذا الأسلوبَ و إلّا لن يقنعها بشيء ، و لكن هذا علي ، كيف سيغيّرُ من عاداته؟
تنهّدَتْ ليلي ، ثمّ مالَتْ قليلاً و أسندَتْ رأسها إلى ذراعه ، بما أنّها لن تصلَ إلى كتفه بسهولة
_"علي"
_"لا تحاولي!"
_"أنا أُحِبّك"
سكنَتِ الأصواتُ في المطبخِ لوهلة ، ثمّ عادَتْ ضحكةُ أبيها إلى العلن ، و ضحكةُ علي الذّي استحالَ رقيقاً فجأة ، كشمسِ تشرين ، ضمّها إليه و قبّلَ رأسها ، لن تقنعه بغضِّ النّظرِ عن أنّها لطيفةٌ جدّاً اليوم ، لن تقنعه بأن يعدلَ عن اهتمامه بها.
كانَتْ والدتُها تراقبُ كلّ شيءٍ بصمت ، لم تعبس و لم تبتسم ، و لم تظهر أيّ تعبيرٍ مهما بسط ، ليلي اعتادَتْ على ألّا تهتمّ برأيها تجاه أيّ شيء ، اعتادَتْ على تجاهلِ حضورها ، اعتادَتْ على سلبيّتها الغريبةِ و على تجاوزِ أمرها ، لم تعد تكلّمها إلّا إذا أرادَتْ تأنيبها ، و عادةً ما تأخذُ فاتن هذا الدّور ، لا يُهِمّ ، لم يعدِ الأمرُ مهمّاً.
أمُّها تمرُّ بأزمةِ.. نسيت ما قالَتْ فرح ليارا منذُ فترة ، لكنّها فهمتْ أنّها أزمة ، لن تستطيعَ فعلَ شيءٍ تجاهها ، هي آسفة ، بينها و بين نفسها ، فقط.
جلسَتْ فاتن إلى الطّاولةِ أخيراً ، و شرعتْ توزّعُ المناديلَ القماشيّةَ على الجميع ، بما أنّ أحداً غيرها لا يهتمّ بها ، و تنهّدت ، لديها ما تقول
_"بما أنّ الجميعَ هنا ، لديّ خبر"
حدّقَ الجميعُ فيها ، و لم تنظر إلى أحد ، كانَتْ تحدّقُ في صحنِها الممتلئ ، و تتنهّدُ بين كلّ فينةٍ و أُخرى كأنّ الخبرَ أثقلُ من أن يحمله لسانُها ، صحيح ، الخبرُ ثقيل ، و لربّما استقبالُ العائلةِ له أكثرُ ثقلاً بكثير
_"هنالك من تقدّمَ للزّواجِ بي"
تناقصَ الاحتدادُ في الجوّ ، بخاصّةٍ من جهةِ والدتها ، كانَتْ دائماً تقولُ لها أنّها ستموتُ وحيدةً ما لم تجد من يظلُّ معها ، و كانَتْ تردُّ ببساطةٍ بجوابٍ واحد:
"أُمّي أنتِ آخرُ من ينصحني بهذا الأمر ، فأنتِ لستِ أفضلَ حالاً من أيّ امرأةٍ عزباء"
و كانَ الأمرُ يمرُّ و يمرّ ، إلى أن وصلَتْ فاتن إلى الثّلاثينات ، و لم تعد تستطيعُ زيارةَ صديقاتها المتزوّجاتِ كما كانَتْ تفعلُ من قبل ، أصبحَتْ وحيدةً فعلاً ، تصدّقُ ما قيلَ لها ، و أصبحَتْ تنتظرُ أيّةَ فرصةٍ للتّخلّصِ من هذا الكابوس ، حتّى لو كان..
_"حقّاً؟ و من هو؟"
_"لن تحبّوه ، لكنّه يعجبني"
_"أجيبي فاتن"
خاطبها علي بحزمه المُعتادِ و المعروفِ عنه ، وجدَ أبوه أنّه لن يفيد ، فلمسَ ذراعه من تحتِ الطّاولةِ كي يسكته ، فاتن ليسَتْ كليلي ، لن يستطيعَ قيادتها حيث يريدُ لا بالتّخويفِ و لا بالاستمالة ، لن يستطيعَ إجبارها على فعلِ شيء ، لا يستطيعُ إلّا أن يقنعها ، هذا ما يحاولُ أبوها فعله
_"أخبرينا يا فاتن ، لن يقفَ أحدٌ في وجهِ مصلحتكِ"
_"هو جديٌّ تجاه الأمر ، و يريدُ الزّواج بي و أنا موافقة"
_"و من هو؟"
ازدردَتْ ريقها ، كانَتْ تتحفّظُ على التّوتّرِ خلفَ أقنعتها الكثيرةِ المُلوّنة ، طوال حياتها كانَتْ تخفي كلّ جزءٍ مهتزٍّ في داخلها عن كلّ العيون ، و اليومَ لم يختلف شيء ، سوى أنّ الأمرَ أكبرُ بكثير ، بكثير..
_"ريّان ، ريّان اليوسف"
سكنَ الهواءُ من جديد ، و لم تتخلّله لا ضحكةٌ و لا صوتُ ابتسامة ، كلُّ شيءٍ سكنَ سكونَ الصّدمةِ ، سكوناً بشعاً ، زادَ الثّقلَ على قلبِ فاتن ، كانتِ العيونُ جامدة ، و لم تجرؤ على النّظرِ فيها ، لو أنّها تحرّكت ، لو أنّهم صرخوا في وجهها ، كلُّ شيءٍ كانَ ليكونَ أفضل.. و لكن..
نهضَ علي بعد برهة ، و توجّهَ ساكتاً إلى غرفةِ الجلوس ، لم ينبس بحرف ، و لم يذق من صحنه شيئاً بعد ، ذهبَ يجلسُ أمام التّلفاز ، لا صوتَ و لا حركة.
نظرتْ إلى أبيها ، وجدتْ وجهه مسنداً إلى راحةِ كفّه ، و كوعُه إلى الطّاولة ، وجهه كانَ مظلماً كما تُرسَمُ الخيبةُ في مسلسلاتِ الكرتون ، أو في لوحاتِ المحترفين ، لم يرد قولَ شيء ، لا هو و لا علي ، كلاهما سمعها و هي تقولُ أنّها موافقة ، و علامَ؟ علامَ؟ على من كانَ يخرجُ ليتسلّى بهمِّ أختها؟ على من كادَ يدمّرُ زوجَ أختها و أختها نفسها في يومٍ من الأيّام؟ كيف ستخبرهما؟ كيف ستسطيعُ أن تنظرَ في عيونهما و هي تحملُ هذا الخبر؟
تنهّدتْ بأسىً ، و نظرَتْ إلى الباقيتين ، أمّها كانَتْ بلا أيّةِ تعابير ، كالعادة ، أمّا ليلي فكانَتْ تحدّقُ فيها ، يبدو أنّ الصّغيرةَ لم تفهم بعد
_"ريّان خالُ إيليا؟ نفسه؟"
_"من إيليا؟"
_"إيليا ، الولدُ الذّي منعتموني من اللّعبِ معه بسببِ خاله"
نظرَ الأبُ في وجهِ بنته الصُّغرى ، و أدركَ أنّ حجمَ المشكلةِ قَدْ تضاعفَ أكثرَ ممّا كانَ عليه من قبل ، هذا العروسُ الجديدُ قَدْ تسبّبَ بأذيّةِ بنتيه ، و لن يسمحَ له بالاقترابِ من الثّالثةِ مهما كلّفَ الأمر ، لكنّه سيسكتُ و سيستمعُ إلى المحادثة ، قليلاً بعد
_"نعم.. لكنّه أصبحَ.. أفضل.."
_"غيرُ صحيح! لقَد تركَ إيليا بيته بسببه! هو سيّءٌ جدّاً!"
_"نهايةُ الأمرِ فاتن ، إن وافقتِ على كلِّ هذا فأنتِ لستِ أختنا"
لم يره أحد ، سُمِعَ صوتُه من خلفِ الباب ، و أنهى بهذه الجملةِ كلّ الأحاديثِ و كلّ الاحتمالات ، علي سيقسو ، سيقسو أكثرَ بكثيرٍ ممّا فعلَ في حياته كلّها ، لكنّه لن ينهي الأمرَ هنا كما قال ، لا يمكنُه.
تركَتْ فاتن المطبخ ، و كذلك فعلَتْ ليلي ، توجّهتِ الاثنتان كلٌّ إلى غرفتها ، و علي ظلّ واقفاً في الممرّ ، مسنداً ظهره إلى الجدار ، يبحثُ عن شيءٍ يسندُه ، و لا يجد.
دخلَتْ ليلي و أقفلتِ الباب ، أرادَتْ أن تجلسَ لوحدها ، ربّما أن تبكي ، أن تفعلَ أيّ شيء ، لكنّها لم تكن تشعرُ بأيّ شيء ، و لا بأيّ شيء.
توجّهَتْ نحو النّافذةِ من جديد ، تريدُ أن تجلسَ و تلومَ تشرين على ما حدث ، لكنّ الأمورَ قَدْ تبدّلتِ الآن ، وجدتْ زنبقةً معلّقةً بقضبانِ الحديدِ الخارجيّة ، هذا إيليا ، إيليا يتقرّب..
صعدَتْ في قلبِ النّافذة ، و أخذتْ تبحثُ في السّاحةِ في الخارج بعينيها المتلهّفتين ، لقدِ اشتاقَتْ إليه ، اشتاقَتْ كثيراً ، لكنّه ليس هنا ، ليس هنا اليوم ، زهراته هنا فقط ، في أيّامِ تشرين..
_"إيلي!"
دلع☆