الثّالث عشر

الثّالث عشر

104 1

طرقَ علي بابَ غرفةِ أخواته ، حيث يُفترَضُ أنّ يارا موجودة ، هبَّ عليه هبّاً ، طرقَه خمسَ مرّاتٍ أفاقَتِ الشّابّةَ هلعاً من نومها ، قفزَتْ من سريرها و ركضَتْ نحو الباب ، لقَدْ كانَ مفتوحاً ، بيدَ أنّ عليّاً كان واقفاً في الخارج ، ليس لشيءٍ مُستجدّ ، في الواقعِ هذه عادةٌ من عاداتِ علي ، لن تتغيّرَ مهما كبرَ و بعدَ عنهم ، لا يمكنُ أن يدخلَ غرفةَ أخواته دون أن يؤذنَ له ، حتّى لو كانَتْ فارغة ، و مهما كانَ مُحتدماً.

خرجَتْ إليه بعد خمسِ دقائق ضيّعتها على الخوفِ دون غيرِه ، و دون أن تصلَ إلى توقّعٍ واحد ، وقفَتْ أمامه ، تذكّرَتْ هنالك كلَّ شيء ، تذكّرَتْ مُذْ رأت حدقتيه الثّابتتين ، و جفنيه المرتجفين و وقفته الثّابتة ، كانَ يبدو غاضباً ، بل حانقاً ، بدا عليه أنّه يخنقُ حريقاً بيديه العاريتين ، لن يلبثَ أن يأكله و يأكلَها ، و لربّما هذا خيالُ يارا المرتعبُ لا غير

_"ما.. ما بك؟"

تلعثمَتْ و تردّدتْ أكثرَ في السّؤال ، و طأطأتْ رأسها تماماً كما فعلَتْ في الحديقة ، غيرَ قادرةٍ على رفعِه خيفةَ أن ترى مخاوفها تتجسّدُ في وجهِ أخيها ، و انزعجَ هو _من جديدٍ_ إزاءَ هذا الأمر ، بل جُرِح ، و شُذِّبَ شيءٌ من انفعاله ، لا يمكنُ أن يغضبَ على يارا هكذا ، لا يمكن.

تنفّسَ بعمق ، و بسرعةٍ يواري أفكاره جميعها ، ثمَّ قرّرَ إنهاءَ الصّمتِ المرعبِ هذا ، كلُّ الأحاديثِ مهما صعبت أهونُ منه

_"ألديكِ ما تخبريني به؟"

ازدردَتْ ريقَها في السّرّ ، حاولَتْ أن تتماسك ، كثيراً ، ثمَّ هزَّتْ برأسها إذ أدركَتْ أنّها لن تفلحَ مهما طالَ الوقت ، أومأتْ له بأنّ لديها ما تقول ، لقدِ استسلمتْ يارا أمام خيالاتها و أفكارها و رجفةِ قلبها الصّغير ، استسلمتْ أمام رهابها تجاه ما يمكنُ أن يحدث ، تراخى جسدُها و تصلّبَ في ذاتِ الآن ، و بدأ الهواءُ يثقلُ في صدرها ، أين المهرب؟ لقَدْ وقعَ خوفها الأكبر ، و لا حلّ مهما حاولت أن تتلاعب ، لا حلّ.

دخلَتْ إلى الغرفةِ قبلما فعل ، راقبته و هو يسحبُ كرسيّاً من أمام المرآةِ و يجلس ، حتّى صورُ فنّانيها المُفضّلين أصبحت عائقاً ، لقَدْ نظرَ إليها بطرفِ عينه ، فيمَ تُراه يُفكّر؟ هل سيفتعلُ مشكلةً بسببها أيضاً؟

هو حتّى لم يفكّر في أمرها

_"أخبريني إذاً"

تلفّظَ بحدّة ، بعدَ بضعِ دقائق من صمتٍ مهيب ، و سكت ، كانَ ينظرُ في الأرض ، مثله مثلُ يارا ، لكنّه كانَ عاقدَ الحاجبين ، كانَ شاردَ الذّهنِ بطريقةً ما ، تائهَ الرّأي ، لم يثبت زورقُه في مرسىً ، لا يعرفُ أيستسلمُ للغضبِ أم يقمعه ، و لو اختارَ أيّاً من السّبيلين فكيفَ يسيرُ فيه؟ هو تائه ، تائهٌ تماماً.

مرّتْ دقائقُ أُخرى ، و لم تجب يارا ، ظلّتْ تنتظرُ معجزةً عُظمى تحرّرها من هذا الموقفِ دون أن يرفَّ لها جفن ، لكنّ هذا لن يحدث ، لن يحدثَ و هي تتهرّبُ و تتهرّبُ بدلاً من البحثِ عن حلّ ، لن يحدثَ و هي لا تصلحُ في أمورها شيئاً ، تتوقّعُ أسوأ الأمورِ و تضخّمُها ، ثمَّ تهربُ منها فتحقّقُها بيديها ، لا لأنّها كانَتْ على حقٍّ في تصوّراتها؛

لحظَ أخوها الأمرَ بعد برهة ، و أقرَّ بأنّها لن تتحدّثَ على الإطلاقِ مهما انتظر ، و هنا ، قرّر من جديد أن ينهي سلطةَ الصّمتِ عليهما ، لن ينفعَ الانتظار

_"من حسن؟"

أسرى لفظُ اسمِه رعشةً في جسدِها ، لقَدْ تحقّقَ خوفُها فعلاً ، هو ليس غاضباً لأجلِ ليلي و إيليا ، و إنّما لأجلِ سرّها الأكبرِ الذّي حاولت جهدها ألّا يُكشَف ، و لكن..

أغمضَتْ عينيها ، و حاولت صياغةَ إجابةٍ بسيطةٍ تنجيها من الموقفِ بأقلّ الخسائر ، هي لا تعرفُ بعدُ ما في جعبته من معلومات ، ربّما..

_"شقيق.. شقيقُ فرح الأكبر.. صديقتي.."

_"فقط؟"

_"خرجتُ معه مرّتين.. هو.. هو معجبٌ بي.. و لكن صدّقني.. ليس.. ليس هنالك شيءٌ بيننا.. أنا لم أقل له شيئاً.."

شزرها من أعلى رأسها إلى أسفلِ قدميها ، علي لم يعد قادراً على الوثوقِ بأيّ ما تقولُ بسهولةٍ بعد الآن ، لقَدْ خسرَتْ ثقته و قَدْ أعلنَ ذلك ما بينه و بين نفسه ، على الرّغمِ من أنّه ما يزالُ يراها رفيقةُ عمرِه ، و من أنّه يُحِبُّها أكثرَ ممّا تتصوّرُ بكثير ، لكلِّ مقامٍ مقال ، و لهذا المقامِ غيرِ المدروسِ الآن ، مقالٌ فظيع

_"صحيح ، لهذا ترتجفين"

_"ألا تصدّقُني؟"

نظرَتْ في وجهه أخيراً ، نظرةً أخيرةً مترجّية ، ما كانَ منه إلّا أن زجرها ، إذ رفعَ حاجبيه نافياً ، بكلِّ بساطة ، حطّمَ كلَّ أملٍ متبقٍّ لدى يارا المضطربة ، حطّمَ كلَّ خيالٍ لطيفٍ عنه يمكنُ أن يهوّنَ من خوفها ، و تركَ لها فكرةَ الوحشِ قائمة ، هو ليس وحشاً ، لا يمكنُ أن يكونَ حتّى لو تصرّفَ على هذا الأساس

_"خرجتِ معه ، و أخبرتِ ليلي أنّه حبيبُكِ ، و سمحتِ لها باللّعبِ مع الصّبية ، و تعرفين فتىً مقرّباً إليها إلى حدِّ عادَتْ معه من المدرسة ، و كلّ هذا و أنا خارجَ الموضوع ، ليس هذا فقط ، بل و توصين البنتَ بألّا تخبرني و تعلّمينها الكذب ، كيف تريدين أن أصدّقكِ الآن؟"

لم تصدّق متى أنهى حديثَه المُتباردَ اللّائم ، هي تعرفُ أنَّه على حقّ ، و تعرفُ أنَّه ما من حجّةٍ في العالمِ قادرةٌ على تخليصِها من هذا المأزق ، هي مذنبة ، و لكنّها.. لا شيء ، لا شيءَ فعلاً.

طأطأتْ رأسها ، و هو في تلك اللّحظة ، كانَ يراقبُ كيف تقفُ باستعداد ، كما سيقفُ قريباً في الخدمةِ العسكريّةِ ما لم يدفع شيئاً ، أضحكه الأمرُ في داخله ، و تكتّمَ عليه بحذر.

نهضَ بعد برهة ، ليست بالوجيزة ، و بعد أن تحمحم ، توجّهَ إليها و كلُّه رغبةٌ في إنهاءِ الأمرِ ، أو تأجيله إلى حينٍ آخر ، وضعَ يدَه على كتفها ، و ربّتَ عليه قليلاً علّها تهدأ ، و لم تفعل

_"كنتُ خائفةً من ردّ فعلك.."

_"أنا لستُ أباكِ يارا ، أنا علي أخوكِ ذاتُه ، لا شيء تغيّرَ سوى أنّه كبر ، و أصبحَ رجلاً يُعتمَدُ عليه"

اقتربَتْ منه بحذر ، و ارتمَتْ عليه كي تعانقَه ، و حسنٌ ، ليس لديه مشكلةٌ في استقبالِ أخته الصّغيرةِ بين ذراعيه حتّى و هو منزعجٌ منها ، هو في الواقعِ منزعجٌ أكثرَ الانزعاجِ من ذلك الآخر ، ما كانَ اسمُه؟ حسن ، نعم حسن ، شقيقُ صديقةِ عمرها فرح

_"كلّ ما أريده أن تكوني بخير"

_"لا تخف.."

_"أبلغي الشّابَّ و أخته ، سندعوهما يومَ الخميسِ للعشاء"

أعلنَ أمامها ، و بسرعةِ المفاجأةِ غادرَ الغرفة ، تركَها واقفةً في مكانها لا تدركُ ما يحدثُ بعد ، أكانَ الحدثُ الذّي اعتقدَتْ بأنّه طبولُ حربٍ معلنةٍ ما بينها و بين أخيها ، فرصةً لبناءِ حياةٍ حلوةٍ فعلاً؟

دفنَ هو أفكارَه بعيداً ، و توجّهَ خفيفَ الظّلِّ نحو الممرِّ حيث تركَ أخته الصّغرى من قبل ، كانَ يهدفُ للاعتذارِ من ليلي ، و تخفيفِ عقوبتها قليلاً لئلّا تظلّ حاقدةً عليه ، و لكن ، و مع الأسف ، وجدَ بابَ البيتِ مفتوحاً ، و لا أحدَ في الجوار..

_"ليلي!"

نادى عليها في داخلِ البيت ، و مرّ ركضاً على الغرفِ لكي يبحثَ عنها ، ليسَتْ في غرفته ، و لا في أيّةِ غرفةٍ أُخرى ، طرقَ بابَ الحمّامِ و لا أحدَ هنالك أيضاً ، لم تجبه أبداً ، تماماً كما خُيّلَ إليه يومَ رأى البابَ على هذه الشّاكلة.

أسرعَ الحذوَ نحو البابِ من جديد ، انتعلَ حذاءه على وجهِ السّرعة ، و توقّفَ أمام الباب ، كانَ على وشكِ أن يندفعَ نحو الخارجِ ركضاً ، على وشكِ أن يجبرها على العودةِ من حيث كانَتْ ، و أن يشدّدَ عليها العقوباتِ من فورِ ما يراها ، حتّى لو لم يكن يعي بما يفعل ، لكنّه توقّفَ إذ رآها تدخلُ برفقةِ فاتن ، توقّفَ كلُّ شيءٍ في رأسِه عن العمل ، كلُّ شيء

_"أين كنتِ؟"

سألَ ليلي ، بصوتٍ هادئٍ خبّأ _كعادته_ كلَّ مشاعرِه بوساطته ، نظرَت البنتُ نحو أختها الكبرى ، بوجهٍ مشدودٍ على آخره ، هي خائفةٌ منه أيضاً ، و فاتن لطيفةٌ في العادة ، أليسَتْ كذلك؟ نعم ، ليست.

فكّرَتْ فاتن قليلاً ، في شكله و فيما فعلَ قبل أن تهربَ الطّفلة ، و فيما قَدْ يفعل ، و في نظرةِ الاستغاثةِ المثيرةِ للشّفقة ، و في أهمِّ شيء ، في أسلوبِه المستخفِّ في معاملتهنّ؛ لو أخبرته الآن و تركته يفعلُ ما شاء ، سيزدادُ غطرسةً ، و هي لن تسمحَ له ، هذا أهمُّ من أمرِ ليلي لديها ، الأخيرةُ على كافّةِ الأحوالِ مخطئةٌ و يجبُ أن تُعاقَب

_"أخذتُها لأشتري شيئاً ، ما بالك أنت؟"

ركضَتْ ليلي بسرعةٍ نحو غرفتها ، لئلّا يسألها ما إن كانَ الكلامُ هذا حقّاً ، فهي لن تستطيعَ الكذبَ أمامه ، و ظلَّ هو و فاتن في الممرّ ، الشّابّةُ تنتظر ، و هو يشتعلُ غيظاً

_"من سمحَ لكِ؟"

_"عفواً؟"

_"من سمحَ لكِ بأخذها؟ لقَدْ عاقبتُها و سمعتِ بالأمر"

_"هل جُنِنتَ أنت!؟ أنا أختُكَ الكُبرى! هل أنتظرُ إذنكَ لأتحرّك!؟"

صرخَتْ في وجهه ، لقَدْ ضاقَتْ ذرعاً بتصرّفاته و غطرسته و ما عادَ في إمكانها أن تحتملَ أكثر ، ضاقَ صدرُها و خرجَ صوتها بصعوبة ، ثمَّ تقدّمَتْ منه غيرَ خائفة ، و هي ترى ببساطة ، أنّ كلّ ما فعلته لم يحرّك فيه شعرةً واحدة..

_"تصرّفي كأختٍ كُبرى إذاً"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة