عصرٌ مُملٌّ ليومِ عطلةٍ أكثرَ مللاً ، أنهَتْ ليلي واجباتِها باكراً ، تابعت دورايمون و برنامجَ إيلي المفضّل ، تناولتْ قليلاً من كعكٍ خبزته والدتُها في يومٍ سابق ، و لم ينتهِ يومُ الجمعةِ بعد ، ليلي لا تُحِبُّ العطلاتِ عندما تظلُّ فاتن في البيت ، فهي تستيقظُ مباشرةً على أعمالِ البيت ، و على أسطواناتِ الأوامر؛
ليلي لا تجلسي هنا ، ليلي قومي من عندكِ ، أعطيني الممسحة ، لملمي أغراضكِ ، فضلاً عن أوامرِها ليارا في المطبخ ، و كلّما فعلَتِ البنتان شيئاً توبّخهما ، لا شيءَ يعجبُها ، و كأنّها ملكةٌ مُجبرةٌ على العيشِ في بيتهم ، الأمرُ مضجر.
يارا في الغرفةِ الآن ، تتجهّزُ للخروجِ مع حسن بعدَ قليل ، و ليلي تقفُ عند البابِ و تفكّر ، هل تدخلُ و تتفرّجُ عليها؟ أم تخرجُ و ترى إن كانَ إيلي في السّاحة؟
تُحِبُّ الخيارين ، تُحِبُّ عندما تشاهدُ يارا تختارُ الملابسَ بعناية ، تصفّفُ شعرها ، و تضعُ مستحضراتِ التّجميلِ و كأنّها ترسمُ لوحةً ما ، فهي موهوبةٌ في الرّسمِ و الفنون ، جدّاً ، لكنّها تدرسُ القانون ، الأمرُ مربكٌ بالنّسبةِ إلى ليلي إذا ما فكّرَتْ فيه ، و لا تفعل ، لا فائدةَ من ذلك على أيّةِ حال ، فلا أحدَ يعرفُ ما سيحدثُ فيما بعد ، و لا يمكنُ تغييرُ كثيرٍ من الأمور ، قالَ إيليا هذا الكلامَ ذاتَ مرّة.
سمعَتْ صوتَ الجرس ، فتركَتْ عنها الحيرة ، كانَتْ ستركضُ من فورها لولا أن نادتها أختها من الغرفة ، لا بدّ أنَّه حسن ، قالَتْ في نفسها
_"ليلي! افتحي البابَ و اطلبي من حسن أن ينتظرني!"
_"حسناً!"
_"اطلبي منه أن يتفضّلَ إلى الصّالة! بتهذيبٍ ليلي!"
_"حسناً!"
تأفّفَتِ الطّفلةُ متضايقة ، رفعَتْ صوتها بحيثُ تسمعُ أختها المتأمّرة ، ثمَّ استعادَتْ نشاطها و ركضَتْ ناحيةَ الباب؛
يارا تظلُّ تطالبُها طوالَ الوقتِ بالتّهذيبِ أمام حسن ، و عندما يكونُ حاضراً ، تحسبُ عليها الحرفَ لتشارعها فيه بعدما يرحل ، و كلّما تكلّمتْ تحاولُ إسكاتها ، و كأنّها غبيّةٌ تتكلّمُ أمام أمير ، حسناً ، ليلي لم تكن لتنزعجَ من هذا الأمرِ حقّاً لولا أن تكلّمَتْ فيه فاتن ، لم تكن لتنتبهَ إليه حتّى لولاها ، ستخبرُ عليّاً على أيّةِ حال ، ما تزالُ تصبرُ حتّى محينِ إجازته.
و على الرّغمِ من كلِّ ذلك ، لقَدْ وتّرها كلامُها ، كيف ستتصرّفُ أمامه الآن؟
ماذا قالَ إيلي؟ نعم ، كما هي ، ستتصرّفُ كما هي ، ستقفزُ و تعانقُه ، حسن يُحِبُّ ذلك.
فتحتِ البابَ أخيراً ، و هوَتْ كلُّ التّوقّعاتِ أرضاً ، لم يكن المتوقّع ، كانَ شابّاً نحيلاً شعرُه طويل ، يرتدي ملابسَ فضفاضةً و يضعُ نظّاراتٍ مضحكة ، كواقياتِ العيونِ في المختبرات ، لكنّها ورديّة ، شكلُه مضحك ، لا لا ، بل مخيف
_"مرحباً يا حلوة ، ألستِ ليلي؟"
_"بلى ، من أنت؟"
كانَ تحدّثُه مستغربة ، تخفضُ رأسها و ترفعُ عينيها إليه ، و على أهبةِ الاستعدادِ كي تهربَ في أقربِ وقتٍ نحو الدّاخل ، يبدو هذا الشّخصُ مخيفاً جدّاً ، و لو عرفَ واحدٌ من أبيها أو أخيها ما تفعلُ ستُوبَّخُ توبيخاً شديداً ، ليلي لا تتحدّثُ مع الغرباء ، بخاصّةٍ المخيفين
_"أنا ريّان صديقُ يارا ، هل ستنادينها لأجلي؟"
فكّرَتْ قليلاً ، لجزءٍ من الثّانية ، ثمَّ هزَّتْ برأسِها موافقة ، هو يعرفُ اسمَها و يعرفُ يارا ، هو صديقٌ فعلاً إذاً.
هل سيمانعُ حسن عندما يأتي؟ لو كانَ عليّاً كانَ سيفعل ، فيارا بنتٌ أيضاً ، و يجبُ أن تلعبَ مع البناتِ فقط.
ركضَتْ نحو الغرفة ، طرقتِ البابَ على عجلةٍ جعلَتْ جسدَ يارا ينتفض ، قلبُها منذُ الصّباحِ ينتفضُ و يعتصر ، إلى درجةِ لم تنتبه إلى أوامرِ فاتن المقيتة ، حدسُها يلحُّ بسوداويّة ، هنالك شيءٌ سيّءٌ على وشكِ الحدوث ، و مع الأسف ، هي تثقُ بهذه الأحاسيسِ جدّاً.
كانَتْ قَدْ اختارتِ الملابسَ أخيراً و بدأَتْ تسريحَ شعرِها ، حسن يمكنُ أن ينتظر ساعةً لو أنَّه وصل ، محظوظ ، جدّاً
_"يارا!"
_"ما الأمر؟"
_"صديقُكِ ريّان بالباب"
انقطعَ النّفسُ عن صدرِها ، و تثاقلَتْ حنجرتُها حتّى كادَتْ تختنق ، لا تستطيعُ الكلامَ و لا الحركة ، شُلَّتْ من أعلى رأسها حتّى أخمصِ قدميها ، و كادَتْ تهوي أرضاً لولا أن تماسكَتْ ، بأعجوبة
ريّان..
ذاته اللّعينُ اللّعوب ، الذّي كانَتْ تخرجُ معه منذُ ثلاثةِ أعوامٍ فقط لئلّا يفضحَ أسرارها في المدرسة ، و لكي تتّقي شرَّ أفعالِه الرّعناء اللّئيمة ، أصبحَ يعرفُ البيتَ الآن.. و سوف يراه حسن أيضاً بعد عامٍ من قصّةِ الرّسالةِ المُزيّفة..
تحاملَتْ على نفسها ، و ركضَتْ نحو بابِ الغرفةِ بأقصى سرعةٍ تحاولُ التّمسّكَ بآخرِ قشّةٍ قبل أن تغرقَ و تغرقَ عائلتها الحاليّةَ و المستقبليّة ، كلُّ شيءٍ سيغرق.. ريّان هنا..
_"ليلي.. ليلي اسمعيني.. أخبريه أنّني لستُ هنا.. أرجوكِ.. اخترعي أيّ شيء.. بسرعة.."
_"لماذا؟"
_"لو جاءَ حسن و رآه سوف.."
فكّرَتْ قليلاً ، ليلي تحسبُه بطلاً قويّاً ، لن تستطيعَ أن تقنعها بخوفها عليه من هذا الأهوج ، و لن تستطيعَ أن تخبرَها من الأخير ، و ماذا فعلَ بها و بالكثيرِ ممّن رغبَ فقط في إزعاجهم ، لن تستطيعَ أن تخبرَها أنّها فضّلتِ الخروجَ معه على أن تخبرَ أباها أو أخاها بالأمر ، هي عاجزة عن ذلك ، في يدِها حلٌّ واحد..
_"سوف يحزن.. سوف يحزنُ كثيراً.."
_"حسن؟"
_"نعم.. افعلي ما قلتُ لكِ.. أرجوكِ ليلي.. قبلَ أن يأتي.."
هرعَتْ ليلي نحو الباب ، و مخيّلتها تلحُّ في رسمِ صورةِ إيليا عندما كانَ يبكي قي وقتٍ سابق ، هي لا تُحِبُّ عندما يبكي أبطالُها ، يشعرُها الأمرُ و كأنّ العالمَ على حافّةِ الانهيار ، سينهارُ ما لم تسرع.
و عندما وصلَتْ ، لم تجد أحداً بالباب ، كانَ البابُ مفتوحاً على آخره و لا أحدَ هنالك ، الصّمتُ يخيّمُ على كلِّ شيء ، حتّى فاتن لا يُسمَعُ لها حِسّ ، أين ذهبَ ذلك الشّرّير؟
مدّتْ رأسها من الباب ، و إذ بها تلمحُ أحداً قادماً من عندِ بوّابةِ البناء ، توضّحَ أنّه حسن ، وقفَتْ أمامه و تمعّنتْ في وجهه ، لم يكن حزيناً ، على العكسِ تماماً ، لقَدِ استبشرَ وجهه بمرآها
_"ماذا تفعلُ الصّغيرةُ هنا؟"
سألها بنغمةٍ مستلطفة ، حسبَ أنّها ذاتُ قدرةٍ على تحريكِ الرّكودِ في وجهها الصّغير ، غيرَ أنّ ذلك لم يحدث ، كانَتْ تتمعّنُ فيه بطريقةٍ عجيبة ، و فمُها الصّغيرُ يرتجف ، لا تبدو بخير.
جلسَ القرفصاءَ أمامها ، على عجلة ، و مسحَ على خدِّها لكي تقرَّ له بما يدورُ في بالها ، أحسَّ بأنّ أختيها تزعجانها ، أو أحداً آخرَ في المدرسة ، و لأنّه يعرفُ جيّداً معنى أن يكونَ الطّفلُ وحيداً أمام هذا النّوعِ من المواقف ، اشتعلَتْ جذوةُ القلقِ في قلبِه الهيّن ، يخشى عليها
_"ما الأمرُ ليلي؟ سأساعدُكِ"
_"هل رأيته؟"
_"من هذا؟"
_"هل رأيتَ أحداً جعلكَ تحزن؟"
هزَّ برأسِه نافياً ، بغيرِ أن يثقلَ هذا الرّأسَ بأيّةِ أفكار ، ليلي طفلةٌ صغيرة ، أفكارُها مختلفةٌ عن أفكاره و عن أفكارِ الأطفالِ الذّين يعرفُهم ، يمكنُ ببساطةٍ أن يخطرَ لها شيءٌ ما ، دون سبب ، و أن تبكي على إثرِه أيضاً ، لقَدْ أخبرته في ليلةٍ من ليلاتِ الصّيفِ أنّها تخشى أن يقعَ القمرُ على رأسها ، كانَ يأخذُها و يارا و فرح في مشوارٍ صغيرٍ مسائيّ ، و صدفَ أن كانَ القمرُ قريباً من الأرض ، بدا للطّفلةِ كبيراً جدّاً ، فركضَتْ إلى حسن تحتمي به ، و أمسكَتْ يده ، كانَتْ يدُها الصّغيرةُ ترتجفُ في قلبِ كفّه ، لا يزالُ يذكرُ هذا جيّداً
_"هل هذا ما يزعجُكِ؟ فقط؟"
نظرَتْ إليه بعينين تائهتين ، تفكّرُ في طريقةٍ للكذبِ دون أن تُكشَف ، لن تستطيع ، علي يقولُ أنّ الكاذبين سيّئون دائماً ، و سوف يكشفون مهما فعلوا ، حسناً ، علي لم يكتشف بعدُ أنّها ما تزالُ تلعبُ مع إيليا ، و مع زين في المدرسةِ أيضاً ، ستصبحُ سيّئةً جدّاً إن كذبت أكثر ، أليس كذلك؟
_"لن تخبرَ يارا؟"
_"اطمئنّي ، لن أخبرَ أحداً"
مسحَ على شعرِها مطمئناً ، كانَ يقولُ لنفسه منذُ البدايةِ أنّ يارا السّبب ، فهي دائماً ما تزجرُ ليلي أمامه ، كانَ يفكّرُ في مناقشتها في الأمرِ طوالَ الوقت ، لكنّه كانَ يستحي ، كيف يمكنُ أن يوصي أختاً بأختها؟ الأمرُ غريبٌ إلى حدٍّ ما
_"حسن؟ أنتَ هنا؟ ما الذّي تفعلُه عندك؟ ادخل"
سمعَ صوتَ فاتن ، فوقفَ مباشرةً ، أجّلَ الحديثَ مع ليلي إلى وقتٍ لاحق ، و باتَ يدعوها لكي تدخلَ معه أوّلاً ، و كانَتْ ستفعل لولا أن أدركت شيئاً ، ترغبُ في رؤيةِ إيلي ، بشدّة
_"سأذهبُ للّعب.. وداعاً حسن"
ركضَتْ من بينِ يديه قبلَ أن يعلّق ، لم تنتعل حذاءً حتّى ، يشعرُ حسن بالغرابة ، يشعرُ بأمنيةٍ ما تضيءُ في لُبِّه ، ليتها كانَتْ شقيقته هو ، لا لا ، الأمنيةُ تحتوي شقّاً آخر ، ربّما ليس في انتظارِ شقيقة ، لقَدْ أصبحَ يُحِبُّ الأطفالَ جدّاً.. ربّما.. يرغبُ في أن يصبحَ..
يشعرُ بالإحراج ، لن يعترف
دلع☆