"لم يكن الجدُّ راضياً تماماً عن رحلةِ حفيدِه الأخيرةِ بين الجبال ، فهو لم يجد إلّا صخرةً واحدةً من صخورِ الحروفِ و الهويّات ، و كادَ لأجلها يهدرُ حياته ، لكنّ الفتى كانَ واثقاً من أنّ جهودَه لا تروحُ سدىً ، و قَدْ أقنعَ الجميعَ بذلك ، و هكذا؛ توجَّهَ الفتى ذو السّيفِ إلى الغابةِ في هذه المرّة ، و كلُّه أملٌ أنَّه سوف ينقذُ أهلَ قريتِه و سوف يجدُ من يحاولُ سرقتهم ، و سوف يعيدُ القريةَ إلى ما كانَتْ عليه من قبل"
أنهتِ المعلّمةُ نداء حصّةَ الأطفالِ من القصّةِ في هذا الأسبوع ، و وعدتهم بأنّها و بطلهم ذو السّيف سيعاودون في كلّ جمعةٍ قصّ الحكاية ، و سوف يرافقونه في مغامراتٍ و رحلاتٍ خياليّةٍ هدفُها إنقاذُ القريةِ من الضّياع ، نعم ، الفتى ذو السّيفِ بطلُهم الآن!
لقَدْ تبقّى القليلُ من الوقتِ على الانصراف ، و قَدْ بدأ الطّلّابُ يتجهّزون للمغادرة ؛ ساعدَتْ ليلي زينة في توضيبِ أقلامها ، لأنّ أقلامها كثيرةٌ و قَدْ نثرتها فوق الأرضِ عن طريقِ الخطأ ، و وضّبت أغراضها أيضاً ، ثمّ جلسَتْ حائرة ، كانَ كيسٌ من أكياسِ الحبوبِ الملوّنةِ موضوعاً أمامها على الطّاولة ، ما تبقّى غيره من بعد ما تناولَتْ هي و زينة كلٌّ حصّتها ، و أصبحَ يجبُ أن تختارَ صاحبَه قبلَ أن ينتهي الدّوامُ المدرسيّ ، هي في الواقعِ قَدْ فعلَتْ منذُ زمنٍ و اختارَتِ الفتى الغريب ، زين ، لكنّها لا تعرفُ بعدُ كيف تذهبُ إليه ، لقَدْ سبقَ له أن رفضَ جلوسَ طالبين بجانبه ، فكيف ستحدّثُه هي؟
رغبَتْ في سؤالِ زينة عن الأمر ، لكنّ البنتَ كانَتْ متعبةً قليلاً اليوم ، فغطَّتْ في النّومِ مُذْ أنهتِ التّوضيب ، و تركَتْ ليلي على حيرتِها؛
انظري إليه ، لا يبدو بهذه الخطورة ، لقَدْ أوقعَ دفترَه مرّتين و هو يوضّبُ البقيّةَ فحسب ، و كانَ ينزلُ إليه بسرعةٍ و يلتقطُه دون أن يحدثَ جلبة ، سيسخرون منه لو انتبهوا ، ليلي تعرفُ ذلك ، فهي واقعةٌ في ذاتِ الحفرةِ تقريباً.
نهضَتْ متثاقلةً بعد برهة ، و توجّهت بهدوءٍ شديدٍ إلى وسطِ الصّفّ ، راقبتِ الفتى من عندها ، كانَ قَدْ أنهى أعماله المستعجلة ، و جلسَ يتأمّلُ جدرانَ الصّفِّ بوجهٍ متضجّر ، فيمَ تُراه يُفكّر؟
يبدو لطيفاً ، صحيحٌ أنّ مظهره غريبٌ عن طلبةِ الصّفِّ إلى حدٍّ ما ، أشقرُ و عيناه تلمعان ، و شعره أشعثٌ كالمعكرونة ، و لا يبتسمُ أبداً ، لكنَّه على حقّ و هو مسكينٌ أيضاً ، هو مثلُها ، لذلك يجبُ ألّا تخافَ منه و لا تستغربه كما يفعلون ، أليس كذلك ليلي؟
تقدّمتْ من مقعدِه متردّدة ، توجّهَ إليها بالنّظرِ بغتةً فورما اقتربَتْ ، فتجمّدَتْ في مكانها ، الأمرُ مُفزِعٌ بالنّسبةِ إليها الآن؛
هل سيطردُها؟ ماذا ستفعل؟
_"مر.. مرحباً.."
تلفّظَتْ بأعجوبة ، ثمّ طأطأَتْ رأسها كالعادةِ لئلّا تتأذّى كثيراً إذا ما وبّخَها كما تفعلُ فاتن؛
هذا الفتى يشبهُ شقيقتها الكُبرى بطريقةٍ ما ، لديه خالٌ على ذقنه مثلها ، لذلك ربّما خافَتْ منه.
_"مرحباً"
ردَّ عليها بنبرةٍ جامدة ، لنقل أنّها شعرت بالإنجازِ على إثرها ، فهو لم يطردها و لم يوبّخها ، يا سلام!
نظرَتْ في وجهه من ثمّ ، و مدّتْ يدَها تناولُه الكيس ، و كلُّها أملٌ أنَّه لن يقومَ بشيءٍ جارح؛
لا ترفضه لا ترفضه لا ترفضه!
_"هذا لك"
حدّقَ فيه قليلاً ، ثمَّ تناولَه من يدِها بهدوءٍ شديد ، و في لحظةٍ مباغتة ، نظرَتْ إلى وجهه و وجدتِ ابتسامةً رقيقة!
قبلَه برحبٍ لم تتوقّعه في حياتها!
_"شكراً ليلي"
لمَّتْ شفتيها كما تفعلُ في العادة ، و كادَتْ تبكي أيضاً ، كانَتْ متأثّرةً جدّاً بكلّ ما أقدمَ عليه من أفعال ، من القبولِ إلى الابتسامةِ و الآن الشُّكر ، و فوق كلِّ هذا يعرفُ اسمها ، زين أروعُ فتىً على الإطلاق! ليس غريباً!
لوّحَتْ له و وجهها ما يزالُ على حالِه الدّراميّة ، و استدارَتْ كي تعودَ إلى مكانها ، سيرنُّ الجرسُ في أيّةِ لحظة ، و سوف ينصرفُ الطّلّابُ و سوف تنسى أغراضَها و الجميعُ يخرجون ، تحذّرُها فاتن من هذا الأمرِ دائماً ، مُذْ أنّه قَدْ حدثَ في المرّةِ الماضية ، و عادَتْ و يارا إلى المدرسةِ حتّى استطاعَتْ إحضارَها ، ليلي كثيرةُ النّسيان ، حتّى زهرةُ علي لم تحضرها من عندِ الجار ، و لن تحضرها.
لحقَ بها زين بعدَ وقت ، و نقرَ على كتفِها كي تلتفتَ إليه ، و فعلَتْ؛
يبدو زين صغيرَ الحجمِ كمثلها و هو واقف ، أصغرُ من إيلي
_"ليلي ، أصدقاء؟"
_"أصدقاء!"
صاحَتْ بحماسةٍ جعلته يتبسّم ، ثمَّ فرّقهما صوتُ الجرس ، كانَ من لوّحَ و غادرَ في هذه المرّة ، لقَدْ حانَ وقتُ الانصراف ، و حانَ الوقتُ لكي تعودَ ليلي إلى البيتِ حيث علي ، و عليها أن تقنعَه لكي تخرجَ و تلعبَ مع إيلي من جديدٍ في العطلة ، كم هو غبيض! لماذا لا يسمحُ لها!؟
حملَتْ حقيبتها و أغراضَها ، و اصطفّتْ يدُها بيدِ صديقتِها زينة في دورِ الانصراف ، كما تطلبُ المُعلّمةُ منهم دائماً ، لقَدْ غيّروا المشرفةَ عليهم أيضاً ، لا تعرفُ ليلي لماذا ، غيرَ أنّها سعيدةٌ بالمُشرِفةِ الجديدة ، فهي شابّةٌ لطيفةٌ و ذاتُ وجهٍ بشوش ، و الأهمُّ من كلِّ ذلك أنّها لا تحملُ عصا ، و لا تصرخُ طوال الوقت؛
كم هي محظوظة!
خرجَتْ مع الطُّلّابِ إلى السّاحةِ أمام المدرسة ، كالعادة ، ودّعَتْ زينة و ظلَّتْ مع المشرفةِ ريثما تأتي يارا لاصطحابِها ، و كالعادة ، يارا تتأخّرُ حتّى انصرافِ حافلةِ الصّفِّ التّحضيريّ ، و على ليلي تضييعُ جزءٍ من يومها في الانتظارِ بدلاً من اللّعبِ في غرفتِها ، هي مستاءةٌ منها الآن.
لحظات ، و رأتْ جسداً يظهرُ في البوّابة ، جسدَ شابٍّ طويلٍ يرتدي نظّارات ، و يبحثُ فيما حوله ، و الأهمّ من كلّ هذا ، هو غبيضٌ جدّاً كما تصفُه ، هذا علي.
كانَ حضورُه غريباً جدّاً بالنّسبةِ إلى البنتِ الصّغيرة ، لم تتوقّع أن يأتي في موعدٍ قريب ، لوحده أيضاً ، بخاصّةٍ و أنّه يجافيها منذُ يومِ المشكلة ، ماذا يريد؟
تراجعَتْ إلى خلف مُذ رآها ، فنزعَ نظّاراتِه بهدوءٍ و توجّهَ نحوها ، ارتابَتِ المشرفةُ قليلاً على إثرِ موقفِ الطّفلة ، لكنّها حافظَتْ على وجهها الرّائق ، و ظلّتْ تراقبُه ، بحرص
_"مرحباً ، أنا شقيقُ ليلي"
_"أهلاً و سهلاً"
أجابته و هي تطّلعُ على البنتِ الممتعضة ، ثمّ ابتسمَتْ بصدق ، شكلُ ليلي يوحي بأنّها تعرفُه و تصدّقه ، و بأنّها منزعجةٌ منه لا أكثر ، تجمعُ ساعديها أمام صدرها و تعبسُ بظرافة ، و تتحاشى النّظرَ في وجهه ، لو أنّ الظّروفَ قَدْ سمحت للمشرفةِ بتصويرِها لفعلت ، تبدو ظريفةً جدّاً.
عادَتْ بالنّظرِ إلى علي ، و قرّرت أن ترمي بسؤالٍ لكي تتأكّدَ من هويّته ، تأكيداً قاطعاً ، لا تريدُ أن تتسبّبَ في المشاكلِ في أسبوعها الأوّل
_"أين أختها إذاً؟"
_"يارا لديها دوامٌ جامعيٌّ اليوم"
أومأتْ له متفهّمة ، ثمّ أشارَتْ للبنتِ كي تقتربَ منه ؛ لقَدْ تأكّدَتْ من هويّتِه من بعدِ ما صرّحَ باسمِ يارا ، لم تكن لتشكَّ فيه بصراحة ، فشكلُه لا يوحي بأنّه مجرمٌ أو صاحبُ مشاكل ، على العكسِ من ريّان مالكِ المدرسةِ الذّي يتردّدُ إليها بين الفينةِ و الأُخرى ، و يزعجُها مُذِ التقى بها ها هنا ، ما لا تعرفُه أنّها يافعةٌ و جميلة ، و لا مهربَ لها من ثقلِ دمه نتاجاً لذلك
_"هيّا ليلي"
نادى علي عليها ، فتحرّكَتْ في اتّجاهه بغيرِ رغبة ، و حرّرتِ المُشرِفةَ من مسؤوليّةِ مراقبتها الثّقيلةِ جدّاً ، لقَدْ انتهَتْ مهمّاتُها لليومِ و صارَ يمكنُها العودةُ مطمئنّة ، و بالفعل ، بادلَتْ عليّاً الابتسامةً و عادَتْ في اتّجاه مبنى المدرسة ، يجبُ أن توقّعَ قبل انصرافها إلى البيت ، هذا قانونٌ جديد.
دنا الشّابُّ من شقيقتِه و رفعها عن الأرضِ رغماً عنها ، ثمَّ اعتدلَ و أسندَها إلى صدره ، لم يستطع مقاومةَ قربِ خدّها منه دون أن يقبّله ، لقدِ اشتاقَ إلى طفلته كثيراً
_"ما تزالُ طفلتي غاضبةً منّي؟"
زمّتْ شفتها بقصدِ بيانِ الانزعاج ، و لم تنظر في وجهه المستلطفِ على الإطلاق ، كادَتْ تضحكُ بغيرِ قصدها أيضاً ، لا ليلي ، يجبُ أن يعرفَ أنّكِ متضايقة!
_"أنتَ لا تُحِبُّني"
_"مجنونةٌ أنتِ؟ من سأُحِبُّ إن لم أُحِبَّ طفلتي؟"
رفعها قليلاً ليرى وجهها أكثر ، و ردَّ بعضاً من شعرها المتناثرِ عنه ، لقَدْ كانَت مستاءةً منه فعلاً ، فقدِ استطاعَتْ قمعَ ابتسامتها طوال هذا الوقت ، و صمدَتْ أمامه دون أن تضحكَ أو ترضى ، منذُ متى؟
قبّلَ خدّها من جديد ، و حاولَ أن يسترضيها و ينظرَ في عينيها ، و لم تقبل بعد ، كم هي عنيدة!
_"ماذا الآن؟ ألا تصدّقينني؟"
_"لماذا عاقبتني إذا كنت.. إذا كنتَ تُحِبُّني؟"
_"كنتِ تستحقّين العقابَ لكنّني بالغت ، أخطأتُ و أعترف"
_"كيف تخطئ؟ أنت كبير"
_"الكبارُ يخطئون ، لكنّهم يعترفون و يصلحون ، ليس مثلكِ ، تخطئين و لا تعتذرين حتّى"
نظرَتْ في وجهه نظرةً لائمة ، و حاولَتْ أن تفلتَ من بين يديه بحركاتٍ مشاغبة ، مع علمها بأنّها ستقعُ من ارتفاعٍ شاهقٍ لو تركَها فعلاً ، و لو انزعجَ منها من جديدٍ لن تذهبَ إلى السّاحة ، غيرَ أنّه كانَ يضحكُ من حركاتها الطّفوليّة؛
علي لا يستطيعُ الابتعادَ عن طفلته ، هو واثقٌ من ذلك ، ليس غريباً على علي أن يكون بهذا اللّطفِ و هذه الحلاوة
_"حسناً حسناً ، سنذهبُ لتناولِ المثلّجات ، و سنختارُ دميةً جديدةً لطفلتي الحلوة ، ما رأيُك؟"
_"بطعمِ الفراولة"
_"بأمركِ ، هيّا بنا"
دلع☆