السّادسُ من بعد العشرين

السّادسُ من بعد العشرين

85 0

الغضبُ و الانفعالُ و قلّةُ التّخطيطِ أكفلُ بتدميرِ أعمدةِ بيتٍ كامل ، كانَتْ أكفلَ بإخراجِ حسن من ثوبِ الشّابِّ الصّالحِ و إلباسِه ثوباً غريباً عنه ، ثوباً لا علاقةَ له بداخلِ الشّابِّ الرّقيقِ المعروفِ عنه حسنُ الخلقِ و الرّويّةُ في التّعامل ، فما الذّي كانَ أهلاً بإحداثِ كلِّ هذا التّبدّل؟

كانَ جالساً في مكتبِ النّقيبِ المسؤولِ في قسمِ الشّرطة ، الذّي صدفَ و كانَ من أحدِ معارفِ أبويه ، لحسنِ الحظّ ، و أمرَ بتأجيلِ التّحقيقِ نصفَ ساعةٍ و أكثر ، ريثما على الأقلّ لملمَ حسن نفسه و هدّأ من روعه.

حاولَ استعادةَ ما حدثَ بهدوء ، منذُ قليل ، قبلَ غمضةِ عين ، كانَ ذاهباً ليقلَّ يارا بناءً على اتّفاقٍ مسبق ، لديهما حجزٌ في حفلِ افتتاحِ مطعمٍ جديدٍ و كانَ سعيداً جدّاً لأنّها سترافقه إليه ، لوحدها ، دون فرح و دون أيّ أحدٍ آخر ، بيدَ أنّه و ما إن وصلَ إلى نقطةِ التّلاقي ، غفلَ عن كلِّ السّعادةِ و احتلّه غضبٌ هائل ، رأى ريّاناً ، الشّابَّ الذّي يزعجُها منذُ عامٍ واقفاً معها ، و هي تحاولُ أن تطردَه و لا تقدر.

لا يذكرُ ما حدثَ من بعدِ ذلك ، يذكرُ أنّ حرارةً عُظمى قَدْ بُثَّتْ في جسدِه ، ثمّ يذكرُ سماعَ صفّارةِ سيّارةِ شرطة ، و رؤيةَ ضحكةِ ريّان اللّعين بين كلّ الكدماتِ و الجروح ، لقَدْ خطّطَ لكلّ هذا و سارَ كلّ شيءٍ كما أراد ، أخبرَه ألّا يعبثَ معه من جديدٍ قبلما سُحِبا إلى هنا

_"زعمَ ريّان أنّكَ تعترضُه في الطّريقِ منذ زمن ، كنتُ سأعتبرُها مشاجرةً لولا أنّه تأذّى أكثر منك بكثير"

_"سيّدي.."

قاطعَه عنصرٌ طرقَ البابَ و وقفَ عنده ، أدخلَه النّقيبُ بإذنٍ مختصر ، فدخلَ خطوةً واحدة ، و أدّى التّحيّة.

داهمَ الشّابَّ إحساسٌ عجيب ، بأنّ هنالك من يراقبُه ، فمدّ رأسه قليلاً إلى الأمامِ ليرى من في الخارج ، كانَ هنالك شخصٌ يقفُ خلفَ عنصرِ الشّرطة ، و حارسٌ آخرُ يرافقُه ، كانَ الأوّلُ طويلاً ، و كانَ بمقدورِ حسن رؤيتُه ، لقَدْ كانَ عليّاً ، شقيقَ يارا.

وقفَ حسن لهولِ الصّدمة ، و لهولِ وعيِه المباغتِ بهويّته ، لقَدْ تذكّرَ من يكونُ و من يعرفُ و ماذا يعملُ بغتةً ، لقَدْ تذكّرَ كونه غافلاً عن كلّ تلك الأمورِ طوالَ نصفِ ساعة ، أحسّ كما يحسُّ المستيقظُ من كابوسٍ طويلٍ لأوّلِ وهلة ، أحسّ بحياته تومضُ في عينيه من جديد.

أذنَ النّقيبُ بدخولِ الضّيف ، و خرجَ من المكتبِ يحفظُ حقّهما في الخصوصيّة ، كانَ علي مرتبكاً ، ما إن دخلَ اقتربَ من حسن ، وقفَ إلى قربِه ، ثمَّ عانقَه عناقاً أخويّاً منحَ الأخيرَ حريّةً ما ، منحه القدرةَ على التّنفّسِ بوسعِ صدره ، و على الرّغمِ من أنّ أحدهما لم ينظر في عيني الآخر ، لم يجرؤ على فعلِ ذلك

_"شكراً يا علي.. شكراً لمجيئك.."

ابتعدَ علي منه بعضَ الشّيء ، و ربّتَ على كتفِه عدّةَ مرّاتٍ ، رغبَ في شكرِه أيضاً على ما فعل من بعدِ ما قصّت عليه يارا الحكايةَ عند الباب ، بيدَ أنّه لم يقدر ، سيبدو.. لا يعرفُ كيف سيبدو.

جلسَ الاثنان ، و أحدهما غيرُ راغبٍ في الكلامِ عمّا حدث ، بيدَ أنّ الوقتَ يداهمهما ، وقتُ الزّيارةِ ليس طويلاً إلى هذا الحدّ ، استسلمَ علي أوّلاً

_"ماذا قلتَ لهم؟"

_"لم أقل شيئاً بعد ، لقدِ اتّهمَني بملاحقته و التّعرّضِ له ، أنا لم أره سوى مرّتين في حياتي كلّها"

_"هل سيصدّقونه؟"

_"لا أعلم ، سيتّهمونني بالاعتداءِ عليه ، لقَدْ تأذّى كثيراً"

هزّ علي برأسِه؛

لم يكن أحدٌ ليتصوّرَ في يومٍ أنّ الرّقيقَ هذا قَدْ يقدمُ على مثلِ هذه الأفعالِ العنيفة ، حتّى يارا أعربَتْ عن خوفها منه و قَدْ صارَ في مكانةِ خوفها عليه و ربّما أكبر ، لقدِ انقلبَ الشّابُّ في غمضةِ عينٍ إلى رجلٍ آخر ، يتفهّمُه علي في داخله

_"أخبرهم عن القصّةِ الحقيقيّةِ إذاً ، و ستشهدُ يارا معك"

_"اسمعني يا علي.. لقَدْ بدا أنّه يخطّطُ ليوقعني في هذا الشّركِ منذُ العامِ الماضي.. و سمعتُ أنّه كثيراً ما يفعل.. لا أريدُ أن أقحمَ يارا في الأمر.."

_"لن تقحمها ، هي في المشكلةِ من الأصلِ و هي من أوقعتكَ فيها ، أخبرهم بالحقيقة"

ازدردَ حسن ريقَه ، لم يقنع بعدُ بحلِّ علي ، فهذا الحلُّ و على الرّغمِ من كلّ شيءٍ لن يخلّصَه من السّجن ، لربّما يُوقَفُ في قسمِ الشّرطةِ بسببِ المشاجرة ، أو ربّما.. هو لا يعرفُ بعد ، فلماذا يقحمُ يارغ في مشكلةٍ لا يعرفُ عواقبها بعد؟

_"لقَدْ.. لقَدْ كنتُ أهوجَ و تسبّبتُ بالمشاكل.. أنا أعتذرُ يا علي.. أعتذرُ منكم جميعاً"

_"لو كنتُ في مكانكَ لفعلتُ ذاتَ الشّيء ، لا تعتذر"

انتهتِ الزّيارةُ عند هذا الحدّ ، و خرجَ علي من قسمِ الشّرطةِ و صورةُ ابتسامةِ حسن المُرّةِ لا تُفارقُ ذهنه ، كانَ يبدو و كأنّه يستنجدُ به عند آخرِ نقطةٍ دون أن يعترفَ بذلك ، و لكن ما باليدِ حيلة ، لا يستطيعُ أن يتواجدَ معه أكثرَ من ذلك.

توجّهَ نحو سيّارته بخطا متثاقلة ، و صعدَ في مقعدِ السّائق و يارا إلى جانبه ، و أسندَ رأسه إلى المقودِ يائساً ، لا يعرفُ لماذا ، يعرفُ فحسبُ أنّه لا يطيقُ النّظرَ في وجهها الآن

_"ماذا.. ماذا حدث؟"

_"لا يريدُ أن يقحمكِ في المشاكل"

أجابَ دون أن يرفعَ رأسه ، و اغرورقَتْ عيناها بالدّموعِ من جديد ، انهمرتْ سيولُ الدّموعِ الحارّةِ من جديدٍ قبل أن تجفَّ دموعُ المشكلة ، خطأها القديمُ يلاحقُها مع كلّ خطوة ، لا تستطيعُ التّخلّصَ منه مهما تندّمت و بكت و خافت ، و لا يتركُها في حالها مهما مضى الزّمانُ عليه ، لا يموتُ و لا يتركُ شيئاً يقتلُه ، و يكادُ يردي بها أيضاً.. خطأها في السّيرِ مع من مثله..

_"لماذا؟"

سألَها بصوتٍ كادَ أن يحشرجَ في صدره ، و خرجَ مع نفسه بالصّدفة ، لم يفكّر في السّؤالِ مليّاً ، لم يعرف ما يسأل ، لم يعرف ما يقولُ و كيف يقول ، تاهَ تماماً و هو في رأسه

_"لقَدْ.. لقَدْ حصلَ على صورةٍ لي.. في الثّانويّة.. و هدّدني بنشرها بين الطّلبةِ ما لم أدفع له.. كنتُ أعطيه كلّ مصروفي.. و صرتُ أقابله في المدرسةِ كثيراً.. أشاعَ أنّني حبيبته.. ثمّ اتّفقنا على أن ننفصلَ و يعطيني الصّورة ، و بالفعل.. أعطيتُه الخاتمَ الذّي أهداني هو أبي.. و انفصلنا.."

_"ما هذه الصّورة؟"

_"كنتُ في بيتِ صديقةٍ لي.. و أخذنا بضعةَ صورٍ غبيّةً و نحن نجرّبُ ملابسَ من عندها.. لا أدري كيف ضاعتِ الصّورةُ تلك.. و كيف حصلَ هو.."

ضربَ على مقودِ السّيّارةِ بعصبيّةٍ كتمتْ أنفاسها؛

كلّ ما فكّرَ فيه كان أنّها المخطئةُ الأولى و الوحيدة ، ليس فقط لأنّها تأخذُ صوراً غبيّةً و ترميها هنا و هناك ، بل و لأنّها كانَتْ على بعدِ خطوةٍ واحدةٍ من حلّ الأزمةِ الممتدّةِ على سنوات ، و ما زالتْ لم تتعلّم بعد؛

لو أخبرته أو أخبرتْ والديها في ذلك الوقتِ لحُلَّ الأمرُ دون كلّ هذه الضّجّة ، حتّى لو أخبرتْ أحد المسؤولين في المدرسة ، أيّ أحد ، أيّ أحدٍ بدلاً من هذا الاختباءِ و السّيرِ مع رغباتِ شخصٍ مثله ، لربّما كانَ ريّان في السّجنِ بدلاً من البريءِ المسكين ذاك..

_"كلّما حسبتُكِ بشراً أثبتِّ لي عكسَ ذلك ، ماذا نفعلُ الآن!؟ تفضّلي! لقَدْ دمّرتِ سمعته و سمعتكِ و مستقبلكما!"

_"لكن.. لكن.. كنتُ مراهقة.. ثمّ هل قلتُ له أن.."

_"أغلقي فمكِ!"

صرخَ فيها ، فازدادَتْ خوفاً منه و رغبةً في البكاء ، كانَتْ ترتجفُ و تبكي ، و الضّيقُ يأكلُها من الدّاخلِ و يشلُّ رأسها..

لقَدْ ثارَ علي كما ثارَ حسن ، و هدأ بعد وقتٍ كما فعل ، يبدو أنّ الاثنين وجهان لعملةٍ واحدة ، أحدُهما أنعمُ بقليلٍ من الآخر ، لكنّ حسّ الغضبِ فيهما أصيل ، لا يُنتزع

_"هيّا ، ستشهدين معه أمام النّقيب"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة