اليومُ الأوّلُ لطفلةٍ في المرحلةِ التّحضيريّة ، الطّفلةُ هي ليلي ، ليلي حسّاسةٌ جدّاً ، و المدارسُ بيئاتٌ مختلّة.
ظلَّتْ هذه الجملُ تتكرّرُ تباعاً في رأسِ إخوتها ، و على طولِ الطّريق ، كلٌّ ينظرُ بدوره إلى ليلي الماكثةِ في حضنِ فاتن ، و يعاودُ محاولةَ طردِ الأفكارِ كلّما حانتِ الفرصة ، لا تدري فاتن بالذّاتِ لماذا هي قلقة ، لديها شعورٌ قويٌّ بأنّ هنالك خطراً قريباً من إخوتها ، لا تدري أين هو ، و لا تعرفُ كيف تتعاملُ معه و تستكشفه ، نادراً ما تخابرُ كمثل هذه الأحاسيس ، فاتن ثابتة ، قليلةُ القلق ، في العادة
_"هل طفلتي مستعدّة؟"
سألَ علي بلهجةٍ منغّمة ، جعلتِ البنتَ تضحكُ لبرهةٍ و تسرُّ قلبه بهذه الضّحكة ، ثمّ ظلَّ يلتفتُ إليها بين الفينةِ و الأُخرى ، يقهقهُ فتقهقه ، تلك كانَتْ لعبته المُفضّلة
_"لم تخبريني ، ماذا ستصبحين عندما تكبرين؟"
_"سأصبحُ مثل دورايمون"
_"قطّة؟"
_"لا ، حكيمة ، أساعدُ الأطفال"
_"تقصدين معلّمة؟"
_"لا! حكيمة!"
صحّحتْ له بلهجةٍ حازمةٍ أضحكَته من جديد ، هو يشكُّ أصلاً في أنّها تعرفُ معنى هذه الكلمة ، ربّما تظنُّ هذا عملاً حقيقيّاً فعلاً ، و لكن لن يصحّحَ لها الآن ، سيستمتعُ بأحاديثِ هذه الحكيمةِ قدرَ ما استطاع
_"حاضر يا آنسة ، حكيمة حكيمة"
وصلتِ السّيّارةُ قربَ ساحةِ المدرسة ، و ركنها علي قريباً ، كانَ المكانُ عاجّاً بالنّاسِ و الحافلات ؛ في الحقيقة ، لم يؤخّر وصولُه البنتَ على الإطلاق ، لا في مجيئه و لا على طريقِ القيادة ، على العكس ، كانَ الوقتُ مبكّراً إلى حدٍّ ما.
بالمناسبة ، هذا الشّابُّ لم يطلب مساعدةً من إحدى أختيه في الطّريق ، مع أنَّه كادَ ينعطفُ في الاتّجاهِ الخاطئ مرّتين ، و لم تجرؤ يارا \_الوحيدةُ المُلاحظة_ على أن تخبره ، إذ بدأتْ تشعرُ بالخوفِ منه دون أيّ مبرّر ، يارا المتمرّدة ، تكادُ ترتجفُ آنما ينظرُ إليها.
ما تزالُ تفكّر ، كيف ستخبرُه بمواعدتِها لحسن؟ و إذا لم تخبره و اكتشفَ لوحده ، ماذا سيفعل؟ و أين ستهربُ منه و الجميعُ سوف يؤيّدُه صالحاً كانَ أو مُخطئاً؟
_"وصلنا"
أفاقَ صوتُه البناتِ الشّاردات ، كانَ ينتظرُ أن تتحرّكَ إحداهنّ ، بيدَ أنهنّ ما فعلن حتّى ترجّلَ هو ، و نادى على ليلي كي تلحقَ به ، كانَت الصّغيرةُ سعيدةً جدّاً ، تشعرُ بأنّها تطيرُ من السّعادة ، سعيدةٌ بالرّحلةِ و بعلي و بالمدرسة ، سعيدةٌ بكلِّ شيء ، و لا شيءَ في استطاعته أن ينغّصَ عليها سعادتها هذه ، حتّى شكلُ يارا المُضحكُ و هي شادرة ، شادرة؟ أهذه هي الكلمة؟
أنزلتها فاتن ، و ترجّلَتْ و يارا من بعدها ، و هي ، لم تأبه بأيّهما ، ركضَتْ من جهةِ مقعدها السّابقِ إلى موقفِ علي ، و قبضَتْ على إصبعِه الصّغير ، كانَتْ كفُّها الصّغيرةُ تكفي لاحتواءِ إصبعين من أصابعه فقط ، يشعرُ بالدّفءِ كلّما فكّرَ بفرقِ الحجمِ بينهما ، و تشعرُ ليلي بالأمان ، لا شيءَ يستطيعُ لمسها في وجودِ أخيها القويّ هنا ، إلى جانبها ، ليس في فرنسا
_"سآخذُها إلى الدّاخل ، انتظراني"
انتفضَتْ يارا عندما تكلّم ، تذكّرَتْ أنّها اتّفقَتْ مع إيليا على اللّقاءِ أمام البوّابةِ في أوّلِ يوم ، و لا تعرفُ كيف سينظرُ علي إلى هذا الأمر ، ربّما سيلومها هي.. فهي من سمحَتْ للطّفلةِ باللّعبِ مع الفتيان و هي في هذا السّنّ.. لا لا.. و هرّبتها أيضاً من النّافذة!
لو باحَتْ له ليلي بكلّ هذا.. ماذا سيحدث؟ ماذا سيفعل؟
عادَتْ تتساءلُ و ترتعدُ لمجرّدِ التّساؤل ، كانَ علي قَدْ تحرّكَ إلى الأمامِ قليلاً مُذْ بدأتْ حالُها هذه و ريثما انتهت ، ليس لأنّ حالها كانَتْ سريعةَ المرور ، و ليس لأنّه بطيءٌ في السّير ، بل لأنّه يجاري سرعةَ ساقي ليلي الضّئيلتين ، و في أعماقه ، هو سعيدٌ بعيشِ هذه اللّحظة ، بالتّواجدِ معها في أوّلِ يوم ، تماماً كما وعدها
_"علي!"
صاحَتْ يارا ، لم تخطّط لإطلاقِ صوتها هكذا ، غيرَ أنّ توتّرها المُفرطَ تجاوزَ كلّ الخطط.
استدارَ علي نحوها ، مرتاباً و مستغرباً ، بل و قلقاً أيضاً ، خُيِّلَ إليه أنّ أفعى قَدْ لفّتْ قدمها لشدّةِ ما بدا صوتها مستنجداً ، كانَ مستعدّاً لاستجابةٍ مُستعجلة ، لولا أن مرَّ الخيالُ و غيرُه على رأسه مرورَ الكرام ، توجّهت إليه يارا سليمةً معافاة.
وقفَتْ إلى جانبه ، بينها و بينه مسافةٌ ما ، لم تنظر إلى وجهِه على الإطلاق ، أثارَتْ ريبته بهذه الحركات ، فهو لم يفعل شيئاً يستحقُّ أن يُهابَ إلى هذا الحدّ ، تتلعثمُ أمامه ، و تحاولُ ألّا توجّهُ له الحديث ، و لا تنظرُ إليه ، هذه يارا ، رفيقةُ عمرِه مُذْ كانَ طفلاً صغيراً ، رفيقةُ اللّعبِ و المشاغباتِ و بيتُ الأسرار ، ما بها تتحوّلُ هي الأُخرى؟
_"س.. سآخذُها أنا.. تعرف.. أنت.. شابّ.. و المدرسة.."
_"خذيها"
قاطعَها ببساطةٍ وارى بواسطتها خيبته ، لم يستطع حقيقةً ، ثمَّ دنا من الطّفلةِ يقصدُها بالتّالي من كلامه ، و ليلي طبعاً تحمّسَتْ من جديدٍ لشيءٍ لا تعرفُه ؛
على العكس من يارا ، لم يستغرق الاعتيادُ على طباعه الجديدةِ من وقتِ ليلي الكثير ، و على الرَّغمِ من أنّه هو ، أكبرُ المنقلبين حالاً ، بل و المنقلبين رأياً و تصرّفاتٍ أيضاً
_"انتبهي إلى نفسكِ ليلي ، و كوني سعيدة ، أحسناً؟"
_"حسناً! أُحِبُّكَ أخي!"
ربّتَ على رأسها بحنوٍّ ذكّرها بإيلي ، دائماً ما يربّتُ الأخيرُ على رأسِها هكذا عندما يكونُ سعيداً ، و عندما يرغبُ في جعلِها تشعرُ بتحسّن ، و عندما تكونُ هي سعيدةً أيضاً ، إيليا رائع ، مثلُ علي تماماً.
تناولَتْ يارا يدَها من ثمَّ ، و سحبتها من أمام علي و كلُّها أملٌ بألّا يظهرَ إيليا قبل أن ينشغلَ أخوها ، و بألّا يحدثَ شيءٌ جديدٌ يجعلُها تصطدمُ به ، هي فعلاً لا تدري ما خطبُها ، ليسَتْ هكذا مع أبويها حتّى ، ما الذّي فعلَه علي حتّى تحسبَ له كلَّ هذا الحساب؟ و فجأةً؟
عادَ علي إلى خلف ، راقبَ أختيه قليلاً ، راقبَ يارا ، ثمَّ يئسَ من محاولةِ إيجادِ إجابةٍ سريعة ، إذ اندسّتْ بين الجموعِ و ما عادَتْ تتوضّحُ له تفاصيلُ حركاتها ، لقَدْ خابَ أملُه ، خابَ كثيراً.
دسّ شيئاً من شفتيه بين أسنانه ، و لم يضغط كثيراً ، لم يكن يعي أصلاً بما يفعل ، ثمّ استدارَ نحو فاتن ، الوحيدةِ الباقية ؛ لدى فاتن غرّةٌ سوداءُ كثيفة ، قصّتها حديثاً ، و تضعُ أحمرَ شفاهٍ فاقعَ اللّون ، كما ترتدي ملابسَ سوداءَ ضيّقة ، كانَ يتابعُ التّغيّرَ في مظهرها منذُ أن غابَ عنها ، لقَدْ تناسَتِ الشّكلَ الهادئ النّاضج ، و أصبحَ لها شكلٌ ، لا يعرفُ كيف يصفُه ، صارخٌ ربّما ، شكلُ مراهقات.
و لوهلة ، فوجئ بل و صُعِق ، إذ تناولَتْ من جيبِ بنطالها علبةَ سجائر ، أرادَتْ أن تدخّن ، أخته تدخّنُ الآن ، و لا تخجلُ من الأمرِ أمام النّاس ، و فوق ذلك لا تخافُ أن يخبرَ أبويها بمخالفتها لعاداتِ و تقاليدِ العائلة ، تظنُّ أنّها كبرت على أن تنتظرَ إذن أحد ، و لهذا ، و لأنّها البالغةُ المسؤولة ، ستكونُ مسؤولةً عن ردِّ فعله الآتي.
دنا منها ، بسرعةٍ خاطفة ، و خطفَ العلبةَ من بين أصابعها قبلما بلغَتْ لمسَ سجائرها ، ثمَّ قذفها بقوّةٍ إلى أقربِ سلّةِ مهملات ، سيظلُّ فاهُ فاتن فاغراً ممّا حدثَ لعدّةِ أشهر
_"ثلاثيّة"
رمقَها بتعجرف ، ثمَّ جلسَ فوقَ السّيّارة ، و تظاهرَ بأنَّه لم يفعل شيئاً ؛ كانَتْ فاتن فعلاً فاغرةً فاهها ، لم تفهم ما حدثَ أبداً ، و عندما فعلت ، أي بعد دقائق ، راحَتْ تعضُّ على شفتيها لشدّةِ الحنق ، تريدُ أن تشتمه بأقذرِ ما لديها من شتائم ، و تشتهي ضربَه بمقلاةِ البيضِ في المطبخِ مثلما فعلَتْ في صغرهما ، أو أن تحرّضَ أبوها عليه ، لكنّ كلَّ هذا صعبُ المنال ، فهما في الشّارع ، و هي المخطئةُ هنا في اعتبارِ أهلها ، تدخّن! و في الشّارع! منذُ متى يدخّنون عندهم في العائلة!
رأته يارا من بعيد ، لم تفهم ما فعلَ تماماً ، لكنّها تعرفُ جيّداً بأنّ أهلها قَدْ أنزلوا عليها و على شقيقتيها عقاباً سماويّاً ، لقَدْ صنعوا طاغيةً في البيت ، الجميعُ سيمتثلُ لما يريدُ حتّى هم ، شاؤوا أو أبوا.
تنهّدَتْ ؛
لم يكن إيليا قَدْ لقيهما بعد ، كانا في المكانِ الموعود ، عند الشّجرةِ القصيرةِ المجاورةِ للبوّابةِ العملاقة ، تأخّرَ إيلي ، فكّرَتْ من جديد.
تحمحمت يارا ، لم تسمعها ليلي طبعاً في خضمِّ ازدحامِ الطّلبةِ و أهاليهم ، فجلسَتْ أمامها ، تماماً كما جلسَ علي منذُ قليل ، و لمسَتْ خدّها كي تنبّهها
_"ليلي.. لا تخبري علي عن إيليا.. و لا عن حسن.."
باحَت بما لديها بعدَ مختصرِ تفكير ؛ كانَ صوتُ معاتبته الوهميّةِ يتردَّدُ في رأسها على نحوٍ مُزعِج ، كما كانَ صوتُ معاتبةِ حسن لها عندما قابلَتْ حبيبها السّابق ، الحقيقةُ أنّ ذلك الموقفَ قَدْ مرَّ على خير ، و لم يسمع به حسن بعد ، لذلك لديها أملٌ ضئيلٌ جدّاً بأنّ هذا سيمرُّ كذلك ، و لن يحدثَ شيء ، كلُّ شيءٍ.. سوف..
تتنهّدُ في سرّها ، هي غيرُ قادرةٍ على إكمالِ هذا في رأسِها حتّى ، فكيف تصدّقُه؟
_"ولكن.. أريدُ أن أخبره عن إيلي!"
استنكرَتْ ليلي بقوّة ، فهي طالما أخبرت إيلي عن أخيها الأكبر ، و أرادَتْ أن يلتقيه ، كانَتْ ستفخرُ بأخيها أمامها ، و به أمام أخيها ، أرادَتْ..
ما بها يارا الآن؟
_"صدّقيني ليلي ، هذا لمصلحتِكِ.. إن عرفَ سيمنعُكِ عن الخروج.. أنسيتِ؟"
صحيح..
علي يوصيها ألّا تخرجَ من البيتِ لوحدها ، و إلّا سينزعجُ منها..
أثقلَها ضيقٌ عجيب فجأة ، فأنكسَتْ رأسها ، و أخذَتْ تحاولُ إيجادَ حلّ..
تريدُ اللّعبَ مع إيلي ، و لا تريدُ أن ينزعجَ علي ، و تريدُ أن يتعرّفا إلى بعضهما..
ألقَتْ نظرةً على وجهِ يارا المقابل ، دون أن ترفعَ رأسها حقَّ الرّفع ، و تمتمت بصوتٍ خفيض:
_"سأخبرُه فقط عن إيلي.."
_"أبداً ، سيغضبُ منكِ و منّي.. لا تخبريه ، لتكن.. كذبةً بيضاء"
كذبة؟ هذه كذبة؟
أن تخفي شيئاً كذبة؟
قطبتْ حاجبيها ؛ ساءَ الأمرُ الآن أكثرَ من ذي قبل ، بل أصبحَ ثقيلاً جدّاً أيضاً ، تشعرُ بأنّها تحملُه في صدرها ، و لا تستطيع التّنفّس ؛ رغبتُها في تعريفهما على بعضهما يمكنُ أن تمرّ ، و لكن الكذبة.. علي لن يكلّمَها إن كذبَتْ عليه.
حدثَ هذا من قبل ، في يومِ أخبرته بأنّها لم تدخل إلى غرفتِه و لم تعبث بأغراضِه ، لقَدْ ظلَّ أيّاماً يتجاهلُها بعد أن اكتشف ، و ما سامحها حتّى بكَتْ ، بكَتْ كثيراً و وعدته بأنّها لن تكرّرَ الأمر ، هي خائفةٌ الآن.. خائفةٌ جدّاً..
_"لا.. إن عرفَ أنّني كذبتُ سوف.."
_"لن يعرف.. لا تخافي.. لا تخبريه عن شيء.."
لن يعرف.. لا بل سيعرف فهذا علي.
ازدردَتْ ريقَها ، بصعوبة ، ثمَّ التفتَتْ إلى الطّلّاب ، يارا وثقَتْ بها ، و نهضَتْ تبحثُ معها عن إيليا ، كانَ قَدْ ظهرَ أخيراً ، يحملُ حقيبتَه على كتفِه و يركض ، يبدو أنّ الصّغيرَ تأخّرَ في الاستيقاظِ اليوم
_"صباحُ الخير!"
_"صباحُ الخير ، ها هي ليلي ، في أمانتك"
قلّدَ إيليا التّحيّةَ العسكريّةَ التّي يراها في التّلفاز ، باسماً ، ابتسامةً رقيقةً يخبّئ وراءها ضحكة ، استطاعَ شكلُه أن خفّفَ حملَ يارا قليلاً ، بل كثيراً ، تستطيعُ أن تقفَ طوالَ النّهارِ تتابعُه و تتابعُ شقيقتها ، هذه الخدودُ المنتفخة ، و هذه العيونُ البريئةُ ، يمكنُهما أن يخفّفا جبلاً ، و بغيرِ جلبة.
ناولتْه يدَ ليلي الصّغيرة ، فرحّبَ بها ، و أخذَها في طريقِه ، ظلّت يارا تتأمّلهما حتّى دخلا عبر البوّابة ، كانا يتحدّثان على ما يبدو ، و لم تبدُ ليلي متحمّسةً كما كانَتْ فيما سبق ، ذنبُ هذا الفتورِ على من الآن؟
تنهّدَتْ يارا ، و سارَتْ عائدةً إلى حيث كانَتْ ، سارَتْ ببطء ، كانَ علي جالساً فوق السّيّارة ، و فاتن واقفةٌ إلى جوارها ، بدا لها فتيلُ الشّجارِ من بعيد ، لذلك أبطأت ، و لكن أين المهرب؟ سينتهي الطّريقُ مهما طالَ و مهما ماطلَتْ فيه ، سينتهي.
هبطَ علي من فوق عندما لمحها قادمة ، ظلَّ يتجاهلها ، كمثلِ ما فعلَتْ ، و أسرعَ التّوجّهَ نحو مقعده ، صعدَ في السّيّارة استعداداً لتشغيلِها ، و انتظر ، انتظرَ أن تأتيا دون أن يخاطبَهما ، هو منزعجٌ منهما ، منزعجٌ كثيراً.
شزرته فاتن ، و أخذَتْ أختها جانباً ، لديها ما تقول
_"صادفتُ فرح صباحَ البارحة ، و دعوتُها و حسن للعشاءِ يومَ الخميس"
فتحَتْ يارا جفنيها على أشدّهما ، أحسَّتْ بأنّ بياضِ عينيها قَدْ توسّعَ كذلك ، توسّعَ حتّى بلغَ أعصابَ الجمجمة ، أصبحَ كلُّ شيءٍ.. صاعقاً!
_"لماذا!؟ يا ربّي! ماذا سأفعلُ الآن!؟"
خالَتْ فاتن أختها تقفزُ في مكانها لشدّةِ الانفعال ، فهمتها في أعماقها ، لكنّها لم تتعاطف معها على الإطلاق ، و لم تشعر بأيّ نوعٍ من أنواعِ الذّنب ؛ في الواقع ، هي ليسَتْ مذنبة ، إذ لم تكن عودةُ علي المجيدةُ مؤكّدةً يومَ قابلَتْ فرح ، لذلك وجدَتِ الأمرَ سهلاً ، و بالنّسبةِ لمساءِ الخميس ، فهو المساءُ الوحيدُ الذّي تدعو فيه البناتُ صديقاتهنّ إلى البيت ، إذ يبقى الوالدان في المتجرِ معاً حتّى منتصفِ اللّيل ، و يتركان للبناتِ حريّةُ التّصرّفِ في البيت ، حسنٌ ، ليس بعدَ الآن
_"ماذا دهاكِ يا معتوهة؟ أخبريه فقط بالأمر ، لا يحقُّ له أن يفعلَ شيئاً"
_"يا ربّي!"
_"لا وقتَ لديّ!"
نادى عليهما منزعجاً من قلبِ السّيّارة ، لقَدْ لحظَ في الواقعِ حركاتِ يارا المجنونة ، و لم يرد أن يغوصَ في التّفكيرِ و الاحتمالاتِ أكثر ، يكرهُ أن يفعل.
زفرَتْ يارا بضيق ، ثمَّ أمسكَتْ يدَ فاتن بترجٍّ ، هي خائفة ، و أختها باتَتِ الآن خائفةً أيضاً ، خائفةً على عقلها
_"سأجدُ حلّاً.. أرجوكِ فاتنة.. لا تخبريه"
دلع☆