التّاسع من بعد العشرين

التّاسع من بعد العشرين

82 1

اختلفَ كلُّ شيء على حديقةِ الزّنبق؛

اختلفَتِ الأمورُ بعدَ أشهر من إعلانِ المقاطعةِ الإجباريّةِ بين ليلي و إيلي ، و ظلّتْ تختلفُ في كلّ فترةٍ حتّى تلوّتِ المشاعرُ و تحوّرتْ بدورها إلى أشكال أُخرى يحاولُ أحدهما تعريفها كلّما مرّ بالآخر ، و لا يحسن؛

في الفترةِ الأولى ، أصبحَ إيلي يعرجُ على صفّها في مناسباتٍ قليلة ، يبادلها أحاديث عاديّةً و يغادر ، لم تكنِ الطّريقةُ ما تزعجُ ليلي ، و إنّما شيءٌ آخر ، كانَتْ تفرحُ لقدومه ، و لم يكن يبدو عليه ذاتُ الأمر ، كانَ كلّما جاءَ يبدو أكثرَ كآبةً و أكثرَ يأساً ، يسألُها عن حالها فقط ، و يقولُ لها جملةً فقدَت معناها مع الوقت

"اشتقتُ إليكِ"

صحيح ، لقَدْ كانَ يشتاقُ إليها في أعماقه ، بيدَ أنّها لم تشعر يوماً بهذا الشّوق ، كانَتْ ترى أنّه فقدَ حماستَه فيما يتعلّقُ برفقتها ، و بدأ يرخي يديه عن الوعودِ الأبديّةِ حتّى نُسيَتْ ، ثمّ تعزّزَ شعورُها في عامه الأخيرِ في الابتدائيّةِ ، حيثُ ازدادَتْ واجباتُه و توسّعَتْ مجموعةُ أصدقائه ، باتَ يعرجُ على صفّها في مناسباتٍ نادرة ، يسلّمُ عليها و يغادر.

ما عادَتْ هذه اللّقاءاتُ منذُ ذلك الحينِ حادثاً مُهِمّاً لا يستطيعُ أحدهما متابعةَ حياته بغيرها ، بل و أصبحتْ تقتصرُ على مصادفاتٍ سريعةٍ يرتّبها القدر ، إمّا في شارعهم أو أمام المدارس ، يبتسمُ فيها الاثنان لبعضهما و يمضي كلٌّ في سبيله ، كانَ الأمرُ يحدثُ خلسةً عن أهلهما ، و على الرّغمِ من ذلك ، لم يكن بهذه الأهميّة.

1

و في المقابل ، ما استطاعَتْ ليلي أن تعرّفت إلى غيرِ زينة و زين ، اللّذان ما فارقاها كثيراً حتّى مع كثرةِ النّاسِ حولهما ، كانَ زين يعرّفُها إلى أصدقائه أيضاً و يأخذها للّعبِ معهم ، كانَتْ تشعرُ بالأُلفةِ معهما و كأنّهما من أهلها ، و لكن..

كانَ ظلُّ إيليا مفقوداً في خضمِّ مرورِ هذه السّعادةِ الضّئيلة ، كانَ مكانُ ظلِّه في الأرضِ شاغراً ، و لم تكن تنظرُ إلى سواه من الظّلال.

لقدِ اشتاقَتْ إليه ، بل و تشتاقُ إليه كلّما نظرَتْ إلى الحديقة ، تشتاقُ إليه كلّما جلسَتْ و فكّرتْ ، تشعرُ برغبةٍ في سبِّ أهل يارا و حسن و ريّان و أمّها و فاتن و علي و كلِّ هؤلاء معاً ، و تعرفُ أن لا فائدةَ من ذلك على الإطلاق.

و لكن الآن ، و بعدَ أن أصبحَتْ في السّنةِ الإعداديّةِ الثّانية ، يفترضُ بالمخاوفِ أن تهوي ، لقدْ أصبحَتْ كبيرة ، تزوّجَتْ يارا و انشغلَ علي بخطيبته في فرنسا بعض الشّيء ، أبواها في المحلّ و فاتن في مكتبها طوالَ اليوم..

و لكن.. ليسَتْ قادرةً على فعلِ شيء حتّى لو رأته ، يعلقُ لسانُها في جوفِ حلقها كلّما وقفَتْ أمامه ، و وقعَتْ عينُها في عينه ، لا تستطيعُ قولَ شيءٍ في وجهه ، تبتسمُ كما يفعل ، و تتمنّى له يوماً سعيداً قبل أن تقفَ و تراقبَه راحلاً ، لقَدْ أصبحَ جذّاباً جدّاً ، طويلاً و حلواً ، كانَ يزدادُ حلاوةً ما بين لقاءٍ و آخر ، و ما يزالُ هادئاً و لطيفاً جدّاً ، و هي ، هي ربّما اختلفَتْ ، ليسَتْ تدرك.

تجلسُ وحدها طوالَ اليومِ منذُ أشهر ، تأكلُ وحدها ، تشاهدُ البرامجَ وحدها ، تدرسُ وحدها ، كانتِ الوحدةُ تعنونُ كلّ تفصيلٍ من تفاصيلِ حياتها تقريباً ، و ذلك كانَ خوفها الأكبر..

____

اليومَ هنالك مناسبةٌ خاصّة ، ذكرى ميلادِ ليلي الرّابعة عشرة ، لم تكن لتتذكّرَ لولا اتّصالُ علي الخاصُّ من فرنسا الذّي استمرّ نصفَ ساعة ، هذه نصفُ السّاعةِ الوحيدةِ التّي شعرَتْ فيها بعيدِ ميلادِها ، بقيّةُ اليومِ كانَتْ عاديّة ، روتينيّةً و بسيطة.

كانَتْ وحيدة ، تجلسُ في قلبِ النّافذةِ المفتوحة ، في يدِها دفترُ مذكّراتها الجديدُ و قلم ، و لا شيءَ تكتبُه ، تنظرُ و حسبُ إلى السّاحةِ حيث يلعبُ بعضُ الأطفالِ بالكرة ، و تنتظرُ أن يعودَ إيليا و يلعبَ معهم ، كانَتْ تقسمُ كلّما تمنّت بأنّها ستخرجُ و تلعبُ معهم كيفما كانَ الوضع ، سوف تتخطّى كلّ شيءٍ لأجله ، و لكن..

لقَدْ أصبحَ في الثّانويّةِ الآن ، أصبحَ شابّاً لا يخرجُ للّعبِ ها هنا ، تأخّرَتْ ظروفُكِ كثيراً يا ليلي حتّى تحسّنت ، و ربّما تأخّرَ قرارُكِ و تأخّرت جرأتُكِ حتّى ظهرتْ هكذا ، قالَتْ في نفسها.

غادرَ الأطفالُ بعدَ وقت ، و تركوا في مكانهم علبةً معدنيّةً و غصناً مقطوعاً من إحدى الأشجارِ المحيطة ، و فراغاً هائلاً في قلبِ ليلي ، لم يعد المُؤنسُ الوحيدُ موجوداً ، لقدِ استوحشَ المكانُ أكثرَ فأكثر ، و استوحشَ قلبُها على إثرِ ذلك ، لا تريدُ أن تظلّ وحيدة ، و لكن ما من حلّ..

تركتِ المفكّرةَ في النّافذة ، و قفزَتْ إلى الخارجِ كما طالما كانَتْ تفعل ، لامسَتْ العشبَ الطّريّ الرّطبَ بقدميها الحافيتين ، كما كانَتْ تفعلُ في أيّامِ الطّفولةِ البعيدة ، أعادَ هذا الحدثُ إلى جسدها الرّعشةَ و حسّ المغامرةِ الأولى في السّاحة ، عندما كانَتْ مع يارا ، و ركضَتْ كما فعلَتْ في تلك المرّة ، في ناحيةِ الصّخور ، و لكن ما من أحدٍ هنالك في هذه المرّة ، المكانُ فارغٌ فراغَ حياتها

_"يا إيليا"

نادَتْ بصوتٍ خفيض ، علّها تراه هنا أو هناك ، لم يكن في مكان ، كانَ في قلبها فقط.

جلسَتْ فوق الصّخور ، و أخذتْ تتأمّلُ أسرابَ الغيوم ، ربّما هو يتأمّلُ كمثلها الآن ، فهو يُحِبُّ الغيمَ الزّائرَ قبلَ الغروب ، كانَ يقولُ أنّ له ألواناً من فتون ، ليسَ في غيره من الخلق.

تذكرُ عنه هذه التّفاصيل بعناية ، كما تذكرُ أنّه يُحِبُّ اللّغةَ كثيراً ، ضليعاً فيها سواء في المدرسةِ أو في خارجها ، كانَ يقرأُ كثيراً و كانَ أحدَ أفضلِ الطّلّابِ في الإنشاءِ و البحث ، تذكرُ هذه السّمةَ عنه الآن ، دون غيرها.

التفتَتْ نحو المكتبةِ الوحيدةِ في المنطقة ، في أوّلِ شارعِ بيته ، في الجهةِ الأُخرى من الطّريقِ العامّ ، كانَ هنالك أناسٌ يجوبون حولها ، خيالاتهم صغيرةٌ غيرُ واضحة ، ليته يكون؛ أسرّت ، و لم تزد في نجواها أكثرَ لئلّا تتألّمَ كثيراً عندما يخيبُ رجاؤها.

هل سيعودُ إيلي في وقتٍ قريب؟

لا تعرف ، و تخشى أن..

لا ، لا يجبُ أن تخشى أكثر ، لا تريدُ أن تكونَ يارا أُخرى ، ليسَتْ هذه قدوةً يُحتذى بها على أيّةِ حال.

نزلَتْ من فوقِ الصّخر ، و ركضَتْ حافيةً نحو الطّريقِ العامّ ، وقفَتْ عند الرّصيفِ تسترقُ النّظرَ إلى شارعِه ، و لوهلة ، تثاقلَ الوقتُ في مضيِّه ، و سكنَ كلّ شيء ، سكوناً عذباً لم تعِ به ، لقَدْ كانَ إيليا فعلاً واحداً من الأطيافِ الحائمةِ أمام المكتبة ، يفصلُ بينهما الشّارعُ العريض ، و سيّاراتٌ سريعة.. و لا تدري ماذا أيضاً..

_"يا إلهي.."

ازدردَتْ ريقها ، و شرعَتْ تستقبلُ انتشارَ السّعادةِ في عروقها بصدرٍ رحب ، لم تكن قادرةً على أن تتحرّكَ أكثر ، كانَتْ تنتظرُ فقط أن يلحظها ، أن يلحظها فقط..

كانَ يحملُ حقيبةً مدرسيّةً على كتفه ، منغمساً في تأمّلِ عنواينِ و أغلفةِ الكتبِ المعروضةِ في واجهةِ المكتبة ، في الواقعِ كانَ يحسبُ كم يحتاجُ لابتياعِ ما يريدُ منها ، و ما إن كانَ سيقدرُ على شراءِ اثنين أو أكثر عندما يستلمُ مصروفه ، يريدُ بضعةَ كتبٍ من سلسلةِ شيرلوك هولمز ، لم يسبق له أن قرأها.

استدارَ رغبةً في الرّحيلِ بعد برهة ، لقَدْ تأخّرَ قليلاً خارجَ البيتِ و تعب ، و لكن ، و لأنّه كانَ يشعرُ بالاشتياقِ إلى طفولته البعيدةِ هنالك في السّاحة ، اقتربَ قليلاً و ألقى نظرةً آسفةً عليها ، لحظة..

من تلك؟

_"ليلي"

لفظَ أحرفَ اسمها بغيرِ أن يعي ، حاولَ أن يبتسمَ على سبيلِ المجاملة ، لكنّ وجهه اضطربَ و اضطربَ حتّى جمدَ و برد ، لا تستطيعُ رؤيته بدقّةٍ من هذا البعد ، هل تفعل؟

توجّهَ نحوها بغيرِ أن يقدّمَ لنفسه أيّةَ تبريرات ، قطعَ الطّريقَ هرولة ، ثمّ وقفَ أمامها يلهث ، كانَ وجهها مزيّناً بابتسامةٍ واسعة ، و عينين مُضيّقتين ، تبتسمُ و على وشكِ البكاءِ في ذاتِ الآن..

_"إيليا.."

أخفضَ بصرُه قليلاً حتّى حطّ على قدميها الحافيتين ، و ابتسمَ أخيراً ، لم تتغيّر ليلي ، لم تتغيّر برغم أنّ كلّ شيءٍ من حوله اختلفَ و تغيّر ، إلّا هي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة