اختلفَ كلُّ شيء على حديقةِ الزّنبق؛
اختلفَتِ الأمورُ بعدَ أشهر من إعلانِ المقاطعةِ الإجباريّةِ بين ليلي و إيلي ، و ظلّتْ تختلفُ في كلّ فترةٍ حتّى تلوّتِ المشاعرُ و تحوّرتْ بدورها إلى أشكال أُخرى يحاولُ أحدهما تعريفها كلّما مرّ بالآخر ، و لا يحسن؛
في الفترةِ الأولى ، أصبحَ إيلي يعرجُ على صفّها في مناسباتٍ قليلة ، يبادلها أحاديث عاديّةً و يغادر ، لم تكنِ الطّريقةُ ما تزعجُ ليلي ، و إنّما شيءٌ آخر ، كانَتْ تفرحُ لقدومه ، و لم يكن يبدو عليه ذاتُ الأمر ، كانَ كلّما جاءَ يبدو أكثرَ كآبةً و أكثرَ يأساً ، يسألُها عن حالها فقط ، و يقولُ لها جملةً فقدَت معناها مع الوقت
"اشتقتُ إليكِ"
صحيح ، لقَدْ كانَ يشتاقُ إليها في أعماقه ، بيدَ أنّها لم تشعر يوماً بهذا الشّوق ، كانَتْ ترى أنّه فقدَ حماستَه فيما يتعلّقُ برفقتها ، و بدأ يرخي يديه عن الوعودِ الأبديّةِ حتّى نُسيَتْ ، ثمّ تعزّزَ شعورُها في عامه الأخيرِ في الابتدائيّةِ ، حيثُ ازدادَتْ واجباتُه و توسّعَتْ مجموعةُ أصدقائه ، باتَ يعرجُ على صفّها في مناسباتٍ نادرة ، يسلّمُ عليها و يغادر.
ما عادَتْ هذه اللّقاءاتُ منذُ ذلك الحينِ حادثاً مُهِمّاً لا يستطيعُ أحدهما متابعةَ حياته بغيرها ، بل و أصبحتْ تقتصرُ على مصادفاتٍ سريعةٍ يرتّبها القدر ، إمّا في شارعهم أو أمام المدارس ، يبتسمُ فيها الاثنان لبعضهما و يمضي كلٌّ في سبيله ، كانَ الأمرُ يحدثُ خلسةً عن أهلهما ، و على الرّغمِ من ذلك ، لم يكن بهذه الأهميّة.
و في المقابل ، ما استطاعَتْ ليلي أن تعرّفت إلى غيرِ زينة و زين ، اللّذان ما فارقاها كثيراً حتّى مع كثرةِ النّاسِ حولهما ، كانَ زين يعرّفُها إلى أصدقائه أيضاً و يأخذها للّعبِ معهم ، كانَتْ تشعرُ بالأُلفةِ معهما و كأنّهما من أهلها ، و لكن..
كانَ ظلُّ إيليا مفقوداً في خضمِّ مرورِ هذه السّعادةِ الضّئيلة ، كانَ مكانُ ظلِّه في الأرضِ شاغراً ، و لم تكن تنظرُ إلى سواه من الظّلال.
لقدِ اشتاقَتْ إليه ، بل و تشتاقُ إليه كلّما نظرَتْ إلى الحديقة ، تشتاقُ إليه كلّما جلسَتْ و فكّرتْ ، تشعرُ برغبةٍ في سبِّ أهل يارا و حسن و ريّان و أمّها و فاتن و علي و كلِّ هؤلاء معاً ، و تعرفُ أن لا فائدةَ من ذلك على الإطلاق.
و لكن الآن ، و بعدَ أن أصبحَتْ في السّنةِ الإعداديّةِ الثّانية ، يفترضُ بالمخاوفِ أن تهوي ، لقدْ أصبحَتْ كبيرة ، تزوّجَتْ يارا و انشغلَ علي بخطيبته في فرنسا بعض الشّيء ، أبواها في المحلّ و فاتن في مكتبها طوالَ اليوم..
و لكن.. ليسَتْ قادرةً على فعلِ شيء حتّى لو رأته ، يعلقُ لسانُها في جوفِ حلقها كلّما وقفَتْ أمامه ، و وقعَتْ عينُها في عينه ، لا تستطيعُ قولَ شيءٍ في وجهه ، تبتسمُ كما يفعل ، و تتمنّى له يوماً سعيداً قبل أن تقفَ و تراقبَه راحلاً ، لقَدْ أصبحَ جذّاباً جدّاً ، طويلاً و حلواً ، كانَ يزدادُ حلاوةً ما بين لقاءٍ و آخر ، و ما يزالُ هادئاً و لطيفاً جدّاً ، و هي ، هي ربّما اختلفَتْ ، ليسَتْ تدرك.
تجلسُ وحدها طوالَ اليومِ منذُ أشهر ، تأكلُ وحدها ، تشاهدُ البرامجَ وحدها ، تدرسُ وحدها ، كانتِ الوحدةُ تعنونُ كلّ تفصيلٍ من تفاصيلِ حياتها تقريباً ، و ذلك كانَ خوفها الأكبر..
____
اليومَ هنالك مناسبةٌ خاصّة ، ذكرى ميلادِ ليلي الرّابعة عشرة ، لم تكن لتتذكّرَ لولا اتّصالُ علي الخاصُّ من فرنسا الذّي استمرّ نصفَ ساعة ، هذه نصفُ السّاعةِ الوحيدةِ التّي شعرَتْ فيها بعيدِ ميلادِها ، بقيّةُ اليومِ كانَتْ عاديّة ، روتينيّةً و بسيطة.
كانَتْ وحيدة ، تجلسُ في قلبِ النّافذةِ المفتوحة ، في يدِها دفترُ مذكّراتها الجديدُ و قلم ، و لا شيءَ تكتبُه ، تنظرُ و حسبُ إلى السّاحةِ حيث يلعبُ بعضُ الأطفالِ بالكرة ، و تنتظرُ أن يعودَ إيليا و يلعبَ معهم ، كانَتْ تقسمُ كلّما تمنّت بأنّها ستخرجُ و تلعبُ معهم كيفما كانَ الوضع ، سوف تتخطّى كلّ شيءٍ لأجله ، و لكن..
لقَدْ أصبحَ في الثّانويّةِ الآن ، أصبحَ شابّاً لا يخرجُ للّعبِ ها هنا ، تأخّرَتْ ظروفُكِ كثيراً يا ليلي حتّى تحسّنت ، و ربّما تأخّرَ قرارُكِ و تأخّرت جرأتُكِ حتّى ظهرتْ هكذا ، قالَتْ في نفسها.
غادرَ الأطفالُ بعدَ وقت ، و تركوا في مكانهم علبةً معدنيّةً و غصناً مقطوعاً من إحدى الأشجارِ المحيطة ، و فراغاً هائلاً في قلبِ ليلي ، لم يعد المُؤنسُ الوحيدُ موجوداً ، لقدِ استوحشَ المكانُ أكثرَ فأكثر ، و استوحشَ قلبُها على إثرِ ذلك ، لا تريدُ أن تظلّ وحيدة ، و لكن ما من حلّ..
تركتِ المفكّرةَ في النّافذة ، و قفزَتْ إلى الخارجِ كما طالما كانَتْ تفعل ، لامسَتْ العشبَ الطّريّ الرّطبَ بقدميها الحافيتين ، كما كانَتْ تفعلُ في أيّامِ الطّفولةِ البعيدة ، أعادَ هذا الحدثُ إلى جسدها الرّعشةَ و حسّ المغامرةِ الأولى في السّاحة ، عندما كانَتْ مع يارا ، و ركضَتْ كما فعلَتْ في تلك المرّة ، في ناحيةِ الصّخور ، و لكن ما من أحدٍ هنالك في هذه المرّة ، المكانُ فارغٌ فراغَ حياتها
_"يا إيليا"
نادَتْ بصوتٍ خفيض ، علّها تراه هنا أو هناك ، لم يكن في مكان ، كانَ في قلبها فقط.
جلسَتْ فوق الصّخور ، و أخذتْ تتأمّلُ أسرابَ الغيوم ، ربّما هو يتأمّلُ كمثلها الآن ، فهو يُحِبُّ الغيمَ الزّائرَ قبلَ الغروب ، كانَ يقولُ أنّ له ألواناً من فتون ، ليسَ في غيره من الخلق.
تذكرُ عنه هذه التّفاصيل بعناية ، كما تذكرُ أنّه يُحِبُّ اللّغةَ كثيراً ، ضليعاً فيها سواء في المدرسةِ أو في خارجها ، كانَ يقرأُ كثيراً و كانَ أحدَ أفضلِ الطّلّابِ في الإنشاءِ و البحث ، تذكرُ هذه السّمةَ عنه الآن ، دون غيرها.
التفتَتْ نحو المكتبةِ الوحيدةِ في المنطقة ، في أوّلِ شارعِ بيته ، في الجهةِ الأُخرى من الطّريقِ العامّ ، كانَ هنالك أناسٌ يجوبون حولها ، خيالاتهم صغيرةٌ غيرُ واضحة ، ليته يكون؛ أسرّت ، و لم تزد في نجواها أكثرَ لئلّا تتألّمَ كثيراً عندما يخيبُ رجاؤها.
هل سيعودُ إيلي في وقتٍ قريب؟
لا تعرف ، و تخشى أن..
لا ، لا يجبُ أن تخشى أكثر ، لا تريدُ أن تكونَ يارا أُخرى ، ليسَتْ هذه قدوةً يُحتذى بها على أيّةِ حال.
نزلَتْ من فوقِ الصّخر ، و ركضَتْ حافيةً نحو الطّريقِ العامّ ، وقفَتْ عند الرّصيفِ تسترقُ النّظرَ إلى شارعِه ، و لوهلة ، تثاقلَ الوقتُ في مضيِّه ، و سكنَ كلّ شيء ، سكوناً عذباً لم تعِ به ، لقَدْ كانَ إيليا فعلاً واحداً من الأطيافِ الحائمةِ أمام المكتبة ، يفصلُ بينهما الشّارعُ العريض ، و سيّاراتٌ سريعة.. و لا تدري ماذا أيضاً..
_"يا إلهي.."
ازدردَتْ ريقها ، و شرعَتْ تستقبلُ انتشارَ السّعادةِ في عروقها بصدرٍ رحب ، لم تكن قادرةً على أن تتحرّكَ أكثر ، كانَتْ تنتظرُ فقط أن يلحظها ، أن يلحظها فقط..
كانَ يحملُ حقيبةً مدرسيّةً على كتفه ، منغمساً في تأمّلِ عنواينِ و أغلفةِ الكتبِ المعروضةِ في واجهةِ المكتبة ، في الواقعِ كانَ يحسبُ كم يحتاجُ لابتياعِ ما يريدُ منها ، و ما إن كانَ سيقدرُ على شراءِ اثنين أو أكثر عندما يستلمُ مصروفه ، يريدُ بضعةَ كتبٍ من سلسلةِ شيرلوك هولمز ، لم يسبق له أن قرأها.
استدارَ رغبةً في الرّحيلِ بعد برهة ، لقَدْ تأخّرَ قليلاً خارجَ البيتِ و تعب ، و لكن ، و لأنّه كانَ يشعرُ بالاشتياقِ إلى طفولته البعيدةِ هنالك في السّاحة ، اقتربَ قليلاً و ألقى نظرةً آسفةً عليها ، لحظة..
من تلك؟
_"ليلي"
لفظَ أحرفَ اسمها بغيرِ أن يعي ، حاولَ أن يبتسمَ على سبيلِ المجاملة ، لكنّ وجهه اضطربَ و اضطربَ حتّى جمدَ و برد ، لا تستطيعُ رؤيته بدقّةٍ من هذا البعد ، هل تفعل؟
توجّهَ نحوها بغيرِ أن يقدّمَ لنفسه أيّةَ تبريرات ، قطعَ الطّريقَ هرولة ، ثمّ وقفَ أمامها يلهث ، كانَ وجهها مزيّناً بابتسامةٍ واسعة ، و عينين مُضيّقتين ، تبتسمُ و على وشكِ البكاءِ في ذاتِ الآن..
_"إيليا.."
أخفضَ بصرُه قليلاً حتّى حطّ على قدميها الحافيتين ، و ابتسمَ أخيراً ، لم تتغيّر ليلي ، لم تتغيّر برغم أنّ كلّ شيءٍ من حوله اختلفَ و تغيّر ، إلّا هي
دلع☆