قرّرَ الطّفلان الاستمتاعَ بالغيثِ فوق الصّخر ، صحيحٌ أنَّه توقّفَ من بعد ما بدأ ، و تأخّرَ قليلاً ، لكنّهما قادران على انتظارِه إلى الأبد ، لا شيءَ يربطُهما في غيرِ مكان ، هما حُرّان هنا ، معاً ، كالعصافير.
الغيومُ متجمّعةٌ فوق رأسيهما ، ملأتِ السّماءَ بوسعها ، و انتشرَ النّورُ في ثناياها على نحوٍ بديع ، بدءاً من الأطرافِ الظّاهرةِ بين المباني على مدِّ النّظر ، وصولاً إلى أعلى نقطةٍ تبان لإيليا عندما يميلُ برأسِه إلى خلفَ و يتأمّل ، يُحِبُّ الغيوم ، و هذا المنظرُ بالذّاتِ مختلف ، رقيق ، عظيم ، و مبهر.
تنهّدَ مبتسماً؛
الوضعُ في البيتِ متوتّرٌ جدّاً ، بسبب خاله على الأكيد ، بيدَ أنّ الطّفلَ في هذه اللّحظةِ غافلٌ عنه ، ليس يرغبُ في تشويهِ واحدةٍ من ألطفِ لحظاتِه ، ليس قادراً على ذلك ، قلبُه الصّغيرُ ما يزالُ غضّاً ، يبحثُ عن النّورِ و ينسى أيّامَ العتمة ، بل قلبُه أخضر ، قادرٌ على استعادةِ النّضرةِ حتّى لو غابَ عنه النّورُ وقتاً.
وضعَتْ ليلي يدَها على يدِه ، فجأة ، فالتفتَ إليها ، كانتِ البنتُ تفكّرُ في درسِ العلوم ، و هو كانَ يفكّرُ فيها ، لا يعرفُ بالضّبطِ ما في رأسِه ، متعلّقٌ بها و به ، بطريقةٍ غيرِ حزينة
_"إيلي ، هل الغيومُ فعلاً من بخارِ الماء؟"
درسُ العلوم؛
لمسَ رأسَها بحنوّ ، و راحَ يربّتُ و يمسحُ على شعرِها من فوقَ إلى آخرِ ضفيرتها الصّغيرة ، كانَ شعرُها ناعماً كيدِه ، ناعماً كقلبيهما معاً ، يُحِبُّ عندما يتلامسان هكذا
_"نعم ، تتبخّرُ المياهُ ثمَّ تصعدُ إلى السّماء و تتكاثفُ على شكلِ غيوم"
_"إذاً.. إذا بخّرنا إبريقَ ماءٍ نصنعُ غيمة؟ و إذا بخّرنا إبريقَ شاي؟ ستصبحُ غيمةَ شاي؟"
ابتسمَ مستلطفاً ، و زادَ في وسعِ ابتسامته بعدما تذكّر ؛ لقَدْ راودته هذه الفكرةُ منذُ وقتٍ طويل ، ربّما مُذْ كانَ في سنِّ ليلي ، و قَدْ سألَ مُعلّمته أيضاً عن كيفيّةِ صنعِ غيومٍ من عصيرِ البرتقالِ أو الأناناس ، و خيّبتْ أمله طبعاً ، أجابته بأنّ ذلك مستحيلٌ و لذلك سببٌ لم يفهمه جيّداً حتّى بعدَما أعادَ التّفكيرَ فيه اليوم ، أخبرته أنّ كثافةَ العصيرِ و السّكّرِ..
لا لن يكمل ، لديه فكرةٌ أفضل
_"نعم ، لكنّها تحتاجُ سحراً يا ليلي"
قطبتِ الطّفلةُ حاجبيها و طأطأتْ رأسها ، كانَتْ ستسألُه أيّ نوعٍ من السّحرِ تحتاج ، بصفته دورايمون ، بيدَ أنّها كتمتِ السّؤال و أغلقَتْ عليه الأبواب ، يقولون في البيتِ أنّ أسئلتها كثيرة ، لذلك تمتنع عن السّؤالِ في الخارج ، حتّى عن سؤالِ المعلّمات
_"انظري ، تلك الغيمةُ تنظرُ إلينا"
وجّهتْ نظرها مع أصابعه ، كانَ هنالك غيمةٌ فيها فراغان يشعّان نوراً ، فشعرَتْ بالرهبة؛ كان جسدُ إيلي يقشعرُّ أيضاً لهذا المنظر ، الغيومُ تراقبُهما كمثل ما يراقبانها ، هل الأمرُ مخيف؟ أم أنّ ذلك هو السّحرُ الذّي تحدّثَ عنه؟
زاغَ نظرُ الطّفلةِ عن الغيمةِ بعد لحظات ، تبحثُ بين الغيومِ عن غيمةٍ مسحورةٍ أُخرى ، ربّما إحداها ستمطرُ عصيراً ، أو مطراً و سُكّراً ، أو شوكولاتةً باردة ، أو شاياً منكّهاً ، ستنتظرُ واحداً من هذه الأمور ، هنا ، إلى قربِ إيلي.
دقَّتْ أجراسُ كنيسةٍ قريبةٍ و هما جالسان ، و خرجَ منادٍ لم يسمع من كلامه إلّا قليل ، تلك دقّاتُ الحدادِ على أحدِ الرّهبان الكبار ، تُوفِّي منذُ وقتٍ قليل ، و سوف تخرجُ جنازتُه.
كانَ الاثنان يفكّران في الدّقّات ، ينصتان و ينظران إلى السّماء ، لم يُفسَح لأحدهما المجالُ لدخولِ هذه الكنيسةِ بالذّات ، ليس بسببِ أحد الرّهبان أو العاملين هناك ، و إنّما بسبب الأهل و إيلي يعرفُ الأمر جيّداً ، لا يمكنُ أن ينسى بخاصّةٍ و أنّ هذا التّفسيرَ بالذّاتِ ينطبقُ أيضاً على بعضِ مشاكله مع خاله ، بينما ليلي لا تفعل ، لا تعرفُ لماذا لا يأخذها أحدٌ لرؤيةِ الأجراس ، و لا تُحِبُّ عندما يحدثُ هذا.
تنهّدَ إيلي ، و ألقى نظرةً جديدةً على السّماء ، مُفعمةً بروحٍ جديدةٍ مُحبّة ، اللّٰه قريب ، قريبٌ قريب ، لا ينظرُ إليه كما يفعلُ كلُّ هؤلاء النّاس ، ليس كمثلهم
_"سيأتي المطرُ قريباً ، هل أنتِ جاهزةٌ للّعب؟"
_"مطرٌ و سُكّر!"
توقّفَ ذهنُه للحظةٍ عندَ هذا التّعبير ، مطرٌ و سُكّر ، في العادةِ يكونُ للمطرِ طعمٌ مالح ، أو لا يكونُ له طعمٌ أبداً ، لماذا يمكنُ أن تنتظرَ ليلي المطرَ مع السّكّرِ اليومَ بالذّات؟
_"مطرٌ و سُكّر؟"
_"إذا كانَ في المطرِ سكّرٌ سيصبحُ مطراً حلواً"
_"المطرُ حلوٌ بدون سُكّرٍ ليلي ، لا تحتاجُ كلّ الأشياءِ سكّراً لتصبحَ حلوة"
ربّتَ على رأسِها من جديد ، و نظرَ في عينيها ، في بريقِ عينيها الذّي يستعظمُ كلماته ، تخالُه مُهِمّاً و ذكيّاً جدّاً ، بل و تخالُه بطلاً ، و هو يتلذّذُ بخيالها هذا ، ليس مزيّفاً ، سيصبحُ بطلاً لأجلها.
و في لحظةٍ ما ، انهمرَ المطرُ على رأسيهما دون سابقِ إنذار ، مطرٌ غزيرٌ ترافقَ بعتمةٍ مباغتة ، جعلتهما يضحكان و هما يهربان و يركضان هنا و هناك ، و يقعان في بركةِ الوحلِ حديثةِ التّشكّل ، المطرُ الموسميُّ ترافقَ في هذه المرّةِ مع السّكّر
مطرٌ و سكّر ، بغيرِ سُكّر
...
إنّها تمطرُ الآن يا كتابي ،
كيومِ كنّا في السّاحةِ هناك ، كنّا نتحدّثُ عن المطرِ و السّكّر ، و نتراكضُ بين السّماءِ و الأرض ، كنتُ أشعرُ أنّنا عصافيرُ يغدقُها الرّبُّ بمحبّته ، و يحميها عن كلِّ ما يدورُ حولها من أحداث.
كانَتْ وفاةُ البابا تعلنُ في أرجاءِ المدينةِ بوساطةِ عدّةِ منادين ، ثمّ أضحى تأجيلُ الجنازةِ ريثما يهدأ المطرُ هو الخبر ، و لم نكن نحن نسمعُ شيئاً من كلّ تلك الأفكارِ سوى ضحكاتنا و وقع المطر ، و دقّاتِ قلبينا الصّاخبةِ في ظلِّ هذه الضّجّةِ المثاليّة؛
المدينةُ كانَ نصفُها في حداد ، و نصفُها الآخرُ أغلبُه كانَ شارداً في الأمر ، و الجزءُ الأخيرُ المتبقّي كانَ و مع كاملِ الأسف ، يسخر ، لا أدري كيف.
و لكن نحن ، كنّا خارج كلّ هذه الأسرابِ جميعاً ، كنّا في عالمنا الصّغير ، صحيحٌ أنّنا قضينا الأيّامَ اللّاحقةَ بين العقابِ و المرضِ و المشكلات ، لكنّنا كلّما تذكّرنا ذلك المطرَ السّعيد ، كلّما ابتسمنا ، و كلّما رغبنا في إعادةِ الأمرِ و كأنّ ما تلاه لم يكن.
لا يُهِمُّ الآن ، و لكن ، و لو سنحتِ الفرصةُ من جديد ، أريدُ أن ألعبَ مع إيليا تحت المطر ، حتّى لو كانَ علي بنفسه سيعاقبني ، لا فرق لديّ.
مررتُ اليومَ على محلِّ زهورٍ يعملُ فيه تيم ، لأتّفقَ معه في شأنِ زفافِ أختي فاتن ، أوصلني زين و غادرَ إلى منزله ، في الواقعِ وددتُ لو يظلُّ قليلاً معي لئلّا أظلّ وحيدة ، بيد أنّني لم أجرؤ على طلبِ ذلك ، تركتُه يرحل.
حتّى تيم قَدْ سألني عنه بطريقةٍ معيّنةٍ ما كانَتْ مريحةً على الإطلاق ، كانَ يسألُ لأجلِ إيليا ، و قَدْ أثبتَ لي ذلك بعد برهة ، لا يُهِمُّ الآن ، المهمُّ أنّني أفلتُّ من السّؤالِ بأقلّ الخسائر.
تيم موهوبٌ جدّاً في صناعةِ الباقاتِ و تنسيقها ، أردتُ أن أهدي فاتناً شيئاً من شغله ، علّنا نسعدُ قليلاً بهذا الزّفاف ، أو علّها على الأقلِّ تخالني سعيدةً بها.
ربّما إيليا سيكونُ فيه ، يُفترَضُ أن يكون ، و مع أنّ ما جمع العروسين اليوم فرّقنا من قبل ، بيدَ أنّني سأسعدُ لأجلِ أختي حتّى لو كانَ هذا السّعدُ مزيّفاً ، نعم.
أصبحَ الأمرُ في حاجةٍ إلى سكّر يا إيلي..
صحيح ، علي هنا ، و مزاجُه ليس أحسنَ ما يكون ، سأذهبُ لأجلسَ معه الآن ، أراكَ لاحقاً يا كتابي
دلع☆