الرّابع من بعد العشرين

الرّابع من بعد العشرين

94 0

قرّرَ الطّفلان الاستمتاعَ بالغيثِ فوق الصّخر ، صحيحٌ أنَّه توقّفَ من بعد ما بدأ ، و تأخّرَ قليلاً ، لكنّهما قادران على انتظارِه إلى الأبد ، لا شيءَ يربطُهما في غيرِ مكان ، هما حُرّان هنا ، معاً ، كالعصافير.

الغيومُ متجمّعةٌ فوق رأسيهما ، ملأتِ السّماءَ بوسعها ، و انتشرَ النّورُ في ثناياها على نحوٍ بديع ، بدءاً من الأطرافِ الظّاهرةِ بين المباني على مدِّ النّظر ، وصولاً إلى أعلى نقطةٍ تبان لإيليا عندما يميلُ برأسِه إلى خلفَ و يتأمّل ، يُحِبُّ الغيوم ، و هذا المنظرُ بالذّاتِ مختلف ، رقيق ، عظيم ، و مبهر.

تنهّدَ مبتسماً؛

الوضعُ في البيتِ متوتّرٌ جدّاً ، بسبب خاله على الأكيد ، بيدَ أنّ الطّفلَ في هذه اللّحظةِ غافلٌ عنه ، ليس يرغبُ في تشويهِ واحدةٍ من ألطفِ لحظاتِه ، ليس قادراً على ذلك ، قلبُه الصّغيرُ ما يزالُ غضّاً ، يبحثُ عن النّورِ و ينسى أيّامَ العتمة ، بل قلبُه أخضر ، قادرٌ على استعادةِ النّضرةِ حتّى لو غابَ عنه النّورُ وقتاً.

وضعَتْ ليلي يدَها على يدِه ، فجأة ، فالتفتَ إليها ، كانتِ البنتُ تفكّرُ في درسِ العلوم ، و هو كانَ يفكّرُ فيها ، لا يعرفُ بالضّبطِ ما في رأسِه ، متعلّقٌ بها و به ، بطريقةٍ غيرِ حزينة

_"إيلي ، هل الغيومُ فعلاً من بخارِ الماء؟"

درسُ العلوم؛

لمسَ رأسَها بحنوّ ، و راحَ يربّتُ و يمسحُ على شعرِها من فوقَ إلى آخرِ ضفيرتها الصّغيرة ، كانَ شعرُها ناعماً كيدِه ، ناعماً كقلبيهما معاً ، يُحِبُّ عندما يتلامسان هكذا

_"نعم ، تتبخّرُ المياهُ ثمَّ تصعدُ إلى السّماء و تتكاثفُ على شكلِ غيوم"

_"إذاً.. إذا بخّرنا إبريقَ ماءٍ نصنعُ غيمة؟ و إذا بخّرنا إبريقَ شاي؟ ستصبحُ غيمةَ شاي؟"

ابتسمَ مستلطفاً ، و زادَ في وسعِ ابتسامته بعدما تذكّر ؛ لقَدْ راودته هذه الفكرةُ منذُ وقتٍ طويل ، ربّما مُذْ كانَ في سنِّ ليلي ، و قَدْ سألَ مُعلّمته أيضاً عن كيفيّةِ صنعِ غيومٍ من عصيرِ البرتقالِ أو الأناناس ، و خيّبتْ أمله طبعاً ، أجابته بأنّ ذلك مستحيلٌ و لذلك سببٌ لم يفهمه جيّداً حتّى بعدَما أعادَ التّفكيرَ فيه اليوم ، أخبرته أنّ كثافةَ العصيرِ و السّكّرِ..

لا لن يكمل ، لديه فكرةٌ أفضل

_"نعم ، لكنّها تحتاجُ سحراً يا ليلي"

قطبتِ الطّفلةُ حاجبيها و طأطأتْ رأسها ، كانَتْ ستسألُه أيّ نوعٍ من السّحرِ تحتاج ، بصفته دورايمون ، بيدَ أنّها كتمتِ السّؤال و أغلقَتْ عليه الأبواب ، يقولون في البيتِ أنّ أسئلتها كثيرة ، لذلك تمتنع عن السّؤالِ في الخارج ، حتّى عن سؤالِ المعلّمات

1

_"انظري ، تلك الغيمةُ تنظرُ إلينا"

وجّهتْ نظرها مع أصابعه ، كانَ هنالك غيمةٌ فيها فراغان يشعّان نوراً ، فشعرَتْ بالرهبة؛ كان جسدُ إيلي يقشعرُّ أيضاً لهذا المنظر ، الغيومُ تراقبُهما كمثل ما يراقبانها ، هل الأمرُ مخيف؟ أم أنّ ذلك هو السّحرُ الذّي تحدّثَ عنه؟

زاغَ نظرُ الطّفلةِ عن الغيمةِ بعد لحظات ، تبحثُ بين الغيومِ عن غيمةٍ مسحورةٍ أُخرى ، ربّما إحداها ستمطرُ عصيراً ، أو مطراً و سُكّراً ، أو شوكولاتةً باردة ، أو شاياً منكّهاً ، ستنتظرُ واحداً من هذه الأمور ، هنا ، إلى قربِ إيلي.

1

دقَّتْ أجراسُ كنيسةٍ قريبةٍ و هما جالسان ، و خرجَ منادٍ لم يسمع من كلامه إلّا قليل ، تلك دقّاتُ الحدادِ على أحدِ الرّهبان الكبار ، تُوفِّي منذُ وقتٍ قليل ، و سوف تخرجُ جنازتُه.

1

كانَ الاثنان يفكّران في الدّقّات ، ينصتان و ينظران إلى السّماء ، لم يُفسَح لأحدهما المجالُ لدخولِ هذه الكنيسةِ بالذّات ، ليس بسببِ أحد الرّهبان أو العاملين هناك ، و إنّما بسبب الأهل و إيلي يعرفُ الأمر جيّداً ، لا يمكنُ أن ينسى بخاصّةٍ و أنّ هذا التّفسيرَ بالذّاتِ ينطبقُ أيضاً على بعضِ مشاكله مع خاله ، بينما ليلي لا تفعل ، لا تعرفُ لماذا لا يأخذها أحدٌ لرؤيةِ الأجراس ، و لا تُحِبُّ عندما يحدثُ هذا.

تنهّدَ إيلي ، و ألقى نظرةً جديدةً على السّماء ، مُفعمةً بروحٍ جديدةٍ مُحبّة ، اللّٰه قريب ، قريبٌ قريب ، لا ينظرُ إليه كما يفعلُ كلُّ هؤلاء النّاس ، ليس كمثلهم

_"سيأتي المطرُ قريباً ، هل أنتِ جاهزةٌ للّعب؟"

_"مطرٌ و سُكّر!"

توقّفَ ذهنُه للحظةٍ عندَ هذا التّعبير ، مطرٌ و سُكّر ، في العادةِ يكونُ للمطرِ طعمٌ مالح ، أو لا يكونُ له طعمٌ أبداً ، لماذا يمكنُ أن تنتظرَ ليلي المطرَ مع السّكّرِ اليومَ بالذّات؟

_"مطرٌ و سُكّر؟"

_"إذا كانَ في المطرِ سكّرٌ سيصبحُ مطراً حلواً"

_"المطرُ حلوٌ بدون سُكّرٍ ليلي ، لا تحتاجُ كلّ الأشياءِ سكّراً لتصبحَ حلوة"

1

ربّتَ على رأسِها من جديد ، و نظرَ في عينيها ، في بريقِ عينيها الذّي يستعظمُ كلماته ، تخالُه مُهِمّاً و ذكيّاً جدّاً ، بل و تخالُه بطلاً ، و هو يتلذّذُ بخيالها هذا ، ليس مزيّفاً ، سيصبحُ بطلاً لأجلها.

و في لحظةٍ ما ، انهمرَ المطرُ على رأسيهما دون سابقِ إنذار ، مطرٌ غزيرٌ ترافقَ بعتمةٍ مباغتة ، جعلتهما يضحكان و هما يهربان و يركضان هنا و هناك ، و يقعان في بركةِ الوحلِ حديثةِ التّشكّل ، المطرُ الموسميُّ ترافقَ في هذه المرّةِ مع السّكّر

مطرٌ و سكّر ، بغيرِ سُكّر

...

إنّها تمطرُ الآن يا كتابي ،

كيومِ كنّا في السّاحةِ هناك ، كنّا نتحدّثُ عن المطرِ و السّكّر ، و نتراكضُ بين السّماءِ و الأرض ، كنتُ أشعرُ أنّنا عصافيرُ يغدقُها الرّبُّ بمحبّته ، و يحميها عن كلِّ ما يدورُ حولها من أحداث.

كانَتْ وفاةُ البابا تعلنُ في أرجاءِ المدينةِ بوساطةِ عدّةِ منادين ، ثمّ أضحى تأجيلُ الجنازةِ ريثما يهدأ المطرُ هو الخبر ، و لم نكن نحن نسمعُ شيئاً من كلّ تلك الأفكارِ سوى ضحكاتنا و وقع المطر ، و دقّاتِ قلبينا الصّاخبةِ في ظلِّ هذه الضّجّةِ المثاليّة؛

المدينةُ كانَ نصفُها في حداد ، و نصفُها الآخرُ أغلبُه كانَ شارداً في الأمر ، و الجزءُ الأخيرُ المتبقّي كانَ و مع كاملِ الأسف ، يسخر ، لا أدري كيف.

و لكن نحن ، كنّا خارج كلّ هذه الأسرابِ جميعاً ، كنّا في عالمنا الصّغير ، صحيحٌ أنّنا قضينا الأيّامَ اللّاحقةَ بين العقابِ و المرضِ و المشكلات ، لكنّنا كلّما تذكّرنا ذلك المطرَ السّعيد ، كلّما ابتسمنا ، و كلّما رغبنا في إعادةِ الأمرِ و كأنّ ما تلاه لم يكن.

لا يُهِمُّ الآن ، و لكن ، و لو سنحتِ الفرصةُ من جديد ، أريدُ أن ألعبَ مع إيليا تحت المطر ، حتّى لو كانَ علي بنفسه سيعاقبني ، لا فرق لديّ.

مررتُ اليومَ على محلِّ زهورٍ يعملُ فيه تيم ، لأتّفقَ معه في شأنِ زفافِ أختي فاتن ، أوصلني زين و غادرَ إلى منزله ، في الواقعِ وددتُ لو يظلُّ قليلاً معي لئلّا أظلّ وحيدة ، بيد أنّني لم أجرؤ على طلبِ ذلك ، تركتُه يرحل.

حتّى تيم قَدْ سألني عنه بطريقةٍ معيّنةٍ ما كانَتْ مريحةً على الإطلاق ، كانَ يسألُ لأجلِ إيليا ، و قَدْ أثبتَ لي ذلك بعد برهة ، لا يُهِمُّ الآن ، المهمُّ أنّني أفلتُّ من السّؤالِ بأقلّ الخسائر.

تيم موهوبٌ جدّاً في صناعةِ الباقاتِ و تنسيقها ، أردتُ أن أهدي فاتناً شيئاً من شغله ، علّنا نسعدُ قليلاً بهذا الزّفاف ، أو علّها على الأقلِّ تخالني سعيدةً بها.

ربّما إيليا سيكونُ فيه ، يُفترَضُ أن يكون ، و مع أنّ ما جمع العروسين اليوم فرّقنا من قبل ، بيدَ أنّني سأسعدُ لأجلِ أختي حتّى لو كانَ هذا السّعدُ مزيّفاً ، نعم.

أصبحَ الأمرُ في حاجةٍ إلى سكّر يا إيلي..

صحيح ، علي هنا ، و مزاجُه ليس أحسنَ ما يكون ، سأذهبُ لأجلسَ معه الآن ، أراكَ لاحقاً يا كتابي

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حديقةُ الزّنبق

المؤلف دلع☆⁩
2025/07/19 مكتملة
قائمة الفصول (57)
الفصل 01: الأوّل
2025/07/19
الفصل 18: الثّامن عشر
2025/07/20
الفصل 17: السّابعُ عشر
2025/07/20
الفصل 16: السّادس عشر
2025/07/20
الفصل 15: الخامس عشر
2025/07/20
الفصل 14: الرّابع عشر
2025/07/20
الفصل 13: الثّالث عشر
2025/07/20
الفصل 12: الثّاني عشر
2025/07/20
الفصل 11: الحادي عشر
2025/07/20
الفصل 10: العاشر
2025/07/19
الفصل 09: التّاسع
2025/07/19
الفصل 08: الثّامن
2025/07/19
الفصل 07: السّابع
2025/07/19
الفصل 06: السّادس
2025/07/19
الفصل 05: الخامس
2025/07/19
الفصل 04: الرّابع
2025/07/19
الفصل 03: الثّالث
2025/07/19
الفصل 02: الثّاني
2025/07/19
الفصل 19: التّاسع عشر
2025/07/22
الفصل 20: العشرون
2025/07/22
الفصل 21: الأوّل من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 22: الثّاني من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 23: الثّالث من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 24: الرّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 25: الخامسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 26: السّادسُ من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 27: السّابع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 28: الثّامن من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 29: التّاسع من بعد العشرين
2025/07/22
الفصل 30: الثّلاثون
2025/07/22
الفصل 31: الأوّل من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 32: الثّاني من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 33: الثّالث من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 34: الرّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/22
الفصل 35: الخامس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 36: السّادس من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 37: السّابع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 38: الثّامن من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 39: التّاسع من بعد الثّلاثين
2025/07/23
الفصل 40: الأربعون
2025/07/23
الفصل 41: الأوّل من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 42: الثّاني من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 43: الثّالث من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 44: الرّابع من بعد الأربعين
2025/07/23
الفصل 45: الخامس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 46: السّادس من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 47: السّابع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 48: الثّامن من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 49: التّاسع من بعد الأربعين
2025/07/24
الفصل 50: الخمسون
2025/07/24
الفصل 51: الأوّلُ من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 52: الثّاني من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 53: الثّالث من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 54: الرّابع من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 55: الخامسُ من بعدِ الخمسين
2025/07/25
الفصل 56: السّادس من بعد الخمسين
2025/07/25
الفصل 57: الأخير
2025/07/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة