اليومُ المنشود ، يومُ ولادةِ أوّلِ سعادةٍ مشتركةٍ ما بين ثلاثةِ بيوتٍ صغيرةٍ بسيطة ، بيتِ حسن و يارا و بيتي أهلهما ، بعدَ كلِّ المشكلاتِ التّي مرّتْ بها هذه البيوت ، و الجفاءِ و العودةِ و المناسباتِ و الأتراح ، كانَتِ العلاقةُ بينهم متوازنة على الرّغمِ من كلِّ شيء ، و اليومَ ستثمرُ بأوّلِ حفيدٍ في العائلتين و أوّلِ طفلٍ للثّنائيّ ، علي الأصغر.
ليلي في الصّفِّ ما تزال ، معلّمُ الحصّةِ الأخيرةِ خرجَ لحدثٍ طارئ ، و تبقّى على انتظارها الذّي لا ينتهي نصفُ ساعة ، تنتظرُ بفارغِ الصّبر ، و تلهي النّفسَ بشتمِ المدرسةِ و الدّروسِ و الطّلّابِ و أختها التّي لم يعجبها أن تلدَ إلّا في يومِ دوام ، تريدُ فقط الذّهابَ للقاءِ علي الصّغيرِ في المستشفى ، لكنّ الوقتَ لا يمضي.
التفتتْ إلى خلف ، رأتِ البنتَ التّي تجلسُ إلى قربها في العادةِ واقفةً مع مجموعة ، كانَتْ تضحكُ و تنظرُ إليها ، و عندما وقعتْ عينها في مرمى نظرِ ليلي ، ارتبكت ، حاولتْ أن تدّعي أنّ الأمرَ تمّ بالصّدفة ، كانَتْ تسخرُ منها ، هذا واضح.
بحثَتْ من جديد ، نظرتْ نحو زين الجالسِ في المقعدِ الأخير ، كانَ وحيداً اليوم ، يحدّقُ في دفتره و العبوسُ واضحٌ جليّاً في وجهه ، ما خطبُه؟ لا تتذكّرُ أنّ مشكلةً جديدةً قَدْ حدثتْ معه ، بعدَ قصّتهما الأخيرةِ منذُ أسبوعٍ في محلِّ أبيها ، لم يحدث و تواصلا حتّى.
نهضَتْ سريعاً ، لملمتْ أغراضَها و توجّهتْ بها إلى آخرِ الصّفّ ، زين أفضلُ من تلك الحيزبونِ مهما كانَ غبيّاً و معتوهاً ، تعرفُ على الأقلِّ كيف تتعاملُ معه و مع تقلّباتِ مزاجه ، و تفهمُه ، تظنُّ ذلك
_"مرحباً"
رفعَ رأسه نحوها ، ثمّ نحو أغراضِها الململمةِ بفوضويّة ، فهمَ الأمرَ بسرعة ، جمعَ أقلامَه في جانب ، و أزاحَ مجلسه قليلاً حتّى يفسحَ مجالاً لها ، و بالفعل ، جلسَتْ إلى جانبِه و وضعَتْ ما تحملُ على الطّاولة ، تبقّى بعضُ الوقتِ للانصراف ، لا يعرفُ لماذا جاءتِ الآن ، و لا يظنُّ أنّها ستبقى دائماً هنا ، كانَ يتمنّى
_"كيف حالُك؟ هل شُفيَتْ ساقُك؟"
_"بخير"
أجابَ باقتضابٍ و بغيرِ أن ينظرَ إليها ، أحسَّتْ بأنّها غيرُ مُرحّبٍ بها إلى قربِه ، ربّما بالضّيق ، بالغُربة ، أضحَتْ غريبةً عمّن كانَ مُؤنسِها الوحيدَ في أصعبِ أيّامِ حياتها.
أرادَتْ أن تنهض ، عدّةَ مرّات ، لكنّها لم تفعل ، ظلّتْ جالسةً في مكانها تراقبُ تحرّكاته ، لماذا أصبحَ فظّاً معها فجأة؟
_"لا زلتَ منزعجاً؟ ولد"
_"أنا هكذا ، جِدي صديقاً جديداً إن لم أعجبكِ"
حدّقَتْ في وجهه الغاضبِ لبرهة ، برهةٍ لم تبلغ أن جعلته يندمُ على ما قال ، كانَتْ نزعةُ الدّفاعِ فالهجومِ لديه مستلمةً زمامَ الأمور ، و الرّدُّ لديه تلقائيّ؛
كلُّ ما يعوقه عن إيجادِ الحلّ ظنُّه أنّها قَدْ تغيّرتْ في معاملته مُذْ عادَتْ و قابلَتْ صديقها الملعون ذاك ، كم يرغبُ في مقابلته هو الآخر ، ليس محبّةً فيه طبعاً ، لديه أفكارٌ أُخرى
_"فهمت"
همسَتْ ، ثمّ بغتةً نهضَتْ و راحَتْ تلملمُ الأغراضَ التّي بعثرتها على الطّاولةِ قبلَ وقت ، كانَ يتابعُ تحرّكاتها جامدَ الوجه ، يبتلعُ ريقَه بين الهنيهةِ و الأُخرى ، يريدُ أن يشرحَ الأمرَ و يغيّرَ كلامه ، لكنّ كبرياءه كانَ يردعه ، كانَ يكتمُ صوتَه ، و كانَ التّأسّفُ عالقاً في جوفِ حلقه ، لا يخرجُ و لا يعود ، و يكادُ يخنقُه
_"ما.."
أغمضَ عينيه ، و تراخى جسدُه مع شعورِه بالعجزِ أكثرَ فأكثر ، لم يستطع أن يسألها ، أضحى حاقداً على نفسه ، لا يريدُها أن تغادر ، و لا تسمحُ له نفسُه باستيقافها..
ماذا سيفعل؟ ربّما تكونُ هذه نقطةُ نهايةٍ في صداقتهما ، أو نقطةَ تغيير ، هو لا يُحَبّذُ النّظرَ إلى الأمام في العادة ، لكنَّه اليومَ خائفٌ ممّا ينتظرُه ، و يحاولُ أن يسوسه بكلّ قدرته ، و لا يقدر.
غادرَتْ بسكينة ، توجّهَتْ إلى مقعدها القديمِ بغيةِ الاستقرارِ هنالك ريثما يرنّ جرسُ نهايةِ اليوم ، و سكنتْ عن كلّ شيءٍ حتّى الحركة
_"شباب ، فُتِحَ الباب"
صاحَ أحدُ الطّلّابِ في الممرّ ، فلملمتْ ليلي أغراضها و على عجلةٍ تبعته ، كانَتِ الوحيدةَ التّي خرجَتْ مبكّراً هكذا ، لم تعد تريدُ انتظارَ الجرسِ أكثرَ من ذلك ، صبرُها أقلُّ بكثيرٍ من أن يكفي نصفَ ساعة ، أو عشرين دقيقة ، هذه ليلي.
خابرت شكلاً من الحريّةِ ما إن وطئتْ خارج الصّفّ ، و كأنّها عصفورٌ خُلِعَ قفلُ قفصه ، تنفّستْ بعمق ، مدّدتْ أطرافها في الهواءِ قليلاً ، ثمَّ انطلقَتْ في ممرّاتِ السّجنِ المؤقّتِ بأقصى سرعتها ، على الرّغمِ من أنّ ذلك ممنوعٌ و سيوقعُها في مشكلةٍ لو كُشِفَتْ ، غيرَ أنّها لا تأبهُ بالعواقبِ ما لم تقع ، و كالعادة ، انتهى الأمرُ بهدوءٍ و ما وقعَ شيء ، نزلتِ الدّرجات ، وصلَتْ إلى السّاحةِ و منها جرَتْ إلى بوّابةِ الانصرافِ دون أن يشعرَ بها أحد ، و أصبحَتْ حُرّةٍ بشكلٍ رسميّ الآن ، حرّةً من الدّوامِ البغيض
_"مرحى!"
نادَتْ بصوتٍ عالٍ ، و وضعَتْ ساقاً أمامَ الأُخرى ، بدأتْ تعدُّ و تتجهّزُ للرّكضِ إلى الأمام ، يقضي الاتّفاقُ بأن تلتقي بأبيها في متجره ، ثمّ يغادران معاً في اتّجاهِ المُستشفى ، حيث علي الصّغيرُ نائمٌ بسلام ، و حيث ستعلنُ نفسها خالةً منذ الآن ، لا تطيقُ صبراً!
"خمسة.. أربعة.. ثلاثة.."
_"صغيرة!"
سمعَتْ صوتَه قبلما أكملتِ العدّ ، فاعتدلَتْ في وقفتها ، و مالَتْ برأسها قليلاً نحوه ، كانَ يقفُ أمام البوّابة ، يحملُ حقيبته كيفما اتّفق ، وجهُه مكسيٌّ بحمرةٍ طفيفةٍ و صدرُه مضطربٌ لكثرةِ اللّهاث ، لقَدْ ركضَ وراءها طوالَ الطّريق ، هي تعرف ، و تثقُ أيضاً بأنَّه سيدّعي مصادفتها ها هنا ، و أنّ فكرةَ اللّحاقِ بها لم تخطر له ببال ، تعرفُه جيّداً.
استدارَتْ أخيراً ، ضمّتْ ساعديها إلى صدرها و انتظرَتْه ، هي منزعجةٌ قليلاً منه ، غيرَ أنّها لا تخفي سعادتها بقدومه الآن
_"ماذا تريد؟"
ازدردَ ريقه ، و استعجلَ المسيرَ نحوها ، كانَ يحاولُ أن يحيكَ شيئاً من الكلامِ في رأسِه مع كلِّ خطوة ، و مع كلِّ خطوة ، يندثرُ كلُّ شيءٍ سبقَ له أن حاكه ، بيدَ أنّه لم يتراجع ، لن يرتكبَ حماقةً أكبرَ ممّا ارتكبَ بصمته منذ قليل.
و عندما وقفَ أمامها ، و قابلَ وجهها الفاترَ المنزعج ، ولّى كلُّ شيءٍ و ما عادَ في الإمكانِ استحضارُ غيرِه ، اختفتْ كلُّ فكرةٍ و كلُّ ما يمكنُ أن يجمعه في رأسه ، ماذا سيفعل؟
نعم نعم! لديه ما يقول!
_"لم.. أنا.. في.."
أغمضَ عينيه بعد برهة ، و عضَّ على شفته السّفليّةِ بحنق ، لم يخرجِ الكلامُ من فمه مهما حاولَ و أعادَ الكرّة ، هو يريدُ أن يعتذر ، أو أن يسألها العودةَ للجلوسِ معه ، أو حتّى أن يمشي معها في طريقِ العودة ، لكنّه لم يستطع لفظَ شيءٍ من ذلك ، حتّى غضبَ على نفسه و عليها بغيرِ أن يعي ، و التزمَ أسلوباً جديداً في الكلام
_"لماذا أنتِ هكذا!؟"
_"أنا هكذا ، جد صديقةً أُخرى إن لم أعجبك"
ادّعتْ أنّها تلتفتُ إلى طريقِ المغادرة ، و لم تسرع ، لأنّها تعرفُ غباءَه عندما ينفعل.
و بالفعل ، تصرّفَ بحسبِ ما أخبرَه عقلُه الصّغير ، أمسكَ حقيبتَها و شدَّها إلى خلف بانفعال ، و لعزمِ قوّتِه فقدَت توازنها ، كادَ يوقعها بغبائه أرضاً لولا أسرعَ إسنادَها إليه من خلف.
حاولَتْ أن تستوعبَ ما فعلَ لمدّةِ دقيقتين ، و عندما فعلَتْ ، استدارَتْ إليه و أخذتْ تلكمُه حيثما بلغتْ يدُها ، لقَدْ بالغَ زين في هذه المرّة ، فعلاً
_"أنتَ غبيّ و وقحٌ و أحمق!"
_"استمعي إليّ!"
صرخَ فيها ، و سكتتْ ، ليس تبعاً لأوامره ، و لكن لأنّ طاقتها قدِ استُشفَّتْ على آخرها ، لم تعد قادرةً على ضربه أو الصّراخِ في وجهه ، وقفَتْ أمامه و أخذتْ تراقبُه ، فحسب
_"أنا آسفٌ حسناً!؟"
_"يجبُ أن أقيم الاحتفالاتِ لكثرةِ فرحتي!"
_"اسمعي! أعرفُ أنّني تغابيت و أتغابى! و لكنّني لا أستطيعُ أن أتوقّفَ إن لم تساعديني!"
حسناً حسناً ، هذا شيءٌ جديدٌ تماماً.
التقطَتْ نفساً عميقاً ، و حرّرته على هيئةِ تنهيدةٍ حارّة ، هي كذلك غاضبةٌ عليه ، بل و تشتعلُ غضباً ، بيدَ أنّها لا يمكنُ أن تتصوّرَ نفسها راحلة ، هذا صديقُ العمر ، و قَدْ مرّتْ معه بعشراتِ المشكلاتِ من قبل ، كما قَدْ وقفَ بجانبها كثيراً ، أكثرَ من أختيها ، من يخسرُ شخصاً كمثله فقط لأجلِ خلافٍ ما؟
_"ماذا تريد أن تقول؟"
_"لا أريدُ أن أخسركِ يا معتوهة ، ابقي إلى جانبي فقط"
مدَّ يدَه في ناحيتها يقصدُ المصافحة و نظرَ في عينيها مباشرةً ، كانَتْ قَدْ هدأتْ قبل ذلك بقليل ، و اطمأنّ قلبُ زين لرؤيةِ هذا الهدوء
_"صافٍ؟"
_"صافٍ"
دلع☆