بعدَ سنتين..
هذه سنةُ ليلي الأُولى في الثّانويّة ، و سنةُ إيليا الأُولى في الجامعة ، ليلي تدرسُ مع وين ، مُجدّداً ، في ذاتِ الصّفِّ و ذاتِ المدرسة ، و إيليا أضحى يدرسُ الأدب ، أخبرَها أنّه يُحِبُّه ، يُحِبُّ الرّوايةَ و الشّعرَ و المسرح و الدراما و كلّ ما له علاقةٌ بالآداب ، لكنّه لا يطيقُ الكليّةَ و لا موادها ، لا يطيقُ الطّلّابَ و لا الأساتذة ، عدا تيم طبعاً ، أخبرها أنّه على شفا أصعبِ أربعِ سنواتٍ في حياته ، و هي ابتسمَتْ لتهوّنَ عليه ، و أخبرته أنّها ستلحقُه إلى هناك لتصلحَ الأمر ، لقَدْ أعجبه الاتّفاقُ في البداية ، نعم ، ليلي معه في ذاتِ الكليّة ، أو في ذاتِ الجامعةِ على الأقلّ ، سيستطيعُ رؤيتها بين الفينةِ و الأُخرى و سينسى كلّ شيءٍ ما إن يفعل ، المواد و العلامات و كلّ شيء ، و لكن ، و مع التّحسّرِ و الضّجر ، أدركَ أنّها لن تصلَ قبلَ سنته الأخيرة ، هذا لو قُبِلَتْ في الجامعةِ و لم تتوجّه إلى مدينةٍ أُخرى أو مجالاتٍ مختلفة ، كانَ مستاء ، و أصبحَ مستاءً أكثر.
كانَ يزورُ فكرَ ليلي مع بدءِ استراحةٍ الغداءِ في يومٍ مدرسيٍّ باردٍ مثلج ، مرَّ وقتٌ مُذْ رأته لآخرِ مرّة ، مُذْ كادَ علي يكشفُها في المكتبة ، و مرّ الأمرُ بمعجزة؛
في الواقع ، أصبحَتْ لقاءاتُ المُحبّين منذُ عامين تقتصرُ على يومي الاثنين و الخميس ، عندما يغيبُ أخوها صعبُ المرأسِ في دوامه حتّى المساء ، نصفُ ساعةٍ يتيمةٌ في كلّ مرّة ، و في مكتبةِ الحيّ أمام السّيّدِ فؤاد ، تخرجُ إليها بحجّةِ الدّراسةِ و مطالعةِ الكتبِ بهدوء.
هناك ، حيث لا يحدّثُ أحدهما الآخرَ كما يرغب ، و إنّما يتأمّلُه ، يتأمّلُه تحتَ ضوءِ القراءةِ الخافت ، يتأمّلُه في خوفه و خجله و طبيعته ، و في خضمِّ السّكونِ العظيمِ الطّاغي ، يشعرُ و كأنّ هنالك ما هو أكبرُ من الكلام ، فلا حاجةَ له؛
لا يعودُ يرى إلّا السّعادة ، لقَدْ كبرتْ مشاعرُ الاثنين معاً ، كبرتْ و تغيّرت في كلّ شيء ، إلّا في جوهرها النّقيّ العذب؛
ستذهبُ اليومَ لتراه ، عقدتِ العزمَ و أرسلَتْ له خبراً مع أحدِ أطفالِ الحيّ ، و قالَ أنّه قادم ، في السّاعةِ السّادسة ، ستلتقيه مجدّداً إمّا في المكتبةِ أو في السّاحةِ التّي زرعَها بالزّنبقِ تدريجيّاً على مدارِ الأعوامِ الماضية ، المهمُّ أن تراه ، لا تريدُ شيئاً بقدرِ ما تريدُ رؤيته ، هي تُحِبُّه ، تُحِبُّه كثيراً و لا تستطيعُ تخيّلَ مستقبلٍ لها بدونه ، بيدَ أنّه لا يشاركُها التّطلّعات ، لم يخبرها يوماً بذلك ، هو في الواقعِ لا تطلّعات له ، تشعرُ أحياناً أنّه بدأ يسأمُ منها ، و عندما تسألُه عن ذلك ينزعجُ منها ، بل و يغضبُ أيضاً؛
"ما الذّي تقولينه!؟ كيف لكِ أن تتخيّلي شيئاً كهذا!؟"
و على أيّةِ حال ، لم تكن تستطيعُ مقاومةَ الشّعورِ و لا محاربته ، لقَدْ كانَ لحوحاً جدّاً ، فهي معه منذُ ثلاثةَ عشر عاماً ، و قَدْ أصبحا مُحِبَّين منذُ عامين كاملين ، يحقُّ له على الأقلِّ أن يسأم ، فاتن حكتْ لها أنّ حبيبها الأوّلَ سئمَ منها ، و أنّ عليّاً لا يتركُ البناتِ لأنّ طباعه صعبةٌ كما يقولُ أبوهم ، بل لأنّه يضمن مشاعرهنّ و دون أن يتعبَ نفسه في الحصول على صفةٍ رسميّة ، لأنّ الرّجالَ جميعاً هكذا
و كلُّ هذا الكلامِ الذّي تردّده فاتن و هذه التّحقيقاتِ و نظريّاتُ المؤامرةِ بالطّبع..
_"غرابة"
_"هل قلتِ شيئاً؟"
يا إلهي؛
لقَدْ أفلتتِ الكلمةُ من فمها دون أن تعي ، و سمعها زين الذّي يوضّبُ أغراضَه إلى قربها ، آخرُ من يجبُ أن يسمع؛
تضاعفَ حجمُ هذا الشّابِّ في العامين الأخيرين بشكلٍ عجيب ، و ظلَّ عقلُ الفستقِ في رأسه على حاله ، لم يتغيّر فيه شيء ، لذلك لن يتركَها في حالها حتّى تخبره ما قالَتْ ، علقتِ يا ليلي.
أسندَتْ مرفقيها إلى طاولةِ المكتب ، و نظرَتْ نحوه بجدّيّة ، تركَ هو حقيبته ما إن فعلَتْ و صبّ تركيزَه بالكاملِ على وجهها ، تبدو غريبةً اليوم
_"ما خطبُ حبّةِ الفستق؟"
_"فستق؟ تقصدُ أنّني بدينة؟"
_"غبيّة! ما علاقةُ هذا بذاك؟ أقصدُ أنّكِ.."
توقّفَ كلامُه بغتةً مع استنتاجه لفكرةٍ ما ، تراخى الاستغرابُ المُسبَقُ في وجهه ، و تحوّرَ إلى شكلٍ غريبٍ غارقٍ في الجدّيّة؛
لقَدْ أمسكَ رأسَ خيطٍ طالما حاولَ سحبه من فمِها ، و لم يقدر ، في الواقعِ هو في انتظارِ تصريحِ افتعالِ مشكلةٍ منها ، منذُ سنتين بالضّبط ، مذ بدأت تكرهُ الدّراسةَ و البقاءَ مع الطّلّابِ في الصّفّ ، هو يعرف السّبب ، هو يعرفُ كلّ شيء ، كلّ شيء
_"من قالَ أنّكِ بدينة؟"
_"أنت ، قلتَ أنّني حبّةُ فستق"
_"الفستقُ ليس بديناً ، هيّا اعترفي"
زمَّتْ شفتيها لبرهةٍ تفكّرُ في الأمر ، و اكتشفَتْ كونها قَدْ أخطأت قياسَه كلّ الخطأ؛
هذا ليس ذنبها في الواقع ، فقَدْ أصبحَتْ أكثرَ حساسيّةً تجاهَ هذه الصّفةِ مُذْ بدأتْ ريم تنعتُها بها ، ذاتُ البنتِ التّي حلّتْ محلّ زين في الإعداديّة ، كانَتْ تسخرُ منها لأنّها صغيرةٌ و نحيلة ، أصبحَتِ الآن تنعتُها بالبدينةِ لأنّها اكتسبَتْ وزناً ، و فاتن أيضاً تفعلُ ذلك..
كلُّ هذا بسببِ علي!
هو يُصِرُّ على أن تأكلَ جيّداً مُذْ عادَ إلى البلاد ، و يغضبُ بشدّةٍ إن تجاوزَتْ وجبةً ما ، و عندما ينظرُ إليها يقولُ أنّها أجملُ بنتٍ رأتها عينه ، و تزدادُ جمالاً في كلِّ يوم عمّا سبقه ، كما يقولُ أنّه لا يراها هكذا فقط لأنّها أخته الصّغيرةُ و حبيبةُ قلبه! أبداً!
و هي تصدّقه طبعاً ، و لا تفعل
_"اعترفي يا بنت ، لن آكلكِ"
_"لا شيء ، أسأتُ فهمكَ فحسب"
أجابت زيناً ، و أظهرَتْ له ابتسامةً زائفةً تقصدُ أن تكذبَ عليه ، بيدَ أنّها لم تدرك ما فعلَتْ ، فقَدْ أجبرته هذه الملامحُ على تسليمِ السّلطةِ في داخله إلى عقليّته الشّقيَّة ، و سوف ينجرفُ وراءَ هذه العقليّةِ حيث شاءت أن تأخذه ، سيبدأ الآن
_"معكِ علكة؟"
_"معي بطعمِ الفراولة"
_"هاتيها"
استدارَتْ سريعاً و أخرجَتْ مجموعةَ سكاكرَ من أحدِ جيوبِ حقيبتها ، جمعتها في كفّيها ، ثمَّ عرضتها عليه كي يختارَ منها ما يشاء ، و لم ينتبه ، كانَ يركّزُ ناظريه على شيءٍ مختلفٍ تماماً ، شيءٍ جعلَ قلبَ ليلي يرتجف..
كانَ يحملقُ في ريم ، حانَ الوقتُ فعلاً لكي يتدخّلَ الصّديقُ المزعجُ فيما بينهما و يظهرَ قوّته ، يحبُّ فعل ذلك
_"زين ، فيمَ تفكّر؟"
_"لا يجوزُ ضربُ الفتيات ، و لكن هنالك طرقٌ أُخرى للتّعاملِ معهنّ"
_"ماذا تقصد؟"
نظرَ في وجهها من بعدِ ذلك و الحماسةُ تعتريه ، كانَ يبدو كسائقِ فيراري واقفٍ على خطّ البدايةِ في فورمولا وان ، لكنَّ الفرقَ الحائلَ ها هنا أنّه غيرُ متوتّرٍ على الإطلاق ، و لا يبالي بالنّتائج ، سيربح ، سيربحُ حتّى لو قُلِبَتْ به السّيّارةُ في وسطِ المضمار.
أخذَ علكةً من مجموعةِ ليلي ، فتحها و مضغها على عجلةٍ و البنتُ مصدومةٌ تنتظرُ أن يجيبها ، كانَ موقفُها ضعيفاً أمامه في هذه المرّة ، فعي تخشى أن يتطوّرَ الحالُ إلى إخبارِ والدها أو حتّى عليّاً بما تفعلُ تلك البنتُ معها ، المشكلةُ أنّهما سيوبّخانها هي أوّلاً
_"زين.."
_"ماذا يحدثُ إن التصقَتْ علكةٌ بشعركِ؟"
_"مشكلةٌ كبيرة.. ماذا تقصدُ بسؤالك؟"
شقَّتْ وجهه ابتسامةٌ لعوبٌ بثّتِ الرّعبَ مزيداً في قلبِها ، بانَ مقصدُه و انتهى الأمر ، سوف يلصقُ العلكةَ بشعرِ تلك البنتِ و سوف يتسبّبُ بمشكلةٍ عويصةٍ قَدْ يشتركُ فيها كلّ الصّفّ ، و من ثمّ الأساتذةُ و المدراء ، كلّ هذا بائنٌ في عينيه المشعّتين ، و لكن ما الذّي يمكنُ أن يردَّه عن كلّ هذا الآن؟
_"معتوهٌ أنت؟ تريدُ أن تُفصَلَ من المدرسة؟"
_"هذا حلمي"
أمسكَتْ ذراعه قبل أن يغادرَ من خلف الطّاولة ، و شدّتها في ناحيتها تطالبُه بالثّبات ، فأطلقَ ضحكةً عاليةَ الأصداء ، هي لا تستطيعُ إلّا أن تطالبَ و تسأل ، فلا عقلُه يستقبلُ محاولاتِ الإقناع ، و لا جسدُه جسدٌ قابلٌ للاستيقافِ و الإعاقة ، حديثاً
_"زين لا تكن سخيفاً! أبوكَ سيعجنُ وجهكَ إن حدثَ ذلك!"
_"و سيأتي حبيبُكِ اللّطيفُ ذلك و يحلُّ الأمر؟ انسي ، سأحلُّه أنا"
_"تظنّني سأعتمدُ على أحدكما؟ كلاكما فاشلٌ في حلِّ الأمور ، سأفعلُ ذلك بنفسي"
_"تفضّلي ، إن حللتها لن أتدخّل"
أشارَ لها بذراعه نحو البنتِ التّي تتحدّثُ قريرةَ العينِ مع صديقتها ، لا تدري ما يُطبَخُ لها من مكائد في رأسِ الشّابِّ الأكثرِ شغباً في المدرسة ، و وقفَ يراقب ، يراقبُ ببشاشةٍ لم يُعرَف لها أصل ، أهو خبثٌ أم حماسةٌ أم مجرّدُ شكل ، أم كلّهم معاً.
أفلتت ليلي ذراعه في ذلك الوقت ، و أخذت تنظرُ حيث يشيرُ بحيرة؛
ماذا ستفعل؟ لو كانَ الحلّ ممكناً أصلاً لوجدته منذُ عامين و لما انتظرتْ حتّى اليوم..
_"إن فُصِلتَ مجدّداً سيجبرُكَ أبوكَ على الانتقالِ من المدرسة"
_"رائع ، سأتخلّصُ منكِ عندئذ"
لوت حنكها ، و رمقته من أعلى رأسِه حتّى أخمصِ قدميه ، كانَ يضحكُ كالأبله أمام هذه الحواراتِ سريعةِ الرّتم ، و لكنّ الأوضاعَ في داخله كانَتْ مختلفةً بعضَ الاختلاف ، فعلاً ، أبوه توعّدَه بنقله إلى مدرسةٍ حكوميّةٍ للفتيةِ إن تسبّبَ بمزيدٍ من المشاكل ، و هو أصلاً يحتملُ الدّراسةَ لأنّ مدرسته مختلطةٌ و يومها المدرسيّ غيرُ طويل ، و نعم لأنّ ليلي الغبيّةَ هنا
_"اذهب إذاً ، تخلّص منّي"
_"أمزحُ يا غبيّة ، سأريكِ ما سأفعلُ بها ، و لن أُفصَلَ لا تخافي عليّ ، أصبحَتْ لديّ خبرةٌ كافية"
لدى زين خبرةٌ كافيةٌ ليس فقط في أمورِ الفصلِ و المشاكل ، و في أمورِ ليلي أيضاً ، كلاهما لديه خبرةٌ كافيةٌ تجعله قادراً على فهمِ الآخرِ دون أن يتكلّم.
تجعله صديق العمر ، بحقّ
دلع☆