ظلان اثنان

ظلان اثنان

32 0

وفي الصباح التالي، توجهت جافيني إلى غرفة الأميرة كلارا، ذات الشعر البرتقالي والشخصية التي تحمل مسحة من المرح وسط كآبة هذا المكان؛ وهي ذاتها الأميرة التي حاولت مواساة ميلا في الحديقة حين صدمتها لويسا بنبأ زواجها المهلك.

لم ينبس أي منهما بكلمة. ولم تكن جافيني مهتمة حتى بالنظر إليها أو استكشاف ملامحها، بل ركزت كل طاقتها في إنهاء عملية التنظيف بسرعة خاطفة، متحاشية لفت الانتباه. وعندما اتجهت نحو الباب وهمّت بالمغادرة، استوقفتها نبرة كلارا المفاجئة قائلة:

"انتظري."

التفتت جافيني بنظرة هادئة وخالية من التعبير، لتتابع كلارا وهي تشير بسبابتها:

"عندما تأتين إلى هنا في المساء لتنفيذ نوبتكِ، أحضري معكِ بعض الأزهار البنفسجية وضعيها في تلك المزهرية."

نقلت جافيني عينيها الذهبيتين نحو المزهرية الزجاجية الفارغة القابعة فوق الطاولة، ثم أومأت برأسها إيماءة خفيفة مطيعة وغادرت الحجرة دون زيادة. كان جدولها مزدحماً، ويتحتم عليها إنهاء مهامها الصباحية في وقت قياسي؛ فوقت الإفطار العائلي لم يبدأ رسمياً بعد، ورغم ذلك، كانت خطوات بعض الأميرات قد بدأت بالفعل تشق طريقها نحو قاعة الطعام في الأسفل.

ذهبت إلى الغرفة ميلا فورًا، لكن ميلا لم تخرج. وبدلاً منها، انفتح الباب لتخرج الخادمة المسؤولة عن التنظيف الصباحي للغرفة.

كانت هي ذاتها الخادمة الصارمة التي وبخت جافيني بالأمس.

وبمجرد أن التقت نظراتهما، قلبت الخادمة عينيها بضجر وتحركت لتغادر، لكن جافيني استوقفتها سائلة بنبرة هادئة:

"هل الأميرة السادسة موجودة في الداخل؟"

"لا"، أجابت بحدة وجفاف، ثم تابعت سيرها.

بقيت جافيني واقفة مكانها لثوانٍ، قبل أن تقرر التوجه نحو قاعة الإفطار العائلي، ورغم استجوابها لبقية الخدم، لم تلمح أي واحدة منهن ظل ميلا في الأرجاء.

كان هناك حارسان مدججان بالسلاح يقفان عند مدخل قاعة الطعام.

اختبأت جافيني خلف زاوية الجدار السميك، وانتظرت خروج أفراد العائلة المالكة بصمت ومراقبة دقيقة.

بعد مرور عشر دقائق تقريباً، انفتح الباب الخشبي الضخم وخرج الأمير الأول جون، وتبعه هاتريك الذي كان يضع يديه في جيوبه بلامبالاة وهو يتحدث بحدة إلى أليستر:

"لماذا لم يحضر والدي اليوم؟ كنت أخطط لإخباره بأنني نلت الدرجة الكاملة في اختبار الفروسية!"

لم يجبه أليستر، وبدا مستغرقاً في أفكار سوداوية تخصه. وفي جزء من الثانية، رفع رأسه فجأة لتلتقي نظراته مباشرة بعينين ذهبيتين نادرتين تراقبانه من بعيد. تراجعت جافيني فوراً متوارية خلف الجدار، وهي تدرك أن حركتها المفاجئة جعلتها مثيرة للشكوك، لكن أليستر أكمل سيره متظاهراً بعدم رؤيتها.

تنهدت جافيني بارتياح، وواصلت مراقبة خروج البقية؛ لويسا ثم كلارا، وبعض الأمراء الآخرين الذين لم ترهم من قبل ولم تهتم بعدهم.

وفجأة... خرجت أميرة بشعر أسود طويل ينساب كالعتمة، وعينين بنفسجيتين حادتين. كان الشبه الخَلقي بينها وبين أليستر واضحاً لدرجة لا تخطئها العين، لكن جافيني لم تملك الوقت لملاحظة هذا الشبه؛ لأن ركبتيها خانتاها وسقطت أرضاً فور رؤيتها.

التصقت جافيني بالكامل بالجدار البارد، ووضعت يدها فوق فمها تكتم أنفاسها المتسارعة بجنون وهلع غير مسبوق.

تلك الأميرة لم تكن تملك ظلاً واحداً كالبقية... بل كانت تتحرك بـظلين اثنين!

وكان أحدهما ينفث هالة سوداء مرعبة وقوة أسطورية طاغية، جعلت حضور ظل جون الأحمر المخيف يبدو قزماً صغيراً وتافهاً أمامها. شُلّت حركة جافيني تماماً، ولم تجرؤ حتى على التنفس أمام هذا الحضور الساحق.

مر الوقت كأنه دهر بطيء، تجاوزت الأميرة الجدار الذي تختبئ خلفه جافيني، وتبعتها ظلالها المتلوية، وفي الثواني الأخيرة قبل أن تنعطف في الممر، التقت عيناها البنفسجيتان بعيني جافيني الذهبيتين بنظرة خاطفة مخيفة، قبل أن تختفي تماماً.

استعادت جافيني أنفاسها بصعوبة، وحدثت نفسها وهي تحاول تهدئة نبضات قلبها الثائر:

*«كان ذلك خطيراً جداً.. يجب أن أتظاهر بأنني لا أرى ظلالهم مجدداً، لكن هؤلاء الأميرات يبدون أذكياء لدرجة مرعبة»*.

أجبرت جسدها على الهدوء؛ فلم تعد تستغرب رؤية أي شيء خارق للطبيعة في هذا القصر الملعون، وعاد عقلها ليرتكز على مشكلتها الأساسية،ميلا. لكن كالمتوقع في كاليجورا، لم تخرج ميلا من ذلك الباب أبداً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة