بعد وقت ليس بطويل، وصلت جافيني إلى الجناح الخاص بالأمير الأول، "جون". وقفت أمام الباب الضخم لبرهة، تجمع شتات برودها وتستعد لأي جحيم أو تصرف مختل قد يقابلها في الداخل.
طرقت الباب مرة واحدة، وعلى عكس المعتاد في هذا القصر، جاءها الرد سريعًا وقاطعًا من الداخل:
"تفضل."
أدارت مقبض الباب ودلفت بخطوات هادئة. في الداخل، كان الجو خانقًا وكئيبًا؛ لم يكن هناك أي شيء غير اعتيادي للوهلة الأولى، سوى أكوام هائلة من أوراق العمل والملفات المتكدسة بفوضوية فوق الأريكة.
كان الأمير جون جالسًا وسط تلك الفوضى على الأريكة، يقرأ إحدى الأوراق بتركيز مرعب. كانت الهالات السوداء المطبوعة تحت عينيه قد ازدادت سوءًا وعمقًا عن ذي قبل، ومع ذلك... فإن ظله الغريب المشوه كان على النقيض تمامًا؛ يتحرك بنشاط مريب ويقفز في الأرجاء خلف الأريكة وكأنه كائن منفصل يعج بالحياة.
"نظفي الشرفة."
قالها جون بنبرة جليدية ميتة، دون أن يكلف نفسه عناء رفع رأسه أو النظر إليها حتى.
أومأت جافيني، ثم توجهت نحو الشرفة. لم تكن الشرفة متسخة حقًا، فتظاهرت بمسح الحواف وتنظيف المكان، لكن شعورًا ثقيلاً وغير مريح بدأ ينهش مؤخرة عنقها... شعور طاغٍ بأن هناك أعينًا خفية تراقب كل أنفاسها وحركاتها.
*«هذا الرجل يبدو مهووسًا بالعمل بشكل مرضي...»*
لم تستطع جافيني فهم طبيعة تلك الأوراق والملفات التي يستغرق فيها أمير يعيش في قصر ملعون ومعزول تمامًا عن العالم الخارجي، لكن هذا التساؤل لم يشغلها كثيرًا؛ إذ لمحت بطرف عينها خريطة قديمة موضوعة بعناية تحت أكوام الأوراق على الأريكة. وتذكرت فورًا خطة ميلا التي تقتضي التسلل وسرقة خريطة من غرفة جون.
عندما انتهت من إيهام جون بتنظيف الشرفة، عادت إلى الداخل. وفي تلك اللحظة بالذات، نهض الأمير عن أريكته بآلية كأنه آلة مبرمجة، وقال:
"سأذهب لتناول الإفطار. رتبي الغرفة... ولكن، لا تقتربي من الجدران، الخزائن، الأريكة، أو الطاولة."
صمت لبرهة، وحدق في الفراغ بنظرة فارغة، قبل أن يضيف ببساطة مرعبة:
"لا أريد التخلص من جثة أخرى اليوم."
لم يقدم أي تفسير آخر، بل استدار وغادر الغرفة بجسده الناحل وبروده المهلك.
بقيت جافيني واقفة مكانها، ونظرت حولها بسخرية مريرة: *«حقًا؟ ماذا سأنظف إذن؟ لم يتبق في هذه الغرفة اللعينة سوى السرير!»*
كانت تعلم أن التهور خطوة غبية قد تكلفها حياتها؛ فالأماكن والغاديات التي ذكرها وحظر عليها لمسها تنبعث منها هالة سحرية مزعجة وخانقة. تحركت جافيني بحذر، نظفت السرير بسرعة، ثم كنست ما تبقى من الأرضية المكشوفة، بينما كان هناك صوت داخلي خفي يلح عليها بضرورة مغادرة هذا المكان فورًا.
عندما انتهت، توجهت نحو الباب وفتحته تهم بالخروج، لتفاجأ بجسد يرتطم بها؛ كانت ميلا واقفة هناك!
شهقت ميلا بجزع وتراجعت خطوتين للخلف واضعة يدها على صدرها، وعندما أدركت أن الماثل أمامها هي جافيني وليست شقيقها جون، تنفست الصعداء بارتياح وقالت بهمس مضطرب:
"جافي؟ ما الذي تفعلينه هنا في غرفة جون؟"
رمقتها جافيني بنظرة ثاقبة:
"هذا السؤال موجه لكِ أنتِ يا سيد... أقصد، ميا."
خرجت جافيني من الغرفة، وقبل أن تسحب المقبض لتغلقه، أمسكت ميلا بمعصمها بقوة وتحدثت بلهفة:
"لقد أتيتُ لأسرق الخريطة! جون يتناول إفطاره الآن وهي فرصتي الوحيدة... لا بد أنكِ أتيتِ إلى هنا لتساعديني، أليس كذلك؟"
في تلك اللحظة، داهم عقل جافيني ذلك الشعور السيئ الذي شعرت به داخل الغرفة، وتردد صدى كلمات جون الصريحة في مسامعها:
*«لا تقتربي من الأريكة... لا أريد التخلص من جثة أخرى اليوم»*
بدا الرجل جادًا وقاطعًا، ولمس ممتلكاته المحرمة يعني الموت الفوري. وإذا ماتت ميلا هنا، ستفقد جافيني ورقتها الرابحة ونقطة الضعف الوحيدة التي تكسر بها نواه.
أغلقت جافيني الباب خلفها بحسم، ثم التفتت إلى ميلا وقالت بنبرة هادئة ومفتعلة:
"لا... لقد انتهيتُ من عملي وأريد أن نذهب معًا إلى الحديقة من أجل التنزه، ما رأيكِ؟"
قطبت ميلا حاجبيها بشكل طفيف، وظهر التردد على وجهها:
"أنا أيضًا أرغب في ذلك حقًا... ولكن لنفعلها لاحقًا، يجب أن أستغل غيابه وأجد الخريطة الآن."
تنهدت جافيني بثقل، ثم عدلت وقفتها وثبتت بجسدها سادةً الباب بالكامل، وقالت بنبرة حملت تحذيرًا مبطنًا:
"ميا... هل يعقل أنكِ لا تعلمين أن أخاكِ ليس بكامل قواه العقلية؟ إنه قد يقتل أي شخص يتجرأ على لمس أشيائه الخاصة دون تردد."
انتفضت ميلا دفاعًا، وقالت بإنكار:
"لا! جون عبقري! والدي رجل صارم ولا يتحدث إلا نادرًا، ولكن الشخص الوحيد الذي يثني عليه والدي دائمًا في هذا القصر هو جون!"
"وما علاقة الثناء بالعبقرية والتعقل؟" ردت جافيني ببرود لا يتزحزح، وتابعت تفكك أوهامها: "والدكِ يمتدحه لأنه قد يكون الابن المثالي الذي يوافق معاييره الملتوية وقسوته فحسب، هذا لن يغير من حقيقة أنه مختل عقلي خطير."
كانت جافيني متأكدة من كل كلمة تقرها؛ فظله القافز المضطرب الذي رأته منذ قليل لا يمكن أن يكذب أبداً.
عبست ميلا، وباعدت بين شفتيها بضيق أرادت أن تترجمه بكلمات حادة، لكنها توقفت فجأة. نظرت في عيني جافيني الجامدتين، وتسلل الشك إلى ملامحها. ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت منخفض مهزوز:
"جافي... هل يعقل..."
صمتت للحظة وكأنها تخشى سماع الإجابة، ثم تابعت:
"هل يعقل أنكِ تحاولين منعي من الهرب؟"
لم يهتز رمش واحد في وجه جافيني، ولم تتردد وهي تطلق الكذبة التي ستحمي بيدقها:
"نعم."
كانت توقن أن الاعتراف بالمنع ونسج كذبة متقنة هو الخيار الوحيد لإبعاد هذه الفتاة عن الغرفة وعن خطة الهروب الغبية تمامًا.
سقطت الكلمة كالصاعقة على ميلا، وتراجعت خطوة للخلف بنظرات مصدومة؛ كانت تعتقد واهمة أن جافيني هي الشخص الوحيد الذي لن يتخلى عنها أو يخذلها كما فعل ثيودور من قبل. وقالت بصوت متهدج:
"و... ولكن... ظننتُ بأننا صديقات!"
"نعم، نحن صديقات، ولهذا السبب تحديدًا أمنعكِ،" تابعت جافيني غزل خيوطها ببراعة، وأضافت: "لأن لدي خطة أخرى لإلغاء هذا الزواج اللعين من أساسه... خطة ستكون أفضل بكثير وأكثر أمانًا من فكرة الهرب."
لم يكن لديها خطة في الواقع،ولكنها لا تزال تفكر فيها.
لمعت عينا ميلا فجأة، وأشرق وجهها بلهفة طفولية:
"حقًا؟! إذن... أنتِ لن تتخلي عني وتتركيني أواجه هذا المصير؟"
أومأت جافيني برأسها بهدوء. ابتسمت ميلا براحة وقالت متنازلة عن عنادها:
"حسنًا، لن أدخل إلى غرفة جون إذن... في الواقع، أنا لاحظتُ أنه مختل عقلي ومخيف أيضًا منذ زمن طويل، ولكنني... لم أتجرأ يومًا على التفكير بذلك أو قوله بوضوح."
تنهدت جافيني بارتياح داخلي استطاعت كبته، ثم تنحت قليلاً عن عتبة الباب المحرمة:
"هذا يسرني... لنذهب الآن ونبتعد عن جناح غرفته بالكامل."
أومأت ميلا بحماس، وباعدت بين شفتيها من أجل أن تقترح مكانًا تذهبان إليه، ولكن...
صوت خطوات بطيئة تلتها نبرة صوت حادة، باردة، وغير متوقعة على الإطلاق قطعت حبل أنفاسهما وجمدت الدماء في عروقهما من خلف الظلال:
"مختل عقلي إذن...؟"
hiam m