زايروكار

زايروكار

29 0

في أحد أروقة القصر الباردة، وقفت جافيني أمام باب غرفة الأمير أليستر؛ لقد حان موعد التنظيف الدوري. طرقت الباب ثلاث مرات متتالية، لكن الصمت كان الجواب الوحيد الذي انبعث من الداخل. تنهدت ببرود واضطرت لفتح الباب بنفسها.

ما إن تسلل ضوء الممر الخافت إلى عتمة الغرفة، حتى تحرك الجسد القابع فوق السرير بحدة، ساحبًا غطاءه ليخفي وجهه بالكامل، وتمتم بصوت متحشرج متعب:

"لا حاجة لتنظيف الغرفة اليوم..."

بدا هذا الموقف مألوفًا للغاية؛ فقد تكرر السيناريو ذاته مع ميلا في أول يوم عمل لجافيني هنا. صوت الأمير الضعيف، وظله الذي كان يرتعش وينتحب خلف الغطاء، كانا دليلين قاطعين على أنه كان يغرق في بكاء مرير قبل دخولها.

"يجب أن أقوم بعملي فحسب."

قالتها بصوت بارد كالجليد، لم يترك مجالًا للمجادلة. وبالفعل، لم يعترض الأمير، فانحنت تباشر عملها بآلية.

عندما اقتربت من حافة السرير لتكنس ما تحته، تيبست حركتها؛ رأت فستانًا صغيرًا لفتاة طفلة ملقيًا في العتمة تحت السرير.

وفي تلك اللحظة، شعرت بطاقة مزعجة وغريبة تنبعث من نسيج ذلك الفستان، فابتعدت جافيني عنه غريزيًا. نظرت بطرف عينها إلى الأمير المتدثر بغطائه، وتساءلت في صمت ثقيل: ما الذي يفعله فستان طفلة صغيرة في غرفة أمير مكسور؟

«هذا لا يعنيني...» شيدت جدارًا في عقلها وتجاوزت الأمر.

فجأة، شعرت بملمس فرو ناعم يلتف حول قدمها. خفضت بصرها لترى قطة بيضاء جميلة تتودد إليها. بلا تردد، ركلتها جافيني بخفة دون أن تصدر صوتًا، لكن القطة عنتت وعادت تلتصق بها مجددًا.

«يا للإزعاج...»

نقلت جافيني نظراتها الباردة إلى ظل القطة المتمدد على الأرض، وكان الظل غريبًا؛ يتوسل بانكسار للحصول على المودة. تجاهلت جافيني توسل الظل وركلتها مرة أخرى، إلا أن القطة أصرت على اللحاق بها. وقبل أن تهم جافيني بالخروج، توقفت القطة فجأة عند العتبة وتراجعت، وكأن هناك قوة خفية تمنعها من تجاوز حدود الغرفة. أغلقت جافيني الباب وراءها بهدوء.

«إنه وقت العشاء العائلي، ويبدو أن الأمير لن يحضر الليلة... لكن، هذا لا يعنيني.»

في غرفة الخادمات، دلفت جافيني بعد أن تناولت عشاءها وحيدة. الأجواء كانت مشحونة؛ فالجميع ما زالوا يتعمدون تجاهلها والابتعاد عنها. هذا الصمت المريب ضاعف علامات الاستفهام في عقلها: لماذا يعاملونها كجذام؟ ما السر الأسود الذي يتكتم عليه الجميع هنا؟ وهل هناك قواعد مرعبة أخرى تحكم القصر ولم تُكتب على الجدران؟

جلست على طرف سريرها، وأخرجت ورقة القواعد المجعدة من جيبها. لقد خالفت قاعدة الخروج ليلًا ولم يمسسها سوء حتى الآن، وميلا تخترق القواعد بانتظام، وخاصة تلك التي تأمر بعدم الثقة بأي شخص، وما زالت على قيد الحياة. تساءلت جافيني بسخرية عما إذا كانت هذه الورقة مجرد أكذوبة سخيفة لتقييد حركتهم وإرهابهم.

لكن عينيها وقعتا على سطر محدد: "فكل من يعيش هنا يحمل سرًا أسودًا."

هذه القاعدة بالذات كانت حقيقية ومطلقة بالنسبة لها؛ فهي نفسها تفيض بالأسرار. ولكن ماذا عن البقية؟ وهل من الصواب حقًا الإعتقاد بأن ميلا ساذجة وخالية من العيوب كما تبدو؟ خطة الهروب السطحية التي أخبرتها بها بدت ركيكة للغاية؛ فإما أن تكون تلك الفتاة حمقاء بلا عقل، أو أنها عبقرية تتظاهر بالغباء لتنصب فخًا مهلكًا للجميع.

"عذرًا..."

قطع حبل شرودها صوت أنثوي خافت. رفعت جافيني رأسها باستغراب لتجد ميبيل واقفة أمامها بملامح قلقة، وقالت:

"لم يتبق الكثير على موعد النوم، لكنني أريد أن أسألكِ شيئًا واحدًا فقط."

حفظت جافيني ورقة القواعد وأخفتها بسرعة وهي تقول بنبرة حادة:

"لا تضيعي وقتي." (فقد كانت كبيرة الخادمات قد أمرت بالتخلص من تلك الورقة سابقًا).

"لن أستغرق وقتًا، أنا فقط... أريد أن أعرف إن كنتِ وحشًا أم لا..." لفت ميبيل كلماتها بتردد.

لم تنطق جافيني بحرف، واكتفت بمراقبة وجوه بقية الخادمات في الغرفة؛ كن يتظاهرن بالنوم أو الانشغال، لكن أعينهن كانت تشتعل بالفضول. ميبيل كانت متهورة للغاية حين تابعت:

"أنا أشعر بالذنب... لأنكِ ساعدتني في أول يوم لنا هنا، وأنا لم أمنعكِ من الخروج في تلك الليلة."

ارتسمت على شفتي جافيني ابتسامة ساخرة:

"حقًا؟ هذا مؤثر للغاية."

سرت قشعريرة باردة في جسد ميبيل جراء تلك الابتسامة الميتة، لكنها حاولت تدارك موقفها قائلة: "الجميع يطلبون مني تجنبكِ، لكنني لا أظنكِ تشبهين هايدي الراحلة. جوليا قالت سابقًا إن الوحوش لا تتناول طعام البشر، وأنا رأيتكِ تأكلين بنفسكِ. لذلك... اسمحي لي أن أثبت للجميع هنا بأنكِ لستِ مسخًا، أريد فقط رد دينكِ."

خيم صمت ثقيل على الغرفة. لمعت عينا جافيني؛ فهذه فرصة ذهبية لغسل الشبهات عنها وجعل الخادمات يتوقفن عن مراقبتها. لم تفكر مرتين وقالت:

"وما الذي يجب عليّ فعله لأثبت ذلك؟"

أدخلت ميبيل يدها في جيبها بسرعة وكأنها لم تتوقع هذه الموافقة السريعة، وأخرجت غرضين:

"الوحوش تخاف من النار، والوحوش لا تنزف دمًا بشريًا أحمر... لذلك، إما أن تجرحي نفسكِ أو تشعلي شمعة صغيرة."

مدت ميبيل يديها؛ كانت السكين تستقر في كفها اليمنى، وعود الثقاب في اليسرى. في هذه اللحظة، اتجهت أنظار جميع الخادمات سرًا نحو هذا الاختبار الغريب، ورغم ذلك، لم تجرؤ واحدة منهن على إظهار أنها تراقب.

تقدمت جافيني وأخذت السكين ببرود، تحسست حافتها بسبابتها؛ لم تكن حادة بشكل كافٍ، فضغطت بقوة أكبر حتى انشقت القشرة السطحية لجلدها. ثوانٍ، وسقطت قطرة دم حمراء قانية لتستقر فوق فستان عملها الأبيض الناصع.

رفعت جافيني رأسها، ونظرت في عيني ميبيل قائلة:

"هذا يكفي، أليس كذلك؟"

ارتسمت على وجه ميبيل ابتسامة مشرقة لا تناسب كآبة المكان، والتفتت فورًا نحو كاترينا التي كانت تراقب بفم مفتوح وعينين متسعتين من الصدمة، وصاحت ميبيل بنبرة انتصار:

"هل رأيتِ الآن؟! لقد أخبرتكِ بأنها بشرية وليست وحشًا!"

هزت كاترينا رأسها محاولة استعادة رباطة جأشها بسرعة، وقالت بنبرة حازمة:

"إنه وقت النوم، لنتحدث في هذا غدًا."

أومأت ميبيل بحماس وعادت إلى فراشها لتطفئ الشموع. في الظلام، كانت الدماء ما زالت تنزف من إصبع جافيني بشكل طفيف. لم تضمد الجرح، بل ظلت تحدق في تلك القطرات الحمراء بهدوء شديد؛ هناك الكثير من العمل ينتظرها غدًا.

غيرت ملابسها واستلقت على سريرها وتدثرت. جدول الغد يتضمن تنظيف جناح الأمير الأول، "جون"؛ ذلك الأمير الذي التقت به في يومها الأول وبدا لها أكثر جنونًا واختلالًا من ثيودور نفسه.

فكرت قليلًا: هل يجب أن تذهب لكبيرة الخدم لستجوبها عن سر الخنجر السحري؟ أم أن التظاهر بالجهل التام هو الخيار الأسلم للبقاء؟

أما موضوع ميلا... فهي تخطط للهرب بعد ثلاثة أيام، وجافيني لم تجد بعد الطريقة المناسبة لمنعها من هذا الانتحار والوقوع في فخ الزواج من ذلك السير "أرتشيبالد". ربما تستغل فرصة لقائها بجون غدًا لتجد حلًا، أو لتقنعه بطريقة ما بإلغاء هذا الزواج. لكن، بالنظر لشخصية جون، بدت خطة الهروب أسهل بمليون مرة من فتح محادثة منطقية مع ذلك المجنون. تثاءبت جافيني وأغلقت عينيها، لينتهي هذا اليوم الطويل المستنزِف.

---

وفي ذات الوقت، في عتمة الحديقة الخلفية للقصر...

كان ثيودور، ذو العينين المتغايرتين، يجلس تحت شجرة ضخمة ويدندن بلحن خفيف وساخر. كان بانتظار شخص ما. ولم يطل انتظاره؛ إذ سرعان ما انشقت شجيرات اللوريل لتظهر من بينها كبيرة الخدم بهيئتها الرسمية الصارمة والباردة.

وقفت أمامه وقالت بنبرة عملية جافة:

"سيدي، لقد تأكدتُ من وضع زايروكار... ما زال محبوسًا خلف الختم، لكن قيوده لن تصمد لأكثر من أسبوع على أقصى تقدير."

نهض ثيودور عن الجذع، ووضع يديه في جيبيه ببرود:

"أسبوع؟ هذا أكثر من كافٍ. سأجلب حجر ختم جديد لتجديد قيوده، احبسيه مجددًا فورًا؛ إذا أصابها مكروه فسيكون الأمر مزعجًا للغاية."

أومأت بصمت، قبل أن يسألها بلهجة حملت قلقًا مكتومًا:

"وهل خالفت ميلا قاعدة أخرى؟"

"ليس بعد يا سيدي... ولكنها تخطط للتسلل عبر المطبخ لتخرج من الباب الخلفي."

وضع ثيودور يده فوق رأسه وتنهد بيأس؛ تلك الصغيرة الحمقاء لا تملك ذرة من الخوف في جسدها! لقد حذرها مرارًا وتكرارًا، لكنها تستمر في العبث، بل وتجر الخادمة الجديدة معها لمخالفة القواعد. لو لم يكن يقبع في الظلال يحميها ليل نهار، لكانت جثة ممزقة منذ زمن بعيد.

هناك سر مرعب لا يعرفه إلا القلة القليلة من سكان كاليجورا: لكل قاعدة وحش متعطش للدماء ينتظر خلف الجدران أن تُخالف ليسد جوعه.

وخلف قاعدة "يمنع الخروج ليلًا"، كان يقبع "زايروكار"؛ مسخ سادي، بالغ القوة والوحشية، وشديد الجوع. عندما يمسك بفريسته لا يترك منها عظمة واحدة، ويعشق سماع صراخ الضحايا وتوسلاتهم وهم يُؤكلون أحياء.

ومن أجل حماية ميلا، كان ثيودور يخاطر بحياته ليحضر "أحجار الختم" السحرية التي تخدر حواس الوحش الكبير لمدد معينة، مما جعل الركض ليلًا آمنًا نسبيًا، إلا من بعض الوحوش الصغيرة الطفيلية التي يمكن ردعها برائحة زهور "لوناريا".

ومن حسن حظه، أن سيد القصر لم يشك يوماً في وجود وحشين كبيرين يُختمان بانتظام كل أسبوع منذ سنوات، وإلا لكان أمر ثيودور قد كُشف. والآن، يتوجب عليه الذهاب لختم وحش المطبخ المزعج أيضًا قبل أن تتوجه ميلا إلى هناك. تنهد بعمق، فمنعها من الزواج يبدو الآن أسهل بكثير من رتق حماقاتها.

"سيدي؟"

أيقظه صوت كبيرة الخدم من أفكاره. نظر إليها، واستدار ليتجاوزها، لكن سؤالها الجريء استوقفه:

"هل ستتركها حقًا تتزوج من السير أرتشيبالد كوليببر؟ أنت تعلم أنه يقتل زوجاته وينكل بهن..."

توقفت خطوات ثيودور، وخيم على المكان صمت مطبق ومخيف. ظنت كبيرة الخدم أنه لن يجيب، لكن صوته جاء جافًا وخاليًا من أي مشاعر:

"وهل تملكين خيارًا آخر؟ الهرب من هنا مستحيل، وإلغاء الزواج أمر مستحيل... لتذهب وتتزوج وتخرج من هذا الجحيم اللعين، لقد سئمتُ حقًا من دور الحارس وحمايتها."

التفتت كبيرة الخدم بنظرة لم تخلُ من قلق:

"ولكن يا سيدي... جهود كل تلك السنين الشاقة ستذهب سدى وبلا ثمن إذا ماتت الأميرة..."

"إذًا فلتذهب وتمت، وتريني من هذا الصداع المزمن!"

هدر بها بنبرة مشوهة، وفي تلك اللحظة، وفي عتمة ضوء القمر، برزت نواجذه وأنيابه الحادة بوضوح مرعب كشفت عن مسخه الداخلي، قبل أن يستدير ويغادر بخطوات سريعة غاضبة.

بقيت كبيرة الخدم واقفة مكانها، تحدق في ظله المبتعد والذي بدا أضخم وأكثر وحشية تحت الضوء. تنهدت بثقل، وعدلت زهرة اللوناريا المخبأة في جيب مريولها، ثم غادرت الحديقة مستسلمة للظلام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة