دخلت كلتاهما إلى غرفة الخادمات بعد كبيرة الخدم. كانت الغرفة واسعة، ممتلئة بالأسرّة المصطفّة بانتظام.
قالت كبيرة الخدم،التي عرفت نفسها باسم جوليانا- بنبرة عملية:
"هناك خمسة أسرّة فارغة، اختارا أيًّا منها. ملابس العمل فوق الأسرّة."
"عذرًا، هل هي على مقاساتنا؟"
سألت الفتاة بتردد.
"لا يهم، هناك سحر على الملابس يجعلها تناسب حجمكما."
اتّسعت عيناها بدهشة:
"سحر؟! لكن… ألم يندثر السحر بعد الفيضان؟"
"لسنا هنا لنتحدث عن ذلك. هناك أمر آخر يجب قوله قبل أن أذهب."
استرسلت:
"تنظيف غرف الأمراء والأميرات يتم مرتين يوميًا بالتناوب. سأكتب جدول أعمالكما وأعطيكما إيّاه غدًا صباحًا. استريحتا اليوم."
ثم التفتت وهمّت بالمغادرة، لكن جافيني تحدّثت سريعًا:
"عذرًا! هل هناك موظف يعمل في القصر يُدعى «كيران»؟"
"لا."
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
لم تنتظر جافيني. توجّهت إلى السرير المجاور للنافذة وجلست عليه. لقد تظاهرت برغبتها في أن تصبح خادمة لتدخل القصر، لكن كيران ليس موظفًا… إذًا ماذا يكون؟ لقد قال إن سيّد القصر رحّب به. هل تسأل ذلك الرجل؟
مرت صورة ظله الضاحك في رأسها فتراجعت.
إنه ليس طبيعيًا… يجب أن تبحث بنفسها.
هزّت رأسها:
*يجب أن أرتّب معلوماتي أولًا.*
بعد أن ارتدت فستانًا مريحًا، قرّرت الخروج والتجول قليلًا. كانت رسالة كيران قد ذكرت البستاني الذي كاد يقتلع الزهرة الذهبية. هل سيجيبها إن سألته عن كيران؟
وبسبب ذلك، تقف جافيني الآن أمام مدخل الحديقة الخلفية. الجو هادئ على نحو مريب. كانت الحديقة الخلفية أكثر جمالًا من الأمامية، لكن جافيني لم تركز على جمالها، بل دخلت فورًا وهي تبحث عن البستاني.
أخذت الكثير من المنعطفات، وفتّشت كل شبر دون جدوى. في النهاية جلست على الأرض وتنهدت.
*هل يجب أن أعود غدًا؟*
"انظروا من لدينا هنا!"
قطع صوت رجل تفكيرها.
نهضت والتفتت تبحث عن مصدر الصوت.
"الأميرات المدللات يحتسين الشاي هنا! مشهد نادر!"
تقدّمت جافيني بضع خطوات، فرأت طاولة مستديرة تجلس حولها ثلاث فتيات يرتدين ملابس باهظة، ويقف خلفهن فتيان، يبدو أنهم جميعًا من العائلة.
*بعد التفكير في الأمر… كان هناك تمييز واضح بين الجنسين في القواعد.*
"هاتريك، توقّف من فضلك!"
قالت صاحبة الشعر البرتقالي وهي تضع كأسها على الطاولة بيد مرتجفة.
"أتوقّف؟"
ضحك بسخرية واقترب منها.
"هل نسيتِ مكانتك؟ ربما يجب أن أذكّركِ."
تراجعت قليلًا، لكن ذلك لم يوقفه. رفع يده عاليًا، ناويًا صفعها.
"هذا يكفي."
تحدثت الأخرى ببرود.
كانت ذات شعر أسود طويل. بشكل ما، تشبه سيّد القصر، لكنّها لم تكن هزيلة؛ بشرتها بدت صحيّة، وظلّها هادئ تمامًا وهو يقف خلفها.
أبعد هاتريك يده واقترب منها، يصرّ على أسنانه:
"هل تأمرينني الآن؟"
لم تُظهر خوفًا، بل نظرت إليه بحدّة:
"نعم أفعل. أم تريد أن نذهب ونكمل النقاش في مكتب أخي؟"
تحدّث الرجل الآخر وهو يعدّل نظارته بخفوت:
"هذا يكفي، هاتريك. يجب أن نذهب الآن حتى لا نفوّت حصة التاريخ."
نظرت جافيني إلى ظل المتحدث. كان يجلس على الأرض خلفه، يرتجف ويغطي أذنيه. لونه تحوّل إلى البنفسجي… خائف.
على عكس ظل هاتريك، الذي احمرّ بالكامل، دلالة على غضبه.
"يا لك من ممل، أليستر."
وضع يديه في جيوبه وتراجع.
"لكنني لن أترك الأمر يمر هكذا، أختي العزيزة."
غادر الاثنان، وبمجرد أن اختفيا في الأفق، شهقت ذات الشعر الأشقر ومسحت دموعها:
"ما المشكلة معه؟! نحن لم نفعل له شيئًا!"
"ميلا…"
تمتمت ذات الشعر البرتقالي بحزن، ثم قالت:
"لا تبكي. إنهم لا يستحقون دموعك، أليس كذلك يا لويسا؟"
همهمت ذات الشعر الأسود، ثم رفعت كأس الشاي وارتشفت منه:
"بالفعل. كلارا محقّة."
رفعت نظرها نحو الأشجار وقالت:
"اشربي الشاي وانسي أمرهم… أيتها الخادمة التي هناك."
جفلت جافيني.
*هل رأتني؟*
خرجت من خلف الأشجار.
قالت لويسا:
"صبي الشاي لأختي. الخادمة التي كانت هنا ذهبت ولم تعد"
أومأت جافيني واقتربت. رفعت رأسها لتنظر إليهن، ولصدمتها تغيّر الجو فور دخولها. بدت الظلال أقوى حضورًا، إلى درجة جعلتها تشك إن كنّ يرين ظلالهن… بينما كانت كل الظلال تحدّق بها.
تجاهلت ارتجاف يديها ورفعت إبريق الشاي. كانت على وشك أن تقول إنها لم تبدأ العمل بعد لتنسحب، لكنها أرادت سماع الحديث.
من كلام ذلك الأمير، نادرًا ما تجتمع الأميرات في الحديقة، فربما تسمع منهن شيئا ذا فائدة… ومن حسن حظها أنها تعرف كيف تصبّ الشاي للنبلاء.
"ش… شكرًا."
تمتمت ميلا، ثم ارتشفت رشفة صغيرة.
"إذن، لماذا أردتِ الحديث معنا يا لويسا؟"
سألت كلارا وهي تمدّ كأسها لجافيني.
"أوه… إنه خبر مؤسف."
قالت بصوت حزين، أو تظاهرت بذلك، فظلّها كان يبتسم بسخرية.
"أردت إخباركما لأنكما أختاي اللتين أحبهما أكثر من أي شيء."
تابعت:
"سمعت أخي يتحدث مع مساعده البارحة… وقد تقرّر زواج واحدة منا."
"زواج؟!"
ضربت كلارا الطاولة دون وعي.
"كيف؟! النبلاء كانوا يهربون لمجرد سماع اسم عائلتنا!"
تنهدت لويسا ونظرت إلى ميلا، فارتبكت الأخيرة.
"نعم، لكن أخي دخل عالم السياسة بطريقة ما. الرجل الذي وافق على الزواج سيّئ السمعة… قيل إنه تزوج سبع مرات من قبل، وجميع زوجاته متن في ظروف غامضة."
مدّت يدها وأمسكت بيد ميلا:
"أعتذر… وقع الاختيار عليكِ."
تجمّدت كلارا، بينما تصلّبت ميلا، لا تعرف أتفرح أم تحزن.
"هذا… لا يمكن."
همست كلارا.
"لا!"
صرخت ميلا، وارتجفت يداها.
"لا أريد الخروج! لا أريد الزواج!"
نهضت وركضت نحو القصر دون تردد، تاركة أختيها خلفها.
ارتشفت لويسا شايها، تخفي ابتسامتها الساخرة ببراعة، بينما تنهدت كلارا بأسف.
"هل تعلمين لماذا توفيت زوجاته؟ ربما لا علاقة له بالأمر."
"لا أعلم. لكن كما تعلمين، في مملكة أوريفاليس يُمنع الطلاق، والحالة الوحيدة التي يُسمح فيها بالزواج مجددًا هي وفاة أحد الزوجين… ربما كان يقتل زوجاته لأنه يشعر بالملل ويريد التغيير."
"هذا… وحشي، أتمنى ألا يكون السبب."
"نعم… أتمنى ذلك."
ساد الصمت. كانت جافيني تفكّر: لماذا يريدون الزواج من نبلاء أوريفاليس رغم العداوة الواضحة؟
"سأذهب إلى غرفتي."
قالت كلارا ونهضت.
"أراكِ وقت العشاء."
غادرت، وبقيت جافيني وحدها مع لويسا، التي ضحكت بصوت مسموع ما إن خلا المكان. لمع بريق مكر غريب في عينيها السوداوين.
"يا لهنّ من حمقاوات… يجب أن تكون شاكرة لأنها ستغادر القصر."
ثم أشارت بيدها إلى جافيني:
"غادري. أريد البقاء وحدي."
انحنت جافيني وغادرت. ظلّ لويسا بدا طبيعيًا، لكن شيئًا فيها كان… مختلًا.
قررت العودة إلى الغرفة لتفكّر: لماذا كانت ظلالهن قوية وواعية إلى هذا الحد؟
هل للأمر علاقة بكونهن من العائلة؟
hiam m