ميلا

ميلا

55 0

«هل رأيتِ الخادمة الجديدة؟!»

«نعم، كانت تتحدث مع هايدي! يا للجنون! ألم تسمع نصائحنا؟!»

تهامست الخادمتان وهما تحملان الغسيل وتتجهان إلى غرفة الغسيل.

«أعتقد أنها ستموت بعد يومين.»

«يومين؟ هذا كثير، ستموت اليوم. هل نراهن؟»

ضحكتا، ثم اتفقتا على أنها ستموت قبل العشاء، بينما مرّتا بجافيني التي تكنس الممر، وهايدي واقفة خلفها وهي تثرثر:

«لطالما أردتُ أن يكون لدي أصدقاء! ماذا يفعل الأصدقاء معًا؟»

«لا أعلم.»

قلبت جافيني عينيها، وقد تذكّرت روزيانا. رغم أنها تخلّصت منها، إلا أنها حصلت على صديقة بالمواصفات نفسها، رغم أن هايدي بدت كمفترسٍ يستلطف فريسته.

رمقتها بهدوء. ظلّها الطويل الذي كان يغطيها أصبح يسير خلفها، عاقدًا يديه خلف ظهره. قاطع تفكيرها صوت هايدي:

«هل تسمعينني؟!»

جفلت، ثم نظرت إليها:

«نعم، أسمعك.»

باعدت هايدي بين شفتيها، لكنها لم تتمكن من الحديث، فقد قاطعها اقتراب كبيرة الخدم منهما:

«كم مرة أمرتكِ بالتركيز على عملك؟!»

لم تتفاجأ هايدي بوجودها، لكنها تأففت:

«أنا أعمل، وتوقفي عن مراقبتي. أنتِ تفسدين متعتي. كما تعلمين، أنا لم آكل منذ زمن.»

سرت قشعريرة في جسد جافيني. هل تقصد أنها تأكل أصدقاءها؟

لم تهتم كبيرة الخدم، وأشارت بيدها:

«اذهبي إلى عملك.»

على مضض، ابتعدت هايدي بعد أن لوّحت لجافيني. كانت تكره كبيرة الخدم حقًا، وترغب في قتلها، وكان ذلك واضحًا من نظراتها المغتاظة قبل أن تغادر.

«ألم يخبركِ أحد؟ التحدث مع هايدي لا يجلب إلا الموت.»

«ولكنكِ تتحدثين معها.»

«أنا مختلفة. أما بالنسبة لكِ، فلم يعد هناك أمل في إنقاذك. أتمنى لكِ الرحمة.»

«أنا لا أفهم ما تقولينه.»

اقتربت رئيسة الخدم منها، ثم أخرجت من جيبها خنجرًا:

«إذا أردتِ موتًا رحيمًا، فاستخدميه. هايدي لا تأكل إلا على أصوات صراخ فريستها.»

لم تشرح أكثر، وغادرت. كانت تقصد أنها تأكلهم أحياء وتستمتع بسماع صراخهم. هذا جنون… لكن لم يكن لدى جافيني أي نية للموت.

بعد ساعات، ذهبت جافيني إلى غرفة الأميرة السادسة مجددًا. طرقت الباب دون أن يأتيها رد، ففتحته، لتقابل غرفة في حالة سيئة؛ الأثاث مقلوب، والزجاج متناثر في كل مكان.

بصمت، تنهدت. لا تصدق أنها ستنظف كل هذا الآن. تجاهلت الأميرة المرتجفة على الأرض، جسدها يرتعش كورقة في مهب الريح، وبدأت في التكنيس.

مرّت الدقائق. كل ما كان يُسمع هو بكاء ميلا وصوت تحريك الأثاث، حتى التقت عينا جافيني بدمية الأرنب الممزقة أمام الأميرة المكسورة.

تذكّرت البستاني فورًا. يبدو أنه على علاقة وثيقة بالأميرة، لدرجة أنه اشترى لها هذه الدمية. أثارتها فكرة سؤال الأميرة عنه، ولم تقاوم.

«سيدتي، اعذريني على تطفلي…»

جفلت ميلا، وخرجت من شرودها. التفتت فورًا ونظرت إلى جافيني بعينين محمرتين من البكاء:

«أنتِ… الخادمة التي أتت في الصباح؟»

«نعم، سيدتي. هل أنتِ بخير؟»

جعلها السؤال تدخل في دوامة تفكير، ثم عمّ الصمت. تحدثت أخيرًا وهي تطأطئ رأسها:

«لا أعلم… حقًا لا أعلم.»

نفد صبر جافيني. كانت تريد سؤالها عن البستاني فورًا، لكن ذلك سيبدو مثيرًا للشك. اقتربت منها وربّتت على ظهرها:

«اهدئي، سيدتي. لا يستحق الأمر أن تؤذي نفسك لأجله.»

انفجرت ميلا فجأة، وأسهبت في الحديث:

«لا أريد الزواج من ذلك الرجل! إنه مخيف وبشع! توسلتُ إلى أخي، وكدت أقبّل قدميه، لكنه طردني! لماذا يفعل ذلك بي؟ ما ذنبي؟!»

لم تهتز ملامح جافيني. لم تواسي أحدًا في حياتها، وليست بارعة في ذلك.

«أنا أكرههم جميعًا! حتى ثيودور، الذي كان ألطف شخص قابلته في حياتي،ظننت أننا نحب بعضنا»

*أوه… هل ستتحدث عن حب حياتها الآن؟ لستُ متفرغة لهذا.*

«لقد وعدني بأنه سيحميني، لكنه كذب علي. أكرهه… أكرهه!»

*ولِمَ صدّقته بهذه السرعة؟*

استمرت جافيني في التربيت على ظهرها، فهذا كل ما تستطيع فعله.

«أخواتي يردن الخروج من هذا القصر، حتى لو عنى ذلك الزواج من رجال سيئين. لكنني لست مثلهن. أريد عائلتي… أريد أن أبقى مع ثيو.»

سقطت على الأرض، تعانق دميتها وتنتحب.

وأخيرًا، تحدثت جافيني:

«سيدتي… أعتذر عن قولي هذا، لكنكِ ساذجة.»

جلست ميلا بسرعة، غاضبة:

«ما…؟!»

أسكتتها جافيني:

«إذا تخلى عنكِ، فلماذا لا تزالين تريدينه؟»

«لأنه… لأنه أنقذني. كان أول شخص يهتم لأمري ويشعرني بأهميتي.»

صكّت جافيني على أسنانها، هي تكره الأغبياء ولكنها مجبرة على التظاهر باللطف وهذا ما هي معتادة عليه.

«إنه كاذب. لقد كذب عليكِ. الأهمية التي شعرتِ بها مزيفة، مثل أحاديثه.»

وقبل أن تجيب ميلا، سألتها جافيني:

«بالمناسبة، هل هو نفسه الشخص الذي أعطاكِ هذه الدمية؟»

لم تجب الأميرة، وتراجعت إلى الخلف. لأول مرة تسمع أحدًا يتحدث بهذه الطريقة.

«إنه هو…»

أومأت وهي تحبس دموعها.

أخفت جافيني ابتسامتها تحت كفها. حصلت على طرف خيط آخر.

جلست على مقربة من ميلا:

«لا بد أنكِ تشعرين بالضيق الشديد منه. حدثيني عنه، ربما ترتاحين.»

لم تصدق ميلا أنها وجدت شخصًا يستمع إليها غير ثيو، فلم تفكر طويلًا.

«إنه مثالي من كل النواحي. ظننتُ أنه يحبني.»

توقفت لتستجمع نفسها، بينما فكّرت جافيني، فبالنظر إلى ظله من المستحيل أن يقع ذلك المجنون في الحب. لا بد أنه كان يمثل ليحصل على شيء منها.

«كنا نتحدث كل يوم عن هواياتنا وعن ما نحب وما نكره،عن أحداث يومي كذلك. قال إنه يحب الرسم والمبارزة… وهو بارع في استخدام السيف. كان يحميني كل يوم.»

ازدادت التساؤلات في رأس جافيني:

«يحميكِ من ماذا؟»

اتسعت عينا ميلا، وكأنها كادت تفشي سرًا خطيرًا. غيّرت الموضوع بسرعة:

«أحضر لي هذه الدمية لأنني أحب الدمى. أليس لطيفًا؟»

ثم استمرت بالثرثرة لنصف ساعة كاملة. أصغت جافيني دون مقاطعة، حتى انتهت ميلا أخيرًا وأخذت نفسًا عميقًا.

«هل سمعتِ كل ما قلته حقًا؟ عادةً يتصرف الخدم كأنهم أشباح، لكنكِ تبدين حقيقية… تذكرينني به.»

«لم تخبريني عن عمله كبستاني.»

«بستاني؟ إنه ليس كذلك.»

«ماذا؟ ماذا تعنين؟»

«إنه يعيش في الطابق السفلي الأول، ولا يخرج إلا في الليل بعد نوم الجميع. أعلم أن الأمر جنون، لكنه يملك أسرارًا كثيرة ولا يشاركها معي. إنه لا يعمل كبستاني… بل يختبئ من العائلة.»

شعرت جافيني بالدوار:

«هل تقصدين أنه يخالف القواعد ويتجول في القصر بعد العشاء؟ وكيف عرفتِ؟ هل أخبركِ أم أنكِ…»

أمسكت ميلا بيدها:

«أنتِ شخص لطيف، لذلك سأخبركِ. أنا أخرج ليلًا لأقابله. إنه يستطيع قتلهم وحمايتي منهم، لذلك لا أشعر بالخوف.»

«هم… من هم؟»

انعقد لسان ميلا، فغيّرت الموضوع:

«مخالفة القواعد ليست خطيرة. طلبتُ منه مساعدتي على الهرب، لكنه أعادني إلى غرفتي وتجاهلني.»

*إنها ساذجة… هل وثقت بي لمجرد أنني استمعت؟*

«لذلك… هل تساعدينني؟»

كان السؤال مفاجئًا. نظرة ميلا المتوسلة جعلت جافيني ترغب في الضحك، لكنها تمالكت نفسها، ستخدعها حاليًا لتفكر فيما تفعله.

«سأفعل، لكنني لا أعرف شيئًا عن القصر.»

«لا بأس! لدي خطة بالفعل. كل ما أحتاجه شخص يساعدني.»

«إذن…»

«الأسبوع المقبل! يوم الثلاثاء. هل اتفقنا؟»

بعد الانتهاء من التنظيف، خرجت جافيني وهي تفكر. بدأ الأمر يصبح ممتعًا… لكنها لم تكن متأكدة إن كانت ستعيش حتى الثلاثاء.

«هيه، أنتِ!»

أوقفها صوت إحدى الخادمات، كانت تلك ذات الشعر الأحمر.

«سمعتُ أنكِ أصبحتِ صديقة لذلك الشيء.»

لم تجب جافيني، والتفتت لتتجاهلها، لكن الخادمة أمسكت بذراعها:

«لنتحدث.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة