رسالة من ميت

رسالة من ميت

59 0

الفصل الثالث:

رسالة من ميت.

"إلى جافيني الحبيبة،

مرحبًا

كيف كانت أحوالك هذا الخريف؟ تساقطت الأوراق أمام باب القصر الذي أقطن فيه ولا يزال المزارع يكنس الأوراق الصفراء كل يوم بلا كلل،لا ألومه فلا أحد يملك سببًا للعيش هنا سوى أن يعمل،أصبح هذا ما نتنفسه.

لا أعلم لمَ تذكرتك، ربما لأنك تشبهين الزهرة الذهبية التي كاد يقتلعها بالأمس لولا أنني منعته،من الغريب وجود زهرة بهذا اللون النادر وسط الزهور وردية اللون،ولكنني شعرت بأنها تنظر إلي، وكأنها تجسيد حي لوجودك الذي افتقده.

لن أطيل بالمقدمات، رغم ان لدي الكثير من الأشياء التي لم أخبرك بهذا هذه السنين وكيف قضيت حياتي في هذه السنوات، أفتقدك وتفتقدك أمي-نعم،امي لا تزال حية وهي تنتظرك كل يوم والدموع تملأ عينيها.

أمي تعيش معي في القصر كذلك، يجب أن أكون شاكرًا لصاحب القصر الذي استضافنا بصدر رحب، وسأغض الطرف عن الهمسات التي أسمعها تحت سريري والخربشات التي اسمعها على نافذتي كل ليلة.

أتمنى أن أستطيع القدوم لزيارتك يومًا ما، ولكنني عالق هنا بسبب اللعنة التي تحيط بهذا القصر، حتى لو كنت ممتنًا فالعيش هنا صعب للغاية خصوصًا بوجود القواعد التي تحكم المكان.

لذلك، أتمنى أن تأتي إليّ وتبحثي عني لأطمأن عليكِ، ولكن احذري.

هنا في كاليجورا، سأنتظرك....بفارغ الصبر.

أخوك الذي يفتقدك، كيران"

"هذا جنون، كيف صدقت جافيني ذلك؟ لا بد أن العاطفة جرفتها حتى ما عادت تفرق بين الواقع والخيال"

بعد ان انتهى ذلك الرجل ذو الشعر الكستنائي من القراءة نظر إلى روزيانا، كل شيء حول الرسالة مشبوه،قال بثقة:

"اسمعي ذلك من صديق كيران المقرب-قبل أن يموت-، كيران لا يتحدث بهذا الأسلوب اللطيف مطلقًا، وإذا كان قلقًا عليها حقًا فلن يخبرها بأن تلحق به وتحاصر معه في القصر الذي يقول أنه ملعون، انه مفرط في الحماية، يفضل أن يموت على أن تصاب أخته بخدش واحد"

اومأت روزيانا بهدوء،لم ترَ كيران هذا سابقًا ولكنه يبدو شخصًا مزعجًا،إذا كان لديها أخ بالمواصفات التي يصفها أوستيرا به فستقتله بنفسها ولن تنتظر منه أن يموت في حادث، قالت:"كل ذلك بسببك أيها الطبيب الفاشل، لا، انت لا تستحق أن أناديك بالطبيب يا أوس، أرأيت ما آلت له حالها؟ تصدق رسالة بها كل أنواع الهراء مثل تلك؟"

تنهد أوس بقلة حيلة، أمضى خمس سنوات من حياته في محاولة معالجتها ولكنها تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.

والمشكلة أنها تصدق بكل جوارحها أن قريتهم لم تتدمر بسبب الفيضان، كانت في البداية تهذي وتقول بأن هناك وحوش غريبة فتكت بالقرية وأهلها، ثم أصبحت تحاول أن تكذب نفسها وتصدق أمر الفيضان الذي دمر معظم أراضي المملكة، ولكنها في آخر شهرين عادت للهذيان مجددًا.

عائلة جافيني ماتت في حادث سير بينما كانو يهربون قبل قدوم الفيضان، حتى عائلته كذلك، وهذه الحقيقة المطلقة التي لا جدل فيها.

بسبب ذلك أصيبت جافيني باضطراب ما بعد الصدمة وأصبحت تظن بأن هناك وحوش وأشياء أخرى لم يسمع بها إلا في قصص الأطفال.

"أبي كان أول من تولى علاجها"

تحدث دون أن يدرك أنه يصرح بأفكاره بصوت مرتفع.

"والدك؟"

"نعم، كانت مصابة بنوبات هلع وترى أشياء لا يراها أحد غيرها، وبفضل الإله ثم أبي تحسنت حالتها كثيرًا واستطاعت الإندماج مع البشر، وبعد موته...اه أشعر بالصداع"

وضع أوس يده على رأسه ثم رفع حبة الدواء الموضوعة على الطاولة ورماها في فمه وشرب الماء بعدها، كان يأخذ الدواء في كل مرة يجلس فيها مع جافيني للعلاج، وهذه المرة أيضا.

"ألم يمت والدك في حادث السير؟"

سألت روزيانا باستغراب، وكأنها لاحظت شيئًا غريبًا.

مسح أوس الماء المتبقي على شفتيه ونظر في وجهها لبرهة ثم قال:

"نعم، لماذا تسألين بتلك النبرة؟"

قالت روزيانا:"ألم تقل سابقًا أن سبب حالتها هو اضطراب ما بعد الصدمة؟ كيف يعالجها والدك الذي مات في الحادث؟"

قطب أوستيرا حاجبيه، لم يخطر هذا السؤال في باله من قبل.

كيف يعالجها والده وهو مات بعد ان مرضت؟

لماذا كان يشعر بالفراغ في ذكرياته حول والده وجافيني كل تلك السنوات؟

لا يعلم، أما عن تلك الحادثة فلا يتذكر لماذا نجى كل منهما رغم موت الجميع، ولكن هذا لا يهم.

اعتنى بجافيني منذ أول يوم لهما في الميتم حتى هذه اللحظة إلا أنه يشعر بالتشاؤم بالقرب منها، ربما لأن عينيها تبدوان وكأنهما تقرآن كل شيء يخفيه وكأنه كتاب مفتوح، أو لأنها تجعله يشعر بالغرابة، لماذا لا يتذكر أيامه في القرية كما تتذكرها هي؟

في ذاكرته، هناك الكثير من الفجوات وكلما فكر في أمرها أكثر زاد صداع رأسه، ودون أن يشعر أي منهما، تغير الموضوع وكأنه لم يكن.

"إنها أصعب حالة مرت علي،كبرنا سويا منذ الثالثة عشر ولكنها لا تزال غامضة تمامًا"

وافقته روزيانا، وعلى وجهها بعض الإمتعاض، وكأنها كانت توشك على قول شيء مهم ولكنها نسيته، ثم قالت:"يجب أن نوقفها عن الذهاب،لا أستطيع تركها تموت هكذا"

توقفت عن الحديث عندما خطر ببالها شيء ثم قالت وهي تتلعثم:"ربما كان هناك سحر غسل الدماغ في الورقة وتم تفعيله بعد أن فُتحت الرسالة،لذلك هي مصرة على الذهاب"

هز أوس كتفيه:"بحقك روزا،السحر لم يعد موجودًا بعد حادثة الفيضان"

قالت روزا بجدية:"ولكننا لا نعرف ما يجري في كاليجورا،بالمناسبة،أليس من الغريب أن رسالة كشفت بعض التفاصيل البسيطة عن أسرار القصر وصلت إلينا؟؟ إما انهم هم من أرسلوها بنفسهم أو أن أحدهم وضع سحر التمويه بجانب التنويم على الختم، فبعد البحث لبضعة أيام، اكتشفت ان هناك شخصا غامضا يقتل كل من يمتلك معلومات عن كاليجورا"

فكر أوستيرا قليلًا ثم قال:"أنتِ محقة،لنترك هذا الأمر جانبًا لبعض الوقت،كيف تخططين لإيقافها؟"

"هذا سهل،رجالي سيفعلون"

"هل ستجعلين رجالك يتدخلون في كل شيء؟كما أن مهمتهم الأساسية هي جمع المعلومات، يالهم من مساكين"

"كيف يكونون مساكين وهم يعملون تحت إمرة العظيمة روزيانا"

"ها نحن ذا قد بدأنا"

ضربته على كتفه وقالت:"أنت مزعج للغاية، تعلم ذلك صحيح؟"

ابتسم أوس ثم قال:"نعم، أسمعها كل يوم من عزيزتي جافي، رغم أنني أوبخها ولكنها لا تزال وقحة مثل أخيها تمامًا"

ضحكت روزا:"كيف كانت شخصية كيران؟ أشعر بالفضول عن سبب حب جافيني الشديد له"

"هممم....كان غاضبًا طوال الوقت مع ملامح باردة، هو سيء في التعبير عن مشاعره، لم أره يومًا بعيدًا عن جافيني لأنها كانت مريضة، ومع حمايته المشددة كان متحكمًا للغاية، لدرجة أنها أصبحت تلوح بالسكين في وجهه"

انفجرت روزا ضاحكة:"كنت أفكر في قتله بالفعل، يبدو أن جافيني تشاركني طريقة التفكير"

"أنتِ متوحشة للغاية هل تعلمين؟ على أية حال، لا أتذكر الكثير، سوى أنه كان ذلك النوع من الرجال، الذي سيضحي بأي شيء من أجل عائلته"

لم تجب روزا وغاصت في أفكارها،قال أوستيرا بعد تفكير:"بالحديث عن إيقاف تهور جافي، سأفعلها،سأساعدك كأخ كبير لها،إنها لا تزال صغيرة ولا تعرف مصلحة نفسها،بما أن رجالك سيقومون بنصف المهمة فدعيني أكتب لكِ الخطة، وأريد ان أعرف لماذا تصدق تلك الرسالة المشبوهة"

اومأت و ساد الصمت،ثم تذكرت السبب الذي جاءت لأجله:"جئت لأطالب بمالي، لم تتمكن من معالجتها"

"مالك؟ كنت أعالجها بالمجان،كالمتوقع،لا تزالين محتالة تمامًا"

"هل تحاول خداعي؟ لقد دفعت لك كل المبلغ قبل ثلاثة أشهر، أريد مالي"

"من تظننيني بحق خالق الجحيم؟ في البداية أعالج أختي بالمال ثم أتظاهر بأنني لم آخذ شيئًا؟؟ ومن وضع هذا القانون الذي ينص على إعادة المال بعد جلسات العلاج؟؟ ماذا عن جهد الطبيب؟!"

"هل تحاول التملص الآن؟! أعد مالي أيها السارق!"

ثم وجدت نفسها تقف أمام الباب المغلق وتصر على أسنانها:"كيف يطردني ذلك الأحمق؟! تبًا له"

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة