عقاب

عقاب

28 0

التفتت كلتاهما بذعر التهم أنفاسهما، لتجدا الأمير الأول، جون، واقفاً خلفهما مباشرة. كان يقف بكامل هدوئه الخارجي المتيبس، لكن المشهد الأسوأ كان يقبع في الأسفل؛ حيث كان طول ظله قد قصر وانكمش، وكان ذلك الظل يتلوى بجنون وينتف شعر نفسه بحدة. كان الظل قانياً، يتوهج بلون أحمر دموي... إنه غاضب بحق، وغضبه لا يشبهه شيء.

الجو المحيط بجون في تلك اللحظة لم يعد كئيباً وفقط كما كان داخل الغرفة، بل استحال خانقاً، ثقيلاً، ومرعباً كالهواء الذي يسبق المقاصل؛ وكأنه كائن ضاري يستطيع الفتك بأي روح يشاء بمجرد توجيه نظراته الخالية من الحياة إليها.

وضعت ميلا يديها فوق فمها لتكتم شهقة رعب متأخرة، بعد أن أدركت فداحة الموقف المهلك الذي حشرت نفسها فيه.

أما عن جافيني، فرغم برودها المعتاد، إلا أنها شعرت بجسدها يتجمد تماماً تحت وطأة تلك الهالة الطاغية والضغط النفسي المرعب الذي يفرضه ظله الأحمر المتوحش، وشعرت بحبات العرق البارد تتصبب من جبينها في صمت.

تقدم جون نحوهما بخطوات بطيئة للغاية ومحسوبة، كأن الزمن قد تباطأ حول جسده النحيل. وقف أمام شقيقته مباشرة، وكان فرق الطول بينهما جلياً ومهيباً، ولم تتجرأ ميلا على تراجع خطوة واحدة للخلف؛ إذ شلها الهياب تماماً.

انشق سكون الممر الثقيل بصوته الجليدي، حيث لم يكن لأحد غيره الجرأة على النطق في مثل هذا الموقف:

"يبدو أنكِ أصبحتِ مدللة وقليلة الأدب مؤخراً يا ميلا."

تثاقلت أنفاس ميلا وضاق صدرها؛ ورغم أنها لا تملك القدرة على رؤية المسخ الأحمر الذي ينتف نفسه في ظله، إلا أن الضغط الجسدي الملموس الذي يفرضه حضور شقيقها كان كافياً لسحقها. تمتمت بنبرة مرتعشة باهتة:

"أنا... أنا آسفة..."

انقطعت الكلمات وتلاشت من بين شفتيها فوراً، عندما تلقت صفعة عنيفة قوية دوت في الرواق، مالت برأسها حداً. انهمرت دموعها الساخنة على وجنتها قبل أن يستوعب عقلها حتى حقيقة أنها صُفعت للتو.

وفي المقابل، ظل جون واقفاً بملامح باردة كالموت، لم تهتز فيها شعرة، وتابع بنبرته الخالية من الشفقة:

"النساء المتمردات كائنات مزعجة للغاية... يبدو أنه يتوجب تأديبكِ وكسر هذا العناد في رأسكِ قبل أن تُزفي إلى زوجكِ."

بقيت ميلا مطأطأة الرأس تبكي، ولم تجرؤ على رفعه، إلا عندما امتدت يد جون القاسية لتقبض على خصلات شعرها بعنف شديد، جابرة إياها على النظر في عينيه المهلوستين مباشرة، وقال:

"لماذا لا تتحدثين الآن؟ هل ابتلع القط لسانكِ أيتها الأميرة؟"

لم تجبه، واكتفت بالارتجاف بين يديه. دون أن يفلت خصلات شعرها المشدودة، نادى جون بصوت قاطع شق عتمة الممر:

"أيها الخادم."

ومن حيث لا يعلم أحد، ومن بين ظلال الجدران الملعونة، انشق خادم مجهول الهوية وانحنى بطاعة مطلقة، ماداً يديه ليسلم سوطاً جلدياً أسود للأمير. أخذ جون السوط وقبض على مقبضه بآلية، دون أن يبعد عينيه الثابتتين عن وجه ميلا المذعور، وهمس بروية مرعبة:

"هل نجرب التأديب بالضرب والجلد أولاً لنتعلم الطاعة؟"

عندما رأى أن جسدها لا يزال يرتجف وأن دموعها تنساب دون أن تسقط عند قدميه لتتوسل الرحمة وتلعق حذاءه، نقل نظراته ببطء نحو جافيني الواقفة في الخلف.

تراجعت جافيني خطوة حذرة للوراء وهي تشعر ببرودة الخطر، وعندها ارتسمت على شفتي جون ابتسامة مفترس مريض عثر للتو على ضالته المفضلة.

تابعت عيناه جافيني وهو يقول:

"لقد فهمت الآن... هل هذه الخادمة المستجدة الذليلة هي من نفثت السم في رأسكِ وعلمتكِ التمرد؟ لا بد أن الأمر كذلك."

وقبل أن يتم جملته ويصدر حكم الموت على الخادمة، صرخت ميلا بنبرة يائسة مزقت الحبال الصوتية لشدتها:

"لا!! لا علاقة لها بالأمر مطلقاً!"

وبحركة اندفاعية مستبسلة، وقفت ميلا بجسدها المرتجف أمام جافيني، متخذة من نفسها درعاً حياً يحجب الخادمة عن نظرات الأمير السادي، وقالت وهي تغرق في بكائها المتواصل ونبرتها المتوسلة:

"إنه خطئي أنا وحدي! أنا من خططت لكل شيء... سأفعل أي شيء تطلبه مني وتأمر به، ولكن... أرجوك..."

اتسعت ابتسامة الأمير جون ببطء، ابتسامة حملت الكثير من الخبث والرضا المريض، وقال بهدوء مخيف:

"حسنًا... سأستجيب لتوسلكِ هذا."

ثم أشار لجافيني بيده الناحلة بحركة إقصاء باردة:

"يمكنكِ الذهاب أيتها الخادمة، هناك حديث لطيف وخاص يجب أن يدور الآن بين الإخوة."

تصبب العرق البارد من رأس جافيني، ونهشها التردد في تلك الثواني المعدودة؛ كانت تعلم يقيناً أنها تقف على حافة هاوية.

إذا تركت ميلا وحيدة هنا لتواجه سادية شقيقها، فستنتهي مسرحية الصداقة التي نسجتها، ولن تثق بها ميلا بعد الآن مما يعني خسارة ورقتها الرابحة ضد نواه.

وإذا رفضت المغادرة وأصرت على البقاء، فإن شيئاً بالغ السوء والدموية سيحل برأسها حتماً.

"ا... اذهبي..."

خرجت جافيني من شلل تفكيرها على همس ميلا المرتجف. لم تملك ترف الوقت؛ تراجعت خطوتين حذرتين للخلف، ثم التفتت وركضت مبتعدة في الممر وعيناها مثبتتان على الأرض. ما إن نزلت درج الطابق وابتعدت عن الجناح، حتى توقفت وهي تلهث بعنف، ليس بسبب الجهد الجسدي، بل من الرعب الخانق الذي كان ينهش صدرها.

كان ذلك جنوناً مطلقاً! في كل مرة تقابل فيها فرداً جديداً من هذه العائلة، تكتشف وتتيقن بأن سكان هذا القصر ليسوا طبيعيين البتة، بل هم مسوخ بهيئة بشرية. لكن، وسط هذا الذعر، داهم عقلها تساؤل أشد قسوة: *ماذا عن أخيها ووالدتها الراحلة؟ ما الذي كانا يفلعانه تحديداً في مكان ملعون ومهلك كهذا؟ وهل يعقل أن "سيد القصر" الذي ذكره كيران في رسالته، وقال بأنه استقبلهما بترحاب، هو نفسه الأمير الأول؟*

*لماذا قد يستقبل مختل وسادي مثل جون عائلتها؟ وما هي المصلحة المشتركة بينهما؟*

توقفت أنفاس جافيني تماماً وتصلب جسدها عندما شعرت فجأة بيد غريبة تربت على كتفها من الخلف. استدارت بذعر شاخص، لتلتقي عيناها الذهبيتان بعيني خادمة أخرى كانت تقف بملامح عابسة وناقمة، وقالت الخادمة بحنق وضيق:

"تباً لكِ! لقد ناديتكِ أكثر من سبع مرات متتالية!"

نظرت إليها جافيني بعينين فارغتين دون أن تركز مع أي حرف يخرج من فمها؛ إذ كان عقلها لا يزال عالقاً في الطابق العلوي، يتساءل عما يحل الآن بنقطة ضعف نواه الوحيدة، وعما إذا كان يتوجب عليها التدخل بطريقة ما لإنقاذها قبل أن يقتلها جون أو يصيبها بعاهة تخرب مخططاتها.

"هل تتجاهلينني الآن فوق كل هذا؟!"

صرخت الخادمة بغضب جراء برود جافيني، لتعيدها تلك الصرخة الحادة إلى واقع الرواق البارد. تابعت الخادمة بتذمر وهي تشيح بوعلها:

"تباً... الخادمات الجديدات مزعجات ومثيرات للصداع حقاً! على أية حال، اذهبي فوراً إلى غرفة الطعام، كاترينا تنتظركِ هناك منذ زمن طويل."

غادرت الخادمة مسرعة بمجرد أن أنهت إلقاء أمرها، وكأنها تخشى البقاء في الممر.

نعم... لقد نسيت جافيني أمر القواعد التي لم تُكتب تماماً جراء تلك المواجهة الدموية. التفتت بنظراتها نحو السلم المؤدي إلى الطابق العلوي؛ الغريب أنه لم يكن يتدفق منه أي صوت... لا صراخ ميلا، ولا صوت بكائها المعتاد، فقط صمت مطبق ومريب يثير التوجس.

شدت جافيني على قبضتها بقوة حتى ابيضت قشور جلدها، ثم حسمت أمرها، واستدارت تمشي بخطوات ثابتة وباردة باتجاه غرفة الطعام، تاركة خلفها صمت الجناح المحرم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة