نواه او ثيودور

نواه او ثيودور

51 0

الفصل السادس عشر:نواه او ثيودور

"وجدتك"

قالتها هايدي بابتسامة واسعة، وكانت أسنانها البيضاء هي الشيء الوحيد الظاهر من خلف جلدها المتفحّم.

مدّت يدها ذات المخالب لتقطع رقبة جافيني، لكن الأخيرة تداركت الموقف بسرعة، سحبت خنجرها وقطعت يد هايدي به، فتطاير الدم على وجه جافيني وملابسها.

هذه المرة لم يكن دم وحش، بل دم حي… دم بشري، دافئ بطريقة مرعبة.

سقطت هايدي على الأرض تصرخ وتمسك بيدها المبتورة وتتلوّى.

لم تفهم جافيني ما يحدث؛ كانت تظن أن هايدي لا تنزف، وأنها عندما تموت تتحول إلى سائل أسود، نظرت إلى الخنجر في يدها، ثم أدركت أنه ليس من خناجرها، كان الخنجر نفسه الذي أعطتها إياه كبيرة الخدم.

كانت قد وضعته في جيبها سابقًا لتعويض نقص الخناجر، ولم تتوقع أنها ستستخدمه يومًا. كانت تظن أن كبيرة الخدم أعطته لها لتقتل نفسها به.

سرت قشعريرة في جسدها. ماذا لو لم تضعه في جيبها؟ كانت ستظل تطعن هايدي حتى الصباح دون أن تموت.

أغلقت ميلا عينيها ونظرت بعيدًا، بينما نهضت جافيني وطعنت هايدي مباشرة في قلبها. صمتت الأخيرة وارتخى جسدها، وحلّ هدوء غريب في المكان، هدوء لم يطمئن جافيني.

*هل… انتهى الأمر هكذا؟* 

لم تصدق أن النهاية جاءت بهذه السهولة.

قطع الصمت صوت تصفيق جعل جافيني تنتفض وتوجّه سلاحها نحو مصدره. اقترب الرجل بخطوات واثقة وهو يصفق، هذه المرة لم يكن يرتدي قبعته، فاستطاعت جافيني رؤية عينيه المختلفتي اللون؛ اليمنى زرقاء والأخرى سوداء.

"كان هذا رائعًا للغاية، لقد تأثرت!"

كاد قلب جافيني يخرج من صدرها وتحدثت بحدة لتخفي ارتعاش صوتها:

"لا تقترب."

توقف ورفع يديه: 

"حسنًا حسنًا، لا تزالين شرسة كما كنتِ تمامًا."

"اخرس." 

عضّت على شفتها وهي تكبت غضبها بصعوبة.

"ما بك؟ ألم تشتاقي إليّ؟ ظننت ذلك عندما سألتِني إن كنتُ نواه في محطة القطار."

أنكرت رغم أنها أجزمت من أنه هو:

"أنت لست نواه! من أنت؟!"

ما أخافها هو ظله، الذي كان يقف بجانبه وهو يضحك مستمتعًا،كان ظل نواه يشبه الحصان الأبيض،وبالأمس كانت هيئته غريبة بشكل لا يمكن تحديده وكان يمتلك ذيلًا طويلًا، ولكن ذيله اختفى اليوم وتغيرت هيئته!

هذا لم يحدث ابدًا في حياتها،الظلال لا يمكن أن تتغير بهذا الشكل وباستمرار حتى لو تغيرت شخصية صاحبها، ونواه ليس هكذا، لم يكن هكذا أبدًا.

خرجت ميلا من خلف الشجرة تراقب الموقف بفضول. قال ثيودور: 

"بلى، أنا هو. ألا تصدقين؟ نفس لون العينين رغم أنني صبغت شعري. وهل ترين الخدش على عيني اليسرى؟ أليس مألوفًا؟"

اقتربت ميلا من جافيني وسألت: 

"ما الذي تتحدثان عنه؟"

"تراجعي." 

نظرت إليها جافيني بحدة، فتراجعت ميلا بصمت.

عادت للنظر إليه وقالت بصوت حاولت إخفاء ارتعاشه:

"ما الذي تفعله هنا؟ كيف تغيرت هكذا؟ صوتك… أسلوبك… وحتى ظلك."

"لا تزالين تشكين؟ حسنًا، هل نتوقف عن تحقيق ما بعد اللقاء ونبدأ في المهم؟ ألا تريدين الحديث عن الرجل الذي سألتِني عنه؟ قلتِ لك أنني أعرفه حق المعرفة"

لم تجبه، فتابع: 

"إنه رجل ليلي يكره النوم ليلًا، لكنه اضطر للنوم مبكرًا عندما جاء إلى هنا. لا يحب أكل الملح لأنه يعاني من جرح دائم في فمه. وهو فظ ومزعج… هل تريدين المزيد؟ إنه يكرهني وأنا أكرهه. لقد جعلني أخسر الكثير، لكن رؤية دموعه كانت تستحق العناء."

ارتجفت يداها وكاد السلاح يسقط منها. 

"ما الذي تهذي به؟ لا أفهم شيئًا مما تقول."

"أتحدث بوضوح. لقد قتلتُ والدتك أمامه بعد أن دمّرتِ حياته، فانهار وفقد الرغبة في العيش."

نظرت جافيني إلى ظله كأمل أخير، لكن لونه بقي كما هو.

ثم نظرت إلى وجهه… إنه حقًا نفس الفتى الذي تعلقت به يومًا لأنه الوحيد الذي لم ينعتها بالمجنونة. وثقت به، لكنه اختفى وتركها في الميتم بين أشخاص لم تستطع الاندماج معهم. وعندما التقت به مجددًا، اتضح أنه مجرد وغد… أو ربما تغيّر عندما اختفى، فظله كان طبيعيًا قبل ذلك.

"هل… مات؟"

"ليس بعد. أرجو أن يموت قريبًا. لكنه يبحث عنك أيضًا، أليس هذا مؤثرًا؟"

نفد صبر جافيني، فرمت خنجرها عليه. مال برأسه قليلًا فتجاوزه الخنجر وخدش وجهه. لم يرمش، بل ابتسم ساخرًا: 

"كل هذه القوة… وكنتِ تركضين خوفًا منها؟"

جزّت على أسنانها وقالت بآخر ذرة صبر: 

"كنت أعلم أن هناك وغدًا يراقبني… وهو نفسه الذي جرّني إلى ذلك الموقف ليختبر قوتي وردات فعلي"

ضحك ساخرًا: 

"كشفتِ خطتي؟ ظننت أنني كنت مختبئًا جيدًا."

رمت خنجرًا آخر: 

"اضحك كما تشاء، لأنك ستفقد رأسك اليوم ولن تضحك مجددًا."

تفاداه بسهولة: 

"كنت سأتشرف باللعب معك، لكنني لست متفرغًا الآن. سامحيني، يجب أن أغادر."

عضت على شفتيها حتى نزفتا ثم رمت بالخنجر الذي أعطته إياها رئيسة الخدم:

"أنت وحش..."

ابتسم بعد ان أمسك به بأصبعين دون ان يصاب بخدش:

"شكرًا على الإطراء"

وضعت جافيني يدها في جيبها لتخرج المزيد من الخناجر ولكن مخزونها انتهى.

"هل انتهيتِ بالفعل؟ كنت أظن أننا سنستمر بمحاولة قتل بعضنا حتى تطلع الشمس"

ثم مد يده إلى ميلا: 

"هيا، سأعيدك لغرفتك."

اختبأت ميلا خلف جافيني: 

"لا، سأعود وحدي اليوم."

لم تفهم ميلا شيئًا مما يحدث. بدا ثيودور شريرًا لأول مرة في نظرها، وأرادت الوقوف إلى جانب صديقتها، خاصة بعد أن قطعت علاقتها به.

تحول لون ظله إلى الأحمر فلاحظت جافيني ذلك على الفور: 

"اتبعيني بينما أتحدث بلطف."

دفعتها جافيني: 

"اذهبي."

التفتت ميلا تتأكد منها، ثم أومأت ولوّحت لها وتبعته. راقبت جافيني ابتعادهما، وقد تراجعت عن قتله الآن… لأنها قررت قتله بطريقة أبشع، ولأن ميلا لا تحب رؤية الدماء.

*انتظر فقط… سأقتلك قريبًا.*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة