الفصل الخامس عشر:طلب هايدي الأخير.
توقفت هايدي فجأة واستدارت:
«هل أنتِ مستعدة لسماع طلبي؟»
بعد لحظة صمت، أومأت جافيني، وهي تتمنى ألا يكون صعب التنفيذ، فإذا كان، سيكون الهرب صعبًا، تحدثت هايدي وقد تبدلت ملامحها:
«جدي أختي.»
لم تتحدث جافيني من شدة الصدمة. هل كان هذا هو الطلب حقًا؟ بدا الوحش الشبيه بهايدي بعيدًا كل البعد عن الوحوش في تلك اللحظة، كان اقرب إلى إنسان محطم.
"هل أنتِ جادة؟"
اسودّت عيناها واختفى الحزن وحل الغضب:
"لا تستطيعين إيجادها، صحيح؟ كنت أعلم! لا أحد يستطيع إيجادها! لقد طلبت أختي فقط! لماذا حياتي سيئة لهذه الدرجة؟!"
كان صوتها يزداد حدة وعلوًا مع كل كلمة. استيقظ الكثير بسببه، ومنهم كبيرة الخدم التي تقلبت في فراشها وحدثت نفسها:
"ها قد بدأنا."
تراجعت جافيني للخلف وقالت:
"لم أقل إنني لن أجدها، أعني… دعينا نتفاهم بهدوء."
انشقت لثتها، ونمت أنيابها ومخالبها، وبدا أنها فقدت عقلها وقدرتها على استيعاب الكلام. اقترب ظلها منها واندمج معها. لم تنتظر جافيني ثانية أخرى،استدارت وركضت نحو القصر، لكنها تذكرت أن الباب مغلق، وأنها إن حاولت فتحه فسيضيع الوقت وتصبح وجبة لها.
تذكرت أول يوم أتت فيه إلى هنا؛ اتخذ الرجل المدعو ثيودور طريقه يمينًا ولم يدخل القصر. ربما يؤدي ذلك الطريق إلى مدخلٍ سري، أو—إن حالفها الحظ—إلى الحديقة الخلفية، فهايدي لم تستطع دخولها المرة الفائتة.
التفتت مسرعة، لكنها لم تكن أسرع من هايدي التي أمسكت بذراعها وسحبتها بقوة نحو فمها. في اللحظة المناسبة، رفعت جافيني سكينها وطعنت هايدي في فمها ثم في رقبتها. لم تمت، لكنها تراجعت للخلف وهي تتأوه. استغلت جافيني الفرصة وركضت مبتعدة.
*لقد طعنتها في منطقة حساسة ولم تمت… لا تخبريني—هل هذا لأن ظلها اندمج معها؟ هذا يعني أنها لن تموت مهما حاولت.*
كان العرق يتصبب من جبينها وقلبها ينبض كالطبول. لم تلتفت للخلف، وتابعت الركض. كان سماع صراخ هايدي الغاضب خلفها كفيلًا بجعلها تزيد سرعتها.
بعد خمس دقائق كاملة، وصلت جافيني أخيرًا إلى الجزء الخلفي من القصر. كانت على وشك الانعطاف، لكنها ارتطمت بشخصٍ ما وارتدّت إلى الأرض. وضعت يدها على رأسها وفتحت عينيها؛ كانت تلك ميلا، التي نظرت إليها باستغراب. تبادلتا النظرات لبضع لحظات، حتى نهضت جافيني وسحبت ميلا من يدها دون أن تفسّر.
لم تسأل ميلا أيضًا؛ فقد سمعت أصوات صراخ هايدي ورأتها تقترب منهما. تجمّعت الدموع في عينيها. لم تكن ميلا خائفة، فهي معتادة على رؤيتهم، لكنها شعرت بيد جافيني ترتجف، فتذكّرت أن الأصدقاء يشاركون بعضهم كل شيء، حتى مخاوفهم.
دخلتا الحديقة الخلفية أخيرًا. توقفت ميلا وهي تلهث، فسحبتها جافيني من يدها:
"ماذا تفعلين؟! إنها لا تزال خلفنا!"
"لا تقلقي، هي لن تستطيع الدخول."
تحدّثت وهي تلهث، وقد احمرّ وجهها بالكامل من شدّة التعب.
"حقًا؟ لست متأكدة… لدي شعور سيئ حيال هذا. لنبتعد قدر الإمكان."
أومأت ميلا، ثم تبعت جافيني. بعد الركض لدقيقتين، توقفتا واختبأتا خلف إحدى الأشجار، لأن ميلا لم تعد تستطيع التنفّس. على أية حال، لم يعد هناك أي أثر لصراخ هايدي، وأصبح المكان هادئًا للغاية.
أخذت ميلا نفسًا عميقًا كما تفعل قبل ان تبدأ الحديث دائمًا:
"كان ذلك… شيقًا!!"
تحدّثت ميلا بعينين تلمعان.
"إنه يشبه المشهد الذي قرأته لي مربّيتي! لم أتوقّع أنني سأعيشه!"
تنهدت جافيني، وقد نسيت للحظة سوء الموقف الذي هما فيه:
"تخرجين لمقابلة عزيزك ثيودور وترينهم دائمًا، أليس كذلك؟"
"نعم، لكن مشهد الهروب لم يحصل قط، لأن ثيو كان يقتلهم، ولم نحتج للهرب."
أخرجت جافيني منديلًا من جيبها ومسحت عرق ميلا المتصبّب من جبينها:
"لذلك تتعرقين لمجرّد الركض لبضع دقائق؟"
ضحكت ميلا، ثم عانقت جافيني بقوة:
"لنفعل هذا كل يوم! أوه، صحيح… نسيت أن أخبرك."
*كل يوم؟ هل تعتقد اننا في نزهة؟*
فصلت العناق الذي كاد يخنق جافيني، ثم قالت:
"لقد أخبرت ثيو أنني لن أقابله بعد الآن."
"جيد، وماذا قال؟"
"سألني عن السبب، فأخبرته أنكِ أخبرتِني بأنه خطير وحذّرتِني منه."
هزّت جافيني رأسها بقلة حيلة:
*هذه الأميرة لا تستطيع إغلاق فمها*
"قال لي أن أنتظره في الحديقة حتى يعود ليعيدني إلى الغرفة، لكنه ذهب ولم يعد، فخرجت للبحث عنه."
*ومتهوّرة أيضًا.*
"لنتوقف عن الأحاديث الجانبية، أحتاج إلى التفكير قليلًا."
أومأت ميلا، ثم أغلقت فمها وجلست متّكئة على الشجرة.
وضعت جافيني يدها على رأسها وهي تفكّر: لماذا لا تستطيع الوحوش الدخول إلى الحديقة الخلفية؟ على عكس الامامية، كانت مليئة بهم لدرجة أنها لم تستطع عدهم.
لم يستغرق الأمر أكثر من ثانيتين حتى توقفت عن التفكير، عندما سمعت أصوات خطوات على العشب. نظرت بطرف عينها من خلف الشجرة. كانت تتوقّع رؤية ثيودور، لكن خابت كل توقّعاتها؛ كانت تلك هايدي، التي سارت وهي تلتفت يمينًا وشمالًا بحثًا عنهما.
"أين أنتِ يا صديقتي؟"
تحدّثت بصوتٍ هادئ يناقض صراخها قبل دقائق، ثم قالت:
"سأكون رحيمة هذه المرة، وألتهمك بلطف. لن يكون الأمر مؤلمًا إذا ظهرتِ بسرعة، أعدك."
نظرت جافيني إلى ميلا وأشارت لها بالصمت، لكن ميلا لم تكن تنظر إليها، بل كانت تحدّق خلفها بعينين متسعتين، وكانت توشك على فتح فمها، حين قاطعها صوتٌ متشحرج:
"وجدتك."
hiam m