"جافي؟ أين أنتِ؟"
اخترق سكون الممر صوت ميلا الضجر. ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة عندما رأت جافيني، ثم ركضت نحوها وعانقتها:
"صباح الخير! جئت إليكِ فور انتهائي من الإفطار! هل تكرهين أن أقاطع وقت عملك؟"
"نع… لا، إنه وقت الاستراحة على أي حال."
لم تعرف لماذا زلّ لسانها.
ارتاحت ميلا وقالت برجاء:
"هل يمكننا الذهاب لمكان لوحدنا؟ أريد التحدث معك."
لم يكن أمامها خيار، وها هما الآن أمام مدخل الحديقة الخلفية.
"ألن تدخلي؟" سألت ميلا عندما لاحظت ترددها.
"لا أريد أن أقابله ولو بالصدفة… لأنني سأحطم أنفه وأشويه حيًا،وهذه تعتبر موتة رحيمة لوغد مثله"
ابتسمت ميلا وكأنها تذكرت شيئًا:
"تذكرت! لقد وبخته بالأمس! أخبرته أن يعتذر ثم لا يقترب منك مجددًا!"
قالت جافيني بسخرية:
"حقًا؟ وماذا قال؟"
اختفت ابتسامة ميلا:
"ضحك… ثم تجاهلني. هل كان ما قلته مضحكًا؟"
ربتت جافيني على كتفها:
"أبدًا… لكنه مختل يعاني من مرض الضحك في المواقف غير المناسبة."
ثم تغيرت نبرتها وهي تبعد يدها:
"هناك علاج واحد لحالته… أن نقطع حباله الصوتية."
أمالت ميلا رأسها وقالت ببراءة:
"حباله الصوتية؟ ما هذا؟ وكيف نقطعها؟ أستطيع المساعدة."
"لا شيء مهم."
أمسكت ميلا يدها وقالت برجاء:
"لندخل… أعدك أنه لن يظهر. وإذا ظهر سألكمه على وجهه وأجعله يبكي لأجلك."
*بهذه القبضة الصغيرة… ستتألمين أنتِ ولن يصاب هو بشيء.*
لكنها لم تقلها لها.
"حسنًا… لنذهب."
دخلتا الحديقة وجلستا تحت ظلال إحدى الأشجار الكثيفة. لم تضع ميلا أي وقت، بل اقتربت من أذن جافيني وهمست بنبرة متآمرة:
"هل تذكرين خطة الهروب؟"
أومأت جافيني بصمت، فاسترسلت ميلا بصوتٍ أعلى قليلًا وهي تعدل جلستها بحماس مشوب بالقلق:
"بجب أن أسرع في الهرب.. سأطلعكِ على الخطة، لم تغيري رأيكِ بشأن مساعدتي، أليس كذلك؟"
غرقت جافيني في أفكارها؛ كانت موافقتها السابقة مجرد مناورة أولية، ولم تكن تنوي المساعدة حقًا. لكن ما حدث بالأمس قلب الموازين؛ لقد أدركت أن ميلا هي الوتر الحساس لنواه.
ورغم صمته، إلا أن ظله فضح كل شيء؛ إنها نقطة ضعفه، ورحيلها عن القصر سيكون خسارة فادحة لجافيني،لأنها لا تعرف أي شيء عنه سوى أنه يهتم بهذه الأميرة كثيرًا.
تملكها تساؤل مرير:* هل توجد طريقة لمنعها من الزواج والهروب في آنٍ واحد؟*
"نعم، سأساعدكِ."
قالتها جافيني بنبرة جليدية، بينما كانت تقرر في أعماقها أنها ستضمن ألا تخطو هذه الأميرة خطوة واحدة خارج الأسوار.
"سيكون ذلك يوم الإثنين!" هتفت ميلا، ثم بدأت تسرد تفاصيلها:
"الخطة بسيطة؛ سنغادر من الباب الجانبي. الخروج من الباب الرئيسي انتحار بوجود تلك الوحوش ليلًا! يوجد باب في المطبخ يؤدي مباشرة إلى الغابة، ومن هناك سنمضي بكل بساطة."
قاطعتها جافيني بنبرة عملية: "وماذا عن الوحوش التي تجوب أروقة القصر؟"
التفتت ميلا يمينًا وشمالًا بحذر، وبعد أن تأكدت من خلو المكان، اقتربت أكثر وقالت: "إنه سر.. هل تعلمين لماذا لا تجرؤ الوحوش على دخول الحديقة الخلفية؟"
فوجئت جافيني بأن ميلا تخفي معلومة بهذه القيمة ولم تفصح عنها إلا الآن، فسألت بفضول مكتوم: "ما السبب؟"
"إنها أزهار لوناريا، إنهم يكرهونها بشدة! لا أعرف السبب، إذا قطفت القليل منها وأخذتها معي فلن يقتربوا مني أبدًا، ولكن مفعول تلك الزهرة لا يكون قويًا في الحديقة الأمامية،بل إنها لا تعمل بالأحرى"
"وهل.. جربتِ مفعولها سابقًا؟"
أجابت ميلا بتردد: "في الواقع لا.. ولكنني أرى ثيو يرش بتلاتها أمام باب غرفتي كل ليلة. المشكلة أن تأثيرها يتلاشى بسرعة بعد قطفها، لذا تختفي تلك الزهور تمامًا مع كل صباح."
ثم تابعت شرحها بثقة مهتزة: "لا داعي للقلق من انكشاف أمرنا، فلا أحد يجرؤ على مغادرة غرفته ليلًا. أما عن الطريق عبر الغابة، فأنا لا أعرفه حقًا، لكنني سأسرق خريطة الغابة من مكتب جون."
"وما هو دوري في كل هذا؟" سألت جافيني ببرود.
"دوركِ هو مرافقتي.. بصراحة، أنا أرتعد خوفًا من الغابة ولم أطأها قط."
قالت جافيني محذرة: "الغابة مهلكة، هل أنتِ واثقة من قدرتكِ على تجاوزها؟"
ردت ميلا بإصرار: "نعم! الخادمة المكلفة بشراء المؤن تخرج إلى السوق كل أسبوع وتعود سليمة،بكامل اطرافها."
"الأمر مختلف تمامًا.." تمتمت جافيني.
"لا تكوني قلقة جدًا يا صديقتي!" قالت ميلا وهي تحاول تغيير الأجواء، "والآن أخبريني، هل ستسمحين لي بالعيش في منزلكِ بعد أن نهرب؟ ولتعرفيني على العالم الخارجي!"
عقدت جافيني حاجبيها باستنكار: "نهرب؟ أليس من المفترض أن تهربي بمفردكِ؟"
"ومن قال ذلك؟" احتجت ميلا، "إذا خرجتِ معي إلى الغابة فلا تعودي إلى هذا الجحيم أبدًا، لنخرج سويًا!"
تنهدت جافيني بضيق؛ بدت ميلا مصممة، ولم تجد نفعًا من مجادلتها الآن. كانت عقلية جافيني تعمل كآلة حادة، تبحث عن وسيلة للسيطرة على نقطة ضعف ثيودور الوحيدة. المشكلة أنها لم تفهم بعد طبيعة مشاعره تجاه ميلا؛ فهو غريب أطوار بشكل لا يطاق.
إذا كان يقدرها ويحميها سرًا، فلماذا يدفعها للزواج من ذلك الرجل السيئ؟ ولماذا لا يمنع خطتها الحمقاء للهرب؟
عندما طال صمت جافيني، أمالت ميلا رأسها ووضعتها على كتف جافيني قائلة برقة: "شكرًا لأنكِ أصبحتِ صديقتي.. لم يشاركني ثيو أفراحي وأحزاني يومًا كما تفعلين، بل إنه رفض تمامًا فكرة مساعدتي على الهرب."
اغتنمت جافيني الفرصة لتبديد الغموض: "سيدتي.. ألم يظهر ثيودور أي نية حقيقية لمساعدتكِ؟"
"هذا اللقب مجددًا!" عاتبتها ميلا، "اتفقنا على الأسماء.. ناديني ميا."
اعتدلت في جلستها وتابعت بمرارة: "إنه يصر على هذا الزواج، يدّعي أنه الأفضل لي. وعندما قطعت علاقتي به لم يبدُ عليه أنه يهتم حتى!"
نفخت خديها بغضب لطيف:
"إنه شرير.. لقد ظننتُ لسنوات أنه صديقي الوحيد."
فكرت جافيني بعمق؛ إذا كان يصر على زواجها، فربما يظن أن خروجها من هذا القصر الملعون -حتى كزوجة لرجل آخر- هو سبيل نجاتها الوحيد. لكن، ألم يسمع نواه بالإشاعات المرعبة حول ذلك الزوج المنتظر؟ سواء بقيت أو رحلت معه، فموتها يبدو محققًا.
حدثت جافيني نفسها بسخرية: "ربما هو لا يعلم بتلك الإشاعات، فبما أنه مختل عقليًا، سيكون من الصعب عليه استيعاب منطق البشر الطبيعيين." شعرت بنشوة غريبة وهي تهينه في عقلها.
بينما كانت جافيني غارقة في تحليلها، كانت ميلا تتأمل وجهها البارد، متذكرة ذلك التعبير العنيف الذي رأته عليها بالأمس، مدركةً أن ثيودور هو المحرك لكل تلك المشاعر الدفينة، دون أن تفهم الرابط الحقيقي بينهما.
لاحظت جافيني نظرات ميلا الحزينة والمليئة بالفضول، لكنها لم تسأل، بل وقفت فجأة وهي تبعد ميلا عنها بلطف وقالت: "سأذهب لإكمال عملي."
زفرت ميلا بأسى، ثم نهضت ولحقت بها بسرعة: "سأذهب معكِ! انتظريني!"
توقفت جافيني والتفتت إليها: "سأذهب للتنظيف، لماذا تتبعينني؟"
أجابت ميلا بحماس طفولي: "لأننا حين نخرج سنعيش معًا، أليس كذلك؟ أريد أن أقضي معكِ وقتًا أطول وأتعرف عليكِ أكثر!"
"افعلي ما تشائين"
ثم تبعتها بخطوات واثقة، غير آبهة ببرود صديقتها الوحيدة.
hiam m