المقدمة

المقدمة

93 0

ضَرَبتِ الرّياحُ الأشجارَ في الخارجِ، فتلاطَمَت بقوّةٍ بعضُها ببعضٍ، مُصدِرةً أصواتًا تَهُزّ القلوبَ وتزيدُ من رُعبِ الأجواءِ حولَ ذلك المبنى العِملاقِ، ذي الطِّرازِ القديمِ المظلمِ... الجَذّابِ.

تلاطَمَت النوافذُ والأبوابُ في تلك الليلةِ العاصفةِ، ولم تَرحَمِ الرّياحُ الصارخةُ أحدًا، سوى قاطني الطوابقِ السفليةِ، وكأنّ اللعنةَ قد حلّت على ما فوقَ الأرضِ، دون أن تَمسَّ ما تحتَها.

كانت إحدَى النوافذِ موصدةً بإحكامٍ، ومغطّاةً بالأوراقِ والجرائدِ، وكأنّ صاحبَها يُخبّئُ نفسَه خوفًا من أن يُسمَعَ، أو يُبصَرَ.

إلّا أنّ الغرفةَ كانت خاويةً... وصاحبُها قد هَرَب من لعنةِ الرياحِ التي حلّت هذا الشهرَ على العُليّةِ، واتجهَ إلى أحدِ الطوابقِ السفليةِ.

كانت ترتدي شالًا... وتُمسكُ بيدِها شمعةً انطفأت عدّةَ مراتٍ بفعلِ الرياحِ، ورُبّما بفعلِ يديها المُرتجفتين.

بخطواتٍ متوتّرةٍ، لم تُصدرْ صوتًا وهي تنزِلُ عن الدّرجِ، وأصواتُ أنفاسِها طغَت على صمتِ القصرِ، بعد قصفِ الرعودِ الهائجةِ. وكانت تلتفِتُ كلّ ثانيتين، للتأكّدِ من أنّ الرّواقَ خاوٍ ومظلمٌ خلفَها... كما اعتادَ أن يكونَ.

بعد دقائقَ، وفي إحدى الغرفِ في الطابقِ السفليّ الأوّل:

فتحت تلك الفتاةُ، ذاتُ الشعرِ البنّيِّ المُنسدِلِ على كتفيها، الورقةَ التي وجدتْها أمامَها بعد تفكيرٍ طويلٍ.

قد تحِلُّ عليها لعنةٌ لمجرّدِ لمسِها شيئًا لا يخصُّها، ولكن – لسببٍ ما – كانت تلك الورقةُ مُختلفةً...خصوصًا أنها قضت ثلاثة أسابيع في فك شيفرة تماثيل القصر، وقادها الأمر في النهاية إلى خريطة تؤدي إلى هذا الطابق، وهذه الغرفة، أمام هذه الطاولة بالتحديد.

أخذت نفسًا عميقًا، وفتحت عينيها بعزمٍ. لقد وصلت إلى تلك النقطةِ التي لا رجوعَ منها... ولن تتراجعَ.

وفجأةً...قفزَ عليها شيءٌ ذو أصابعَ طويلةٍ متفحّمةٍ ووثب خلفَها، وأحكمَ قبضتَه على عنقِها، ورفعَها ببطءٍ عن الأرضِ، مقتلعًا الحياة عن جسدها ببطء.

سالت الرغوةُ من فمِها، وخرجت أصواتُ أنينٍ خفيفةٍ، وقدماها تتأرجحان في الهواءِ، حتى ازرقَّ وجهُها، واختفت بؤرتاها، عندما كانت تحاولُ النظرَ خلفَها، لتنظرَ – على الأقلّ – إلى منظرِ قاتلِها. وسقطت على الأرضِ فاقدةً روحَها، أمامَ قدمي ذلك الكائنِ الذي ابتسم ابتسامةً واسعةً وصلت حتى أذنيه. ولم يُرَ من وجهِه شيءٌ سوى أسنانِه البيضاءِ، التي كانت مختبئةً تحت جلدِه المتفحّمِ.

قالَ بصوتٍ أجشٍّ مرعبٍ، يتردّدُ صداُه في أرجاءِ المكانِ:

"لن تَهرُبي... وستبقَينَ هنا."

وبقدمِه المتفحّمةِ كوجهِه، داسَ على الشمعةِ التي وضعتْها الفتاةُ على الأرضِ قبل دقائقَ، فأطفأ نورَها، ليسودَ الظلامُ من جديدٍ، ويختفي هو بجسدِه الأسودِ عن الأنظارِ... واقفًا في الزاويةِ، منتظرًا ضحيّتَه الجديدةَ.

إذا لم تعرف هذه القواعد فلا تحلم حتى بالنجاة في جحيم القصر المظلم....احفظها واحذر جيدا.

1. عَلَى الْجَمِيعِ النَّوْمُ بَعْدَ مَوْعِدِ الْعَشَاءِ بِسَاعَةٍ، وَسَيُعَاقَبُ كُلُّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ غُرْفَتِهِ، وَالْعِقَابُ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ، ذُكُورًا وَإِنَاثًا، خَدَمًا وَأُمَرَاءَ.

2. لَا تَتَأَخَّرْ عَنْ مَوَاعِيدِ الْوَجَبَاتِ الثَّلَاثِ، فَإِنْ فَعَلْتَ، فَسَتَتَضَوَّرُ جُوعًا، وَلَنْ يُسْمَحَ لَكَ بِدُخُولِ الْمَطْبَخِ.

1

3. لَا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلْ غُرْفَتَكَ، وَلَا تَفْتَحْ الْبَابَ لِأَحَدٍ، وَلَوْ بَدَا أَنَّهُ يَعْرِفُكَ.

4. تَفصيلًا لِلقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، فَالْخَدَمُ مَسْمُوحٌ لَهُمْ بِالدُّخُولِ لِتَّنْظِيفِ لِغُرْفَتِكَ مَرَّتَيْنِ يَوْمِيًّا-إِذَا كُنْتَ مِنَ العَائِلَةِ-، انْتَبِهْ... إِذَا اقْتَرَبَ أَحَدُهُمْ مِنْ غُرْفَتِكَ بَعْدَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، فَأَغْلِقِ الْبَابَ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُدْخِلْ أَحَدًا.

5. أَغْلِقْ بَابَكَ قَبْلَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، وَلَا تَفْتَحْهُ حَتَّى لَوْ طُرِقَ، وَلَا تَنْسَ إِغْلَاقَ النَّوَافِذِ، وَلَا تَنْظُرْ تَحْتَ السَّرِيرِ.

1

6. مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَمِيرَاتِ الدِّرَاسَةُ وَالْعَمَلُ وَحَتَّى الْخُرُوجُ مِنَ الْقَصْرِ لِأَيِّ ظَرْفٍ كَانَ، إِلَّا إِذَا وُجِدَ مَنْ يَتَزَوَّجُهُنَّ.

7. مَمْنُوعٌ دُخُولُ الْغُرَبَاءِ لِلْقَصْرِ، فَإِذَا دَخَلَ الْغَرِيبُ وَكَانَ رَجُلًا قُتِلَ، وَإِذَا كَانَتِ ٱمْرَأَةً، فَمَصِيرُهَا كَمَصِيرِ مَنْ أَنْجَبَتْ بِنْتًا.

8. لَا تُحَاوِلِ الْهُرُوبَ، الطُّرُقُ كُلُّهَا مُرَاقَبَةٌ، وَالنَّجَاةُ مُسْتَحِيلَةٌ.

9. حُرْمَةُ الْقَصْرِ كَبِيرَةٌ، فَلَا تَتَجَسَّسْ، وَإِلَّا فُقِئَتْ عَيْنَاكَ. دَاخِلَ الْقَصْرِ، ضَعْ فُضُولَكَ جَانِبًا... لِأَنَّ حَيَاتَكَ عَلَى الْمِحَكِّ.

10. لَا تَثِقْ بِأَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْعَائِلَةِ، فَكُلُّ مَنْ يَعِيشُ هُنَا يَحْمِلُ سِرًّا أَسْوَدًا.

11. إِذَا وَجَدْتَ نَفْسَكَ وَحِيدًا فِي أَحَدِ الْمَمَرَّاتِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ، فَلَا تَنْظُرْ خَلْفَكَ... وَارْكُضْ إلى غُرفَتكَ.

12. إِذَا سَمِعْتَ خُطُوَاتٍ لَا يَسْمَعُهَا غَيْرُكَ، فَاهْرُبْ، وَلَا تَسْأَلْ عَنِ الْمَصْدَرِ.

1

13. لَا تَتَكَلَّمْ عَمَّا رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ خَارِجَ جُدْرَانِ الْقَصْرِ، فَالعُقُوبَةُ ألِيمَةٌ مَجهولَةٌ مُرعِبةٌ.

14. إِذَا وَلَدَتْ إِحْدَاهُنَّ فَتَاةً، فَمَصِيرُهَا الْجَحِيمُ تَحْتَ الْأَرْضِ، لِتَتَعَفَّنَ النِّسَاءُ فِي الْأَسْفَلِ مَعَ أَثْمَنِ الْجَوَاهِرِ الَّتِي يُفَضِّلْنَهَا عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ.

15. لَا تُفْتَحِ الْأَبْوَابُ الْمُغْلَقَةُ! أَسْرَارُ الْقَصْرِ أَهَمُّ مِنْ حَيَاةِ سَاكِنِيهِ، فَلَا تَسْتَغْرِبْ إِذَا قُتِلْتَ لِمُجَرَّدِ فَتْحِكَ لِأَحَدِ الْأَبْوَابِ.

16. هُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ... وَلَنْ تُكْتَبَ، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفْشِيَ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ. فَكُنْ حَذِرًا... رُبَّمَا خَطَأٌ وَاحِدٌ كَفِيلٌ بِقَطْعِ رَأْسِكَ.

1

_

وَالْآن، بَعْدَ أَنْ أَنْهَيْتَ قِرَاءَةَ الْقَوَاعِدِ... أَهْلًا بِكَ فِي قَصْرِ كَالِيجُورَا.

تَذَكَّر... لَا تَنْسَ الْقَوَاعِد.

_

صَوْتُ البابِ خَلْفَكَ يُغْلِقُ بِإِحْكامٍ.

الهَواءُ مِنْ حَولِكَ يَبْرُدُ فَجْأَةً.

رائِحَةُ الرُّطوبَةِ، وَالحَدِيدِ، وَشَيءٍ يُشْبِهُ الدَّمَ، تَتَسَلَّلُ إِلَى أَنْفِكَ بِبُطْءٍ.

الظَّلامُ يَبْتَلِعُ المَمَرَّ الطَّوِيلَ... وَالخُطُواتُ الَّتِي تَسْمَعُها... لَيْسَت خُطاك.

أهلًا بك في قصر كاليجورا...

حيثُ تغدو دماءُ الأبرياءِ طاهرة،

ورائحةُ الفسادِ في الأركانِ غامرة،

تبكي الجدرانُ من ويلاتِ ساكنيها،

وتُفتَحُ أبوابُ الجحيمِ لمن يُحييها.

تَذَكَّرْ...

هُنَا، لا يُسَامَحُ مَن يَنْسَى القَواعِدَ.

وَلَا يَخْرُجُ أَحَدٌ... كَمَا دَخَلَ.

_

ما تعتقدون عن القادم من الأحداث؟

للعلم هذه الرواية فكرتي بالكامل فإذا وجدت أي رواية تطابقها فهذا من محض المصادفة وإذا أردت ان تدلي برأيك فالتعليقات مفتوحة وكن لطيفًا على القلب خفيفًا وألقي السلام واكتب أحسن الكلام.

الرواية لا تدعم الشركيات ،وأتمنى أن يوفقني الله فتكون خالية من كل ما لا يرضيه.

الرواية خيالية،لذلك لا تصدق ببعض الخرافات المنسوجة بين الأسطر،وإذا كنت خائفًا فلا تقرأ وإذا لم تكن فاغلق الباب وفعّل الوضع المظلم واجلس وحيدًا وأقرأ ما بين يديك وأحرص على سلامة عينيك.

1

صلو على رسول الله، وأشكرك على إختيارك لهذا الكتاب ،صدقني..لن أخيب ظنك!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لَا تَفْتَحِ الأَبْوَابَ المُغْلَقَةَ.

المؤلف hiam m
2025/08/01 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة